ألبير فرحات*


وأخيراً، وليس آخراً، طلعت علينا مجموعة قالت عن نفسها انها تضم في صفوفها «أعضاء في المجالس الوطنية واللجان المركزية والمكاتب السياسية واللجان المختلفة في الحزب» من الحاليين والسابقين، وعقدت اجتماعاً في «ملتقى النهرين» أعلنت إثره «التصميم على اتخاذ كل الإجراءات القانونية والسياسية والتنظيمية لتغيير هذه القيادة (أي هيئات الحزب القيادية المنتخبة في المؤتمر التاسع) والتحضير للمؤتمر العاشر». واعتبرت المجموعة ان الوضع في الحزب «قد تفاقم حتى بلغ القاع، حين جرجر المكتب السياسي بعض المناضلين الى ساحات الفرز الطائفي»، وان ذلك المكتب قد «قرر عامداً متعمداً دعوة الشيوعيين للالتحاق كل بطائفته»، داعيةً الى إخراج الحزب من «الأتون المذهبي والطائفي الالتحاقي الذي زجّ فيه قسراً». وعلى طريق عقد المؤتمر العاشر المزعوم صرح أحد «القياديين» من أعضاء المجموعة بأنهم بصدد استئجار مكتب يكون مركزاً لعملهم. ولم توفر مجموعة «ملتقى النهرين» الحزب وقياداته من نعوت «المتاجرة» و«التسول» والاستيلاء على أمواله وأملاكه وغيرها من التعابير التي ينضح بها الإناء الذي تصدر عنه.
لن نناقش المجموعة في الاتهامات السياسية والتنظيمية التي توجهها الى الحزب لأن المسألة ليست هنا أو هناك، بل في مكان آخر. نكتفي هنا بسؤال تلك الكوادر القيادية التي انتخبت في المؤتمر التاسع هل «التزوير» قد طاولها هي أيضاً؟ وكيف اضطلعت بالمسؤوليات التي ألقاها على عاتقها من انتخبها؟
أزمة الحزب تعود الى مرحلة الحرب الأهلية عندما ارتضت القيادة السابقة خلالها القبول بأطروحة «الطوائف الوطنية» و«الطوائف غير الوطنية» والتحقت تبعاً لذلك بالمشروع الطائفي الإسلامي، ثم عندما رفضت بإصرار بعد انتهاء تلك الحرب إجراء مراجعة نقدية لسياسات الحزب وممارساته طوال مرحلة ربع قرن شكلت واحدة من أخطر مراحل تاريخ وطننا المعاصر. ثم عندما أجهضت المبادرة التاريخية لحزبنا التي تمثلت في انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وتنكرت لدماء وتضحيات أبطالها وذلك من خلال مشاعر الغرور التي عصفت بتلك القيادة، وقبولها بإدخال جبهة المقاومة الوطنية في لعبة محاور الأنظمة العربية، الأمر الذي سهّل على النظام العربي الجار وعلى قوى طائفية داخلية الإجهاز عليها.
والمسألة تكمن أيضاًَ في ان «مجموعة الخمسة» التي تولّت قيادة الحزب طوال أربعين سنة لم تتمكّن من أن تخلي المكان لغيرها من الكوادر الشابة التي أثبتت جدارتها في ظروف استثنائية وأصبحت تنظر الى الحزب جزءاً من أشخاصها. ألا يلفت النظر أن الأربعة الباقين من تلك القيادة بعد استشهاد جورج حاوي قد أصبحوا جميعهم خارج الحزب، واستبدلوا بطاقة بأخرى، وانقضوا على الحزب بهذا الشكل أو ذاك؟
على كل حال، وفي هذا المضمار، فإن التذاكي لن يفيد أصحابه. وإذا كان واحد فقط من أعضاء تلك «القيادة التاريخية» قد أعلن اسمه بين أسماء مجموعة «ملتقى النهرين» فإن الجميع يعرف، في الحزب وخارجه، أن هناك اثنين أيضاً لم يعلنا أسماءهما من باب «حفظ خط الرجعة» ومن باب إضفاء الطهورية على شخصيهما لكي يؤديا في المستقبل دور المحايد والمنقذ.
ولا يحتاج المرء الى كثير عناء لكي يرى أن هذه «الانتفاضة» تأتي في سياق عمليات سبقتها سواء في إطار «اليسار الديموقراطي» أو في إطار ما جرت تسميته أخيراً «حركة اليسار اللبناني» المعروفتين بانتمائهما الى تجمع 14 آذار.
على ان المحــــــــــــــاولة الأخيرة تتميز بكونها تريد ان تختصر الطريق وان تطلق النار على القلب فتنكر بكل بساطة وجود الحزب الشــــــــــــــيوعي اللبناني وتنتحل اسمه وفصله وأصله انطلاقاً من ذلك الفكر الستاليني الذي يتمتع به بقايا مجموعة الخمسة (سئل ستالين عن أحد كبار المعارضين في الاتحاد السوفياتي فكان جوابه ان هذا الشخص لم يكن له من وجود...). وان هذا الأمر يؤسس لتقاليد جديدة في الحياة السياسية اللبنانية لا يجمعها جامع باحترام الآخر وحقه في الوجود، ولا يجمعها جامع بالديموقراطية.
يهمنا ان نسجل ان هذه المحاولة الهجومية تأتي في سياق الحملة التي يتعرض لها الحزب الشيوعي اللبناني الذي سار شوطاً كبيراً بعد مؤتمره التاسع في إعادة الاعتبار للأسس الديموقراطية في التنظيم ولاستقلاليته السياسية التي لا تعني أبداً الحياد إزاء العدو.
ان هذا الحراك هو جزء من الصراع الدائر في وطننا وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي بين القوى المعادية للإمبريالية وقوى القبول والردّة التي يشكل غالبيتها اليساريون السابقون الذين تيتّموا بعد زوال الاتحاد السوفياتي وصاروا يفتشون لهم عن مكان في غير مكانهم، وليس من دون معنى ان يأتي هذا الهجوم في الوقت نفسه الذي تبادر فيه قوى الموالاة الى هجوم مضاد واسع النطاق يترافق مع الهجوم المضاد الذي تشنه واشنطن في المنطقة.
تبقى مسألة نود ان يدركها جماعة «ملتقى النهرين». إننا نأخذ على محمل الجد تهديداتكم «القانونية». فنحن نعرف ان تلك القوى التي تقف وراءكم قادرة على تسخير الأجهزة الأمنية والقضاء من أجل تصفية الحزب الشيوعي اللبناني ومن أجل وضعه خارج الشرعية.
هذا ليس بجديد على الشيوعيين اللبنانيين. فهم قد خبروا طوال ثمانين سنة من نضالهم ظروف العمل العلني وظروف العمل السري. وهم يعرفون ان لكل من هذه الظروف أفضلياته وسلبياته. يريدون ان يعرف الجميع ان ظروف العمل السري على صعوبتها تسمح للحزب بأن يتجاوز الكثير من الضوابط وخصوصاً في التعامل مع القوى المعادية والمرتدة.
* محامٍ وكاتب لبناني