أربعة أعوام مضت، والشر من أربع رياح الأرض يعصف. دخلت سوريا منعطفاً مجهولاً، وها هي في خضم معركة من معارك التاريخ الفاصلة، مؤامرة تستهدف سوريا، وكسر إرادتها، وتفكيك جيشها وتقسيمها.

هجوم مسلح مدعوم وموجّه من قبل قوى دولية – إقليمية سخرت لهذه المعركة كل الإمكانات والأدوات. فنحن بتنا أمام حرب شاملة.
هذا النوع من الحروب والاستهداف غير محدد بزمن، ولا بمواقيت للحسم. كثُر في الأشهر المنصرمة الحديث عن قرب موعد الحسم العسكري. ثمة أسئلة تطرح في هذا الخضم عن حقيقة الحسم، والفائدة من الترويج له، وإن كان هذا النوع من المعارك قابلاً فعلاً للحسم القاطع، وإن كانت هناك عوامل اخرى، وعن السبب في أن المعارك لا تزال قائمة في غير بقعة من ميدان المعارك السورية.

إِشكالية الحسم

تروّج في الشارع السوري روايتان، واحدة تتحدث عن قرب الحسم، وأخرى عن الاستحالة. سقوط معسكري وادي الضيف – الحامدية، ومعظم مناطق الجنوب (مثلث درعا – القنيطرة – ريف دمشق) وتنامي البؤر في جرود القلمون (عسال الورد – فليطة – الجبة) واستمرار تساقط الصواريخ على دمشق واللاذقية، شكلت صدمة لجمهور النظام، وأعادت إلى الأذهان فكرة استحالة الحسم العسكري، وما الفائدة من استمرار المواجهات العسكرية.
منذ سقوط القصير 19/5/2013 وبعض الإعلام الموالي يروج لفكرة الحسم، في المقابل الإعلام المعارض يشكك، ومؤخراً تحدث دي مستورا عن استحالة الحسم للطرفين كليهما، وكان سبقه كثيرون في ذلك، وأبرزهم نائب الرئيس السوري السابق فاروق الشرع، وشاطره الرأي بعض المعارضين المعتدلين أمثال قدري جميل وهيثم مناع وحسن عبد العظيم وآخرين. ومن هذا المنطلق يحاول البعض إقناع الدول بإيجاد مخرج سياسي للأزمة، وتجنيب البلاد مزيداً من الدمار والقتل. لا شك أن هذه القراءة تبدو سطحية وتبسيطاً لأزمة دولية.

إن ما يجري في سوريا هو
في سياق صراع دولي ـ إقليمي، وعلى امتداد الوطن العربي

الاشتباك في سوريا ليس صراعاً داخلياً يتطلب إجراء تعديلات داخلية، حكومية، وزارية، برلمانية، ولا حتى رئاسية، إنه صراع دولي على الشرق الأوسط برمته، استعمل فيه كل شيء، ومؤخراً سلاح النفط.
إن التسرع وافتقار الموضوعية، وسذاجة بعض المحللين أو حماسة الموالين بالترويج لفكرة الحسم العسكري أوقع جمهور النظام في هذا الفخ، وهذا أدى إلى نوع من الإحباط. بالتأكيد كان من المغالطات في مقاربة الأزمة السورية الحديث عن وضع جدول زمني للحسم العسكري، واعتبار الحسم مسألة عسكرية بحتة، ومنفصلة عن الأحداث في المنطقة. قد يكون الحسم عملية سهلة في حالات أخرى، كحدوث انتفاضة أو تمرد أو حركة احتجاجية في بلدة أو مدينة ما، دون سواها، فيقوم الجيش بإخمادها والقضاء على تمرّدها. عادة هكذا تجري الأمور في صراع داخلي – محلي.
لكن ما يجري في سوريا لا يندرج في هذا السياق، حيث تدور معركة على امتداد الجغرافيا السورية 185 ألف كم، وبمشاركة دولية – إقليمية، يختلط فيها الصراع الداخلي بالخارجي والحرب الوطنية بالأهلية والطائفية. هذا النوع من الحروب قد يمتد سنوات، لهذا يعتبر مصطلح الحسم تعبيراً خاطئاً، ويفتقر إلى الواقعية، وفهم أبعاد الصراع، وتفاقم الأحداث في المنطقة (مصر – ليبيا – اليمن – العراق والعالم والإقليم)، والأزمة السورية ليست منعزلة عن هذا السياق.
إن ما يجري هو في سياق صراع دولي – إقليمي، وعلى امتداد الوطن العربي بين محاور عدة، لهذا لا ينطبق مفهوم الحسم القاطع على الأزمة السورية، وإن للحسم عوامل أخرى.

استهداف معقد

إن مراجعة الأحداث توضح حجم الاستهداف. بدأ بعناوين مضللة وبراقة تحت مسميات الربيع العربي، وكان في حقيقته استهدافاً للأمة العربية برمتها، وبأشكال مختلفة من التحريض، وتنظيم التظاهرات، والعصيان، والحصار، والعقوبات، والمعارك، والتفجيرات. هذا النوع من الحروب لا يقاس باشتباك هنا، ومعركة هناك، ولا بسيطرة فصيل على هذه البلدة، ولا قيام الجيش باستعادة تلك المدينة، هذا النوع من الحروب يحتاج إلى وقت طويل تتراكم فيه إنجازات عسكرية وسياسية، وتعزز التماسك الداخلي، وتعيد استقطاب فئات شعبية، وتسقط آمال المتآمرين.
عندما بدأ تسونامي الربيع المزعوم والمصطنع كانت الجماهير في غيبوبة غير قادرة على التمييز بين الاستهداف والثورة والتغيير والإصلاح. حراك واسع استخدمت فيه كل الشعارات والمغريات والفضائيات والإعلام المرئي والمكتوب، وساهم في الحملة منظّرون وكتّاب ومفكرون، ودفعت الأموال الطائلة، وقدم السلاح، وبالتأكيد، لم تكن تلك اللحظة محض صدفة، ومن السذاجة اعتبار احتراق البوعزيزي وراء تلك الجماهير الملتهبة.
كان هناك سيناريو معدّ مسبقاً، سبقته نسخ اعتمدتها القوى الفاعلة في الغرب، (قانون محاسبة سوريا، والـ1559، واغتيال الحريري 2005، وحرب تموز 2006 وحزب غزة 2008)، سبقه غزو العراق، 2003 وتقسيم السودان 2011، وجاءت النسخة الجديدة الربيع العربي 2011 استكمالاً للمؤامرة، لإدخال المنطقة في فوضى عرف كيف بدأت، لكن من غير المعروف كيف ستنتهي.
في ذروة زحف الجماهير إلى الساحات كانت الدول الغربية والخليجية تركب معارضات، وتصنع قيادات وتختار رؤساء للدول المنوي إسقاطها. تهاوت أنظمة بسرعة البرق، وسقطت مصر أكبر دول المنطقة، وتونس، وليبيا، واليمن، وتفرغت أميركا، وحلفاؤها لإسقاط سوريا. اعتقد الجميع ان الدولة السورية ستلحق بباقي الأنظمة المتهاوية، بدأت اللقاءات المكوكية، والاجتماعات الفولكلورية، في ما يشبه الكرنفال. كان أكثر المستعجلين جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، وكان أمين جامعة الدول العربية نبيل العربي منسق اللقاءات والاجتماعات، ووزير خارجية قطر الأمير حمد المعتمد المالي، وأردوغان منظم الحفلات، وهيلاري كلينتون ملهمة الشعوب في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وبرنار ليفي منظّر الثورة، وعزمي بشارة الناطق باسمها، والسفير الأميركي فورد منظم التظاهرات، وبندر بن سلطان مسؤول مستودعات التسليح، أما برهان غليون وصحبه فكانوا الكومبارس.
وتسابقت المحطات الفضائية لإعلان سقوط عاصمة الأمويين دمشق، وكأن الأمر حسم.
في غمرة الجنون والتسليم بقدر أميركا، والتحضير لما بعد الرئيس بشار الأسد. كان الجيش السوري يخرج من الزمن، يفتح الخرائط، ويقيس المسافات، ويضع الشواخص، ويحدد البوصلة. فهو سيخوض حرباً فاصلة بين مئة عام مضت، ومئة عام قادمة، 1916 (سايكس بيكو) 2011 (الربيع العربي)، لهذا قرر الجيش السوري أن يخرج من الزمن، نكون أو لا نكون بعدها.
الحرب بدأها «الإخوان المسلمون» و«الجيش الحر» و«لواء التوحيد» و«أحرار الشام»، انهزموا وجيء بـ»النصرة»، و»داعش»، وسيذهب هؤلاء، وسيؤتى بغيرهم، وبأسماء أخرى، إنها معركة طويلة.

المعركة

هذه المعركة استوجبت مراحل ومحطات، وهي ذات شقين: سياسي وعسكري، ولا يمكن الفصل بينهما، مساران متلازمان، ولا يمكن تحقيق نصر عسكري دون انتصار سياسي يفرض تراجعاً على الدول المتآمرة، ويوقف الدعم عن المسلحين، ويعمل على ضبط الحدود، وإلغاء العقوبات، ويعيد الاعتراف بشرعية النظام. عندها يمكن تحقيق انتصار عسكري، إنما في ظل استمرار عداء تلك الدول لسوريا. فالحسم العسكري نسبي، والمطلوب استمرار الصمود وإفشال المؤامرة.

مراحل المؤامرة

حاول الغرب بداية إضفاء شرعية على التظاهرات، ومواكبة حركة المعارضة وتأمين غطاء دولي لها، ومن ثم فرض مناطق عازلة وآمنة، تصدى لها الجيش السوري، وقاتل في عقد مفصلية تحول دون تحقيق الهدف، واستبسل الجيش بالدفاع عن جبل الزاوية (خربة الجوز – المسطومة – قلعة حارم ومطار تفتناز وخسر أكثر من ألفي شهيد، وتمسك بجسر الشغور وبلدة بداما. كما تمسك بوادي الضيف – الحامدية، وأسقط مشروع المنطقة العازلة. ولو أخلى تلك المناطق في حينه كان سيؤدي إلى شريط عازل مع تركيا.
استبدلت الخطة بنسخة أخرى. منطقة حظر جوي في درعا على الحدود الأردنية فتمسك الجيش بتلة الجابية، وتلة الحارة ومدينة خربة غزالة. فسقط المشروع أيضاً. ثم جرت محاولة لإنشاء ممر بحري، تارة في بانياس (البيضا) وطوراً في كسب ونبع المر والسمرا، ففشلت المحاولة. وكانت تجري محاولات على الحدود اللبنانية (قلعة الحصن – القصير) تلكلخ، أيضاً لم تنجح، وتكررت المحاولة في اليعروبية ورأس العين ففشلت.
جرت محاولات للسيطرة على محافظة حمص وإعلانها عاصمة للثورة، فتمسك الجيش بثكناته داخل المدينة ومنع سقوطها وأسقط بابا عمرو عاصمة المعارضة. جاءت المحطة الثانية: محاولة اختراق العاصمة دمشق، وتدفق آلاف المسلحين من الحدود الأردنية (ميدعا – العتيبة)، ولم تفلح وجرت محاولات لقتل رموز النظام (خلية الأزمة) وتدخل الطيران الإسرائيلي أكثر من مرة.
وحاولت تركيا اختراق حلب، العاصمة الثانية، والأولى على مستوى الاقتصاد، والنفوذ السنّي، وسعت لربط الريف الحلبي مع ريف إدلب ففشلت. واجه الجيش السوري كل الخطط، وأسقط كل المحاولات ودفع أثماناً باهظة لتمسكه بالمواقع المتقدمة والمتداخلة مع الحدود التركية لما تمثله تلك المواقع من أهمية استراتيجية حالت دون ربط مناطق المعارضة.
ومع نهاية عام 2012 كان الجيش السوري يخوض مواجهات في 462 نقطة اشتباك، وهذه سابقة لم تحدث مع أي جيش آخر، وقاتل الجيش من الحركة بعدما فقد الكثير من نقاط الثبات، وهي أصعب أنواع الحروب، أي أن يتحرك الجيش من نقطة محاصرة لمؤازرة نقطة محاصرة، (من الاشتباك إلى الاشتباك) والسير مسافات طويلة دون تأمين مراكز إسناد ودعم، مثال: فتح طريق حماه – حلب (السلمية – السفيره – حناصر) 200 كم. أو نقل القوات من ريف حماه (محردة) إلى بادية حمص (حقل الشاعر 100 كم).
وفي غضون ذلك، نجح الجيش في الانتقال إلى مبادلة المهاجمين بهجمات مضادة، وفك الحصار عن الكثير من المواقع، ونجح في محاصرة مواقع أخرى، واستطاع فتح العديد من الطرق الرئيسية، وتأمين الإمدادات إلى بلدات وقرى محاصرة. واستطاع استعادة كامل الحدود السورية – اللبنانية، وبالرغم من كل الصعوبات، والعناء، والضغط، كانت القوات المسلحة تمتلك المبادرة، والقدرة على توجيه ضربات نوعية، ومركزة، واستنزاف المجموعات، وإرهاقها، وتفكيك بنيتها.
إن ما انجز خلال 16 شهراً من 19/5/2013 حتى 24/11/2014 ابتداء من الهجوم على مدينة القصير، وانتهاء بالدخول إلى مدينة مورك يُعد تحولاً كبيراً في سير المعارك، ونقلة نوعية في الميدان، حيث استطاع الجيش السوري حسم 118 نقطة اشتباك من مجموع 462 نقطة، ومحاصرة 70 نقطة بشكل كامل. والنقاط المستعادة تشكل جزءاً أساسياً من المعارك الدائرة.
البداية كانت من غرب العاصي حيث تم تنظيف كامل المنطقة المحاذية لحدود لبنان كخط إمداد استراتيجي للمجموعات المسلحة، وبوقت قياسي، ثم إسقاط 32 بلدة. أبرزها: مزارع سقرجة، الخالدية، الموح، الجروسية، السكمانية، الرضوانية، قادش، السعديه، البرهانية، عين التنور، تلة النبي مندو وصولاً إلى مدينة القصير، ثم متابعة اجتياح باقي البلدات، عرجون مطار الضبعة، المسعودية، حسيا، البويضة الشرقية، البراك، الزارة، الحصرجية، قلعة الحصن. بالتوازي مع ذلك، استكمل الهجوم على طريق حمص، دمشق، وتمت استعادة قاره، دير عطية، النبك، السحل، مزارع ريما، عين البيضا، تلفيتا، تلة القطري، تلة الكويتي، يبرود، عسال الورد، رأس المعرة، الجبة، فليطة، رنكوس، الطفيل، والجراجير.
وكانت عمليات عسكرية مشابهة تجري في ريف دمشق، ونجح الجيش في تطهير البلدات: حران العواميد، جربا، الزمانية، الخماسية، القرية الشامية، القاسمية، عقربا، القيسا، وبذلك تم تأمين وحماية مطار دمشق الدولي، واستكملت العملية بالهجوم على السبينة، حجيرة، الذيابية، دير سلمان، المرج، النشابية، العبادة، العتيبة، والتي تشكل بوابة الغوطة الشرقية، وتمت استعادة الغزلانية، سيدي مقداد، مسرابا، الأحمدية، جديدة عرطوز، جديدة الفضل، بئر القصب، عدرا، العمالية، عدرا البلد، معلولا، صيدنايا، عين ترما، المليحة، الدخانية.
اما في جبهة اللاذقية، فنجح الجيش باستعادة المرصد 45، تلة تشالما، وتلة النبي يونس، كسب، نبع المر، السمرا، وجرى تنظيف البؤر داخل مدينة بانياس، البيضا، المرقب، رأس النبع، كما تمت استعادة الجيوب المتبقية في ريف حماه، طيبة الإمام، حلفايا، صوران، مورك، وهذه المدن كانت تشكل قواعد ارتكاز قوية للمعارضة، وأيضاً استعاد الجيش مدينة خربة غزالة، وهي تعتبر مدينة استراتيجية وعقدة مواصلات في درعا. ونجح الجيش بفتح طريق حماه، حلب الممتد من السلمية، السفيره، خناصر، وفك الحصار عن مطاري حلب الدولي، وقاعدة النيرب الجوية، كما فك الحصار عن قاعدة الدفاع الجوي، واللواء 80 والسجن المركزي ومعامل الدفاع. واستعاد السيطرة على النقارين، كفر حمرا، العزيزية، وتل المجبل وتل الزرزور وبلدة الصبيحية وتلة الشيخ يوسف، والمدينة الصناعية والشيخ نجار، ومنطقة البريج والطعانة وتل الشعير ومزارع الملاح، وسيفات، وحندرات وكان في وقت سابق استعاد حمص القديمة.
هذه الإنجازات تمت خلال 16 شهراً، وما تحقق هو ثمرة جهد وعمل دؤوب، ونتيجة لتماسك المؤسسة العسكرية، التي عملت على تطوير أداء الجيش عبر إعادة هيكلة الوحدات، وبما يتناسب مع طبيعة المواجهات والمهمات الموكلة إليه، وتم تطوير الوحدات بشكل يعطي دينامية ومرونة أثناء توزيع المهمات، وإنشاء قوات متحركة (منقولة) ما تطلب إعادة تنظيم التشكيلات العسكرية وتنمية قدرات الضباط الصغار. وجرى تحديث القوات البرية، وتم تحديث ألف دبابة قديمة T55 – T54 من أجل تحسين الخطط الدفاعية، وكذلك وحدات المدافع والصواريخ، والاعتماد على المتطوعين، من الدفاع الشعبي وعشائر المناطق الشعبية، وكتائب البعث، ولجان المناطق، ولواء القدس، إضافة إلى المزاوجة بين قتال حرب العصابات والجيوش النظامية، وذلك بالاعتماد على وحدات حزب الله كقوات صدم، بينما تتولى القوات النظامية تنسيق الوسائط النارية. كان الاعتماد على المتطوعين ناجحاً ما خلق نوعاً من المبادرة والارتجال، وبرزت قيادات من خارج الإطار الأكاديمي، ما أعطى زخماً في الميدان، وكان له دور مؤثر في سير المعارك. وهذا يفسر الكيفية التي أدار بها الضباط الميدانيون مسرح العمليات. لم يكن ممكناً تجاوز النكسات، والضربات المتلاحقة وحالات الانشقاق والفرار دون العودة إلى إعادة إنتاج وهيكلة لمن تبقى من تشكيلات ووحدات، بمؤازاة من نجاحات القوات المسلحة.
كانت الدولة تعمل على ثلاثة محاور في آن. قاتلت على الجبهات كافة وبكل الوسائل الممكنة، وسعت إلى المصالحات والتسويات وتحييد مناطق وقرى وبلدات. وهذا خفف عنها أعباء كبيرة، في المقابل أدى إلى اقتتال بين فصائل المعارضة.
واستمرت بالحفاظ على المؤسسات، كونها تعتبر أن عمل المؤسسات هو شكل من أشكال الصمود، واستمرار الدولة، واستمرت بدفع الرواتب حتى في المناطق المتمردة، وعبر الحواسيب، كل شهر كالمعتاد، بحيث يذهب الموظف إلى الحاسوب الالكتروني ويقبض راتبه الشهري (ما عدا المتورطين). واستمرت بدعم الخبز، وكانت الدولة تدفع مليارات من أجل الحفاظ على سعر ربطة الخبز بشكل يثير الدهشة. (أي كل ثماني ربطات) ثمانين رغيفاً بدولار واحد. وهنا ليست المسألة مقاربة بالدولار، بقدر ما هو تصور لحجم الأموال التي تدفعها الدولة للحفاظ على سعر الخبز، كما التعليم؛ فبالرغم من الأزمة يوجد مليون تلميذ، كلفة التلميذ صفر من الابتدائي حتى أول جامعي وحوالى 750 ألف طالب على نفقة الحكومة.
وكذلك شبكات الكهرباء والغاز، إذ استمرت ورشات الصيانة بالعمل والترميم وإصلاح البنى التحتية، تحت القصف، وأيضاً استمرت المستشفيات تعمل بشكل اعتيادي، وكأن الأمور طبيعية ولا توجد حرب.
وهنا يسجل للنظام إعطاؤه الأولوية لعمل المؤسسات وشؤون الناس الحياتية والمعيشية كونه وازن بين الإنفاق العسكري وحاجات المواطنين. لم يستعمل الأسلحة الحديثة نظراً للتكاليف الباهظة، مثلاً: تحتاج طائرات ميغ 29 – 31 سوخوي 27 – إلى مبلغ عشرة آلاف دولار عند كل طلعة، ففضل العمل بالطائرات القديمة ميغ 21 – 23 المنسقة من الستينيات لتجنب الأكلاف المالية، ومعظم هذه الطائرات سقط نتيجة الأعطال الفنية، وهذا ينطبق على الصنوف الأخرى، دبابات T72 – T90 واعتمد على دبابات T55 – T54، وكذلك الطائرات المروحية القاذفة، غازيل الفرنسية، وMI25 واستعاض عنهما باالمروحيات القديمة MI5.
حاولت أن تخوض الحرب كدولة، وليس كنظام آيل للسقوط، من هنا كان قرار اعتماد خطة للصمود لحين التبدلات الخارجية أو فعل الزمن، وهذا كفيل بإسقاط المؤامرة مع مرور الزمن وباستمراره بوتيرة أعلى لاستعادة ما أمكن من المناطق.
لا شك أن الصمود فتح فرصة لإعادة إنتاج الدولة، وتصحيح ميزان القوى، وعزز قوة محور المقاومة ودور دول البريكس. فالصمود السوري كشف أن الدولة السورية أقوى مما تصور الكثيرون من الذين ظنوا بأنها مماثلة لتونس ومصر وليبيا واليمن، وهذا يشجع على إعادة استقطاب الفئات الشعبية، المترددة والمحايدة، التي يمكن أن تشكل القوة التي تحسم المعركة.
في المقابل وبعد مرور أربع سنوات، سقط المراهنون على إسقاط سوريا. سقط «الربيع العربي» المغلّف بالطائفية والمذهبية، وتبخّرت المعارضات التي استغلت الفئات الشعبية المسحوقة، والفئات العمالية، والفلاحية، والمدنية. فشلت لأنها افتقدت إلى المعادلات الوطنية والقومية، ولم تكن سوى متكأ لتدخلات خارجية، واستجرار للغزو.
أما تنظيم «الإخوان المسلمون» ففشل في ملء الفراغين الإيديولوجي والسياسي، وهو الذي بدأ للوهلة الأولى بصعود كبير، ولكن سرعان ما سقط وتهاوى وانتهى في الحضيض، سقط في مصر بالرغم من إرثه السياسي الطويل، لم يستطع الحكم بالرغم من وصوله إلى سدّة الرئاسة، وأيضاً فشل في الحفاظ على إنجازات المقاومة في فلسطين نتيجة الارتباط التبعي بالمحور التركي – القطري، وتلا سقوطه في مصر، سقوطه في تونس وليبيا، كما سقطت تجربة الأصولية – الجهادية. فتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة قد يكونان آخر الأصوليات.
كان «الربيع العربي» مسخّراً لاستعمار جديد، لتقسيم المقسّم، ونشر الفوضى، والحروب الأهلية والطائفية، وتدمير البلاد، وتفكيك الجيوش، ولكن صمود سوريا أسقط كل المحاولات حتى الآن، ووضعها على محك جديد، لأن أصحابها، كما يبدو، لا يريدون الاعتراف بالفشل، ولا التوقف عنده، وهم مستمرون بتغيير أساليب اللعبة، وبتغيير مخططاتهم ولا يأبهون بأن يظل الصراع مفتوحاً مهما أصيبوا بانتكاسات، ومهما ألحقت بهم الخسائر.
* كاتب لبناني