خورشيد دلي *


وسط قناعة تركية عميقة بأن تركيا كانت الخاسر الإقليمي الأكبر من الاحتلال الأميركي للعراق، تتحرك تركيا أردوغان على محاور الشرق الأوسط مستحضرة السياسة والاقتصاد والأمن وحتى البعد الحضاري من أجل استعادة الدور المفقود، فمن زيارات أردوغان المتتالية لدول المنطقة إلى استضافة أنقرة لمؤتمرات تتعلق بالوضع الداخلي العراقي (كركوك 2007 ومن قبل مؤتمر نصرة العراق)، وصولاً إلى إرسال قوات تركية إلى لبنان ومن قبل أفغانستان... يقول لسان حال أنقرة إن ما يجري في العراق وفلسطين ولبنان والمنطقة عموماً.. يعنيها أكثر من أي وقت مضى، وإن المطلوب هو إقرار بدور تركي في هذه التطورات.
وفي قراءة لأبعاد تكثيف التحرك التركي تجاه منطقة الشرق الأوسط بعد عقود من الإهمال والتوجه إلى الارتباط استراتيجياً بالغرب يمكن التوقف عند مجموعة من المؤشرات والعوامل التي لها علاقة بقضايا السياسة التركية وخياراتها ومآلها، ولعل من أهم هذه المؤشرات:
1 ــ إحساس تركيا بخيبة أمل تجاه الاتحاد الأوروبي الذي جمّد مفاوضات العضوية جزئياً مع تركيا، ولعل الجواب التركي على السلوك الأوروبي هذا، هو التوجه نحو دول منطقة الشرق الأوسط أكثر حتى لو كان من بوابة الاقتصاد والعلاقات الثنائية، انطلاقاً من أن ذلك سيقوّي موقف تركيا في مواجهة التحدي الأوروبي ويفتح أمامها خيارات قد تؤسس لدور تركي فاعل، وخاصة في ظل وجود نوع من التوازن في علاقاتها مع دول المنطقة، سواء مع إسرائيل والعرب أو مع الدول العربية وإيران. 2 ــ القلق التركي العميق من الدولة الكردية الناشئة في شمال العراق، والمخاوف من أن تُلهم هذه الدولة التطلعات الكردية في دول المنطقة، ولا سيما تركيا التي تخوض قواتها مواجهات شبه يومية مع عناصر حزب العمال الكردستاني.
إذ ترى تركيا ان القواعد السابقة لسياستها تجاه العراق قد تغيرت بعد احتلال العراق، فلم يعد من الممكن لها اجتياح شمال العراق عسكرياً بحجة ملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني، كما كان في السابق، من دون موافقة أكراد العراق والإدارة الأميركية والحكومة العراقية، وأن أي تحرك في هذا الاتجاه قد يعني الصدام مع الأطراف المذكورة وهو ما لا تغامر به أنقرة، وخاصة إذا كان ذلك يعني الصدام مع الإدارة الأميركية التي أعلنت منذ بداية احتلال العراق أنها لن تسمح لدول الجوار بالتدخل في الشؤون العراقية.
3 ــ مع ملامح انهيار المشروع الأميركي في العراق والإقرار بأهمية إشراك سوريا وإيران في إيجاد حل للوضع في العراق على الرغم من رفض بوش ذلك حتى الآن، ترى أنقرة أنها أصبحت غائبة عن ساحة التأثير في المشهد العراقي مقابل تقدّم واضح للدورين الإيراني والسوري، وخاصة لجهة التحسّن الكبير في العلاقات العراقية السورية والعراقية الإيرانية، إلى درجة يمكن القول إنه ظهر ما يشبه مثلث حوار بين بغداد ودمشق وطهران، بينما تحس أنقرة بتأخر دبلوماسيتها وتحاول ان تلتحق بالتطورات لتعوّض عن خسارتها، ولكن كيف؟ هل من خلال بوابة أميركا الحليفة التاريخية لأنقرة؟ أم بالانخراط في عملية تنسيق مع دمشق وطهران؟ أم مباشرة مع العراق.. ولكن من أية بوابة؟ بغداد أم أربيل؟
من دون شك، تعمل أنقرة في كل هذه الاتجاهات، لأن المهم بالنسبة إليها، هو ألا تجد نفسها خارج الترتيبات الإقليمية الجارية كي لا تحس في النهاية بخسارة ربما أقوى من إحساسها بالخسارة على جبهة الخيار الأوروبي.
السؤال الذي يطرح نفسه، هل ما جرى للسياسة التركية هو نتيجة أزمة خيارات؟ أم أزمة ممارسة سياسية؟ أم أزمة تطلعات تاريخية؟
من نافل القول أن تركيا دولة مهمة تاريخياً وجغرافياً وحضارياً، وأنها قوية بمقاييس القوة والاقتصاد والأمن، إلا ان كل هذا لا يعني عدم وجود أزمة سياسية بنيوية في خياراتها السياسية التي تتلخص ربما في أزمة هوية تعكس أزمة ممارسات سياسية. فتركيا في توجّهها نحو طهران لا تتخلى عن إحضار البعد الأميركي إزاء الملف النووي الإيراني، وفي حركتها نحو دمشق تتصرف من موقع القادر على حسم القضايا الخلافية (المياه، الحدود، لواء إسكندرون، حزب العمال الكردستاني..) لمصلحته.. وهي في كل هذا تتصرف كأسيرة لحالة تاريخية أطلق عليها البعض (العثمانية الجديدة)، أو انطلاقاً من إحضار بعد غربي على شكل دور وظيفي في استراتيجية مرسومة تجاه المنطقة (إرسال قوات تركية إلى لبنان وأفغانستان)، وفي تعاملها مع أقلياتها تتصرف بعقلية الإنكار والاستبداد والإقصاء، فيما تذهب في شعاراتها السياسية إلى الدفاع عن حقوق الأقليات في البلقان والقفقاس إلى حد التبنّي التاريخي لها، وذلك في مؤشر آخر إلى حضور الإرث التاريخي في السلوك السياسي التركي. انطلاقاً من كل هذا فإن التوجه السياسي التركي تجاه دول المنطقة وقضاياها يندرج في خانة البراغماتية السياسية أكثر من الثقة المطلوبة التي باتت ضرورية وخاصة في ظل اشتداد الهجمة على دول المنطقة والمشاريع التي تخطط لها من وراء المحيطات.
تركيا في بحثها عن دور إقليمي تبدو في أزمة خيارات، ومع هذه الأزمة يزداد الجدل في شأن الطريقة الفضلى لاستعادة الدور، إذ هناك من يدعو إلى مراجعة جذرية للسياسة التركية تجاه العراق والمنطقة عبر التخلص من الأيديولوجيا لتخفيف الأعباء السياسية، وآخر يطالب بالظهور بقوة مجدداً عبر البوابة الأميركية ما دام موقفها السابق بخصوص احتلال العراق شكّل بداية الخسارة التركية على جبهة العراق، والبعض الآخر يرى أن أميركا هي أصل كل المشكلات في المنطقة والعالم.
من الواضح ان تركيا في بحثها عن دور إقليمي تكتشف أزمة سياستها التي هي على شكل أزمة خيارات وهوية وممارسة سياسية.
* كاتب سوري