زياد سعيد *


يدخل اعتصام المعارضة اللبنانية يومه الثالث والثمانين. وفي الأفق توجّه نحو تصعيد التحرك، والانتقال به الى مرحلة جديدة أكثر تقدماً، هي مرحلة العصيان المدني. في بادرة يُراد منها زيادة الضغط على الفريق الحاكم وإشعاره بنفاد الصبر. وخصوصاً ان الفرص الكثيرة التي منحت لأجل الحلول لم تلق ما تستحقه من اهتمام.
الانسداد في ذروة جديدة. والتفسير الوحيد الممكن لهذا الانسداد الذي سبق له أن أطاح كل ما قُدّم من «مبادرات» وأتاح هدر الفرص العديدة التي لاحت، يكمن في استمرار الرهانات الخاطئة. وهي الرهانات نفسها التي سمحت بهذا القدر العالي من الانكشاف الداخلي. وتهدد اليوم بإغراق البلد في أتون من النار. وربما القضاء الكامل على العناصر الدنيا الباقية من مقومات «الدولة». الاستعراض المحايد للخطاب السياسي المسيطر، الذي تجلى في نوع الخطب التي أُلقيت في مهرجان السلطة الأخير وفي مستواها، يُظهر القعر الذي وصلت إليه البلاد.
الأكيد أنه ليس لدى الفريق الحاكم من ضمانة غير التوتير. والتوتير، على ما بات واضحاً، هو السبيل الوحيد الذي يتيح الحفاظ على الموقع، وحتى الدور. رفض «الحلول» ناتج من الإدراك الحاسم بأن أي انفراج في العلاقات الداخلية، ولو ارتدى شكل التسوية المؤقتة، لن يكون في مصلحة هذا الفريق. بل يمكن الانفراج أن يقود الى خسارة الفوائد التي تحصّلت والجهود التي بذلت. نظرة مدققة في وقائع الأشهر الفائتة ومجرياتها تؤكد هذه الحقيقة التي تزداد رسوخاً. إن مجمل الأداء السياسي الخاص برموز هذا الفريق يتركز على مفاقمة المخاطر وزيادة الشحن. الشحن المذهبي تحديداً. وهو ما يفسر اللجوء الدائم الى وضع العراقيل أمام أنواع التسويات.
تعذر الحلول، وانعــــــــــدامها، هو الذي يفرض، إذاً، على القوى المعارضة زيادة ضغطها. ولا سيما أن السلطة، انطلاقاً ممــــــــــــــــا سبق، لن تكفّ عن المناورات. الأرجح أن الرسالة الأساسية التي تحاول المعارضة إيصالها هي أنها ما عادت قادرة على تجـاهل ما يُدبّر للبلد من مشاريع. والوقت الذي مُنح بات يتجاوز قدرات المعارضة. بل وفوق ما يمكن البلد أن يتحمله. وخصوصاً ان الظروف الدقيقة والمناخات الخاصة التي يعيشها اللبنانيون لا تسمح بهذا الترف.
الأسباب التي دعت المعتصمين الى احتلال الشارع لا تزال قائمة، وليس في الأفق القريب ما يشير إلى أن المطالب التي حكمت اللجوء الى الشارع في وارد التحقق. وخصوصاً ان عجز السلطة عن التسليم للمعارضة، أو للبلد، بات أمراً مؤكداً. الأمر الذي يطرح السؤال عن جدوى الاستمرار في منح الفرص. وخاصة أن الأسباب التي منحت فؤاد السنيورة، ومن يمثّل، القدرة على الصمود في السرايا هي أسباب محض خارجية، وتحديداً أميركية. الكلام الأخير للوزيرة كوندوليزا رايس التي اعتبرت فيه لبنان ساحة أمامية لمواجهتها تأكيد إضافي لما هو معروف، لجهة أن التنازع اللبناني الداخلي هو في قسط وافر منه يشكل امتداداً للحرب التي تخوضها أميركا للإمساك بالمنطقة، بعدما بات التعذر العراقي وكذلك الفلسطيني يضغطان في غير مصلحة الخطة الأميركية.
في المقابل فإن الصمود الذي تبديه المعارضة، يكشف عن قدرات تمثيلية فعلية. وهنا من اللازم التسجيل للمعارضة وجمهورها القدرة على امتلاك النفس الأطول في ميدان التحرك المدني، على رغم بعض مظاهر الوهن التي اعترته، أو جملة المخاطر التي كادت تنتج منه، حيث إن السلطة لم توفر الوسائل الى جرها الى ميدان الفعل العنفي. فالاعتصام الذي يوشك على دخول أسبوعه الثالث عشر يستحق ان يدخل في باب التاريخ اللبناني بوصفه التحرك المدني المتواصل الأطول.
ومع ذلك فإنه من الضروري للمعارضة الاعتراف ببعض الشوائب التي لابست تحركها والوقوف عند بعض الأخطاء التي كان لتفاديها أن ينعكس مكاسب إضافية.
لعل مكمن العطب في بعض تكتيكات المعارضة، التي تجعلها تبدو ــ أقله في الشكل ــ فاقدة للمبادرة والفعالية، الضرورية لجعلها قادرة على تحقيق ما تصبو إليه من أهداف، هو أنها في صوغها لمطالبها المحقة قد أحاطت المطالب بقدر غير ضروري من الاستجداء. والمعلوم أن الاستجداء، أي استجداء، ولو في سبيل مطالب يسيرة أو سهلة يجعلها تمتنع عن التحقق، وتدفع بالطرف الآخر الى موقع الرفض أو العناد.
الأرجح ان مطلب «الثلث الضامن» الذي أُريد منه الإيحاء أنه لا مطامع لدى المعارضة في هزيمة الطرف الآخر، لم يكن موفّقاً، حيث إن الشكل الذي جرى فيه تقديم المطلب، استبطن نوعاً من الاستجداء لا علاقة له بالسياسة، وأضعف من حيّز المناورة الضروري لجعل تحقيقه ممكناً ومضموناً، الأمر الذي مكّن السلطة من أن تكابر، بل وتنجح في تصوير مكابرتها على أنها دفاع مشروع عن نتائج تحققت بفضل الانتخابات النيابية الأخيرة.
الاستجداء يوصل الى الامتناع. لا يمكن تحصيل الحقوق بالاستجداء. من الضروري فرضها، وهذا لا يتم إلا من خلال ميزان قوى راجح، وطرائق عمل غير تقليدية، وبالمناورة. فالخصم الذي تواجهه المعارضة ليس تقليدياً، وروادعه الوطنية والأخلاقية قليلة.
العصيان المدني إعلان متأخر عن مستوى جديد من الصراع لا حيلة للمعارضة فيه.
* كاتب لبناني