معمر عطوي *


يبدو أن الاتحاد الروسي قد عاد الى دائرة الاحداث العالمية بقوة في الاشهر الاخيرة ليقوم بالدور الملائم لحجمه السياسي والاقتصادي والجيوبوليتيكي في المجال الحيوي «الاوراسي»، إن لم نقل قد عاد ليحيي مجد «السوفياتيات» الضائع منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي.
يمثل ببراعة هذه الاتجاه الجديد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي ركزت خطاباته الاخيرة على ضرورة وضع حد لسيطرة القطب الواحد وإعادة تكوين التحالفات الدولية وفق نسق جديد يأخذ في الحساب العامل الاقتصادي والازمات الاجتماعية أسباباً اساسية لحدوث الخلل في التوازن الاقتصادي بين الدول، وبالتالي انعكاس «اللاعدالة» في توزيع الثروة على تكوين كيانات سياسية خاضعة تسمى الاطراف، وإقطاب تمتلك القوة والاقتصاد والحق في التسلح وبالتالي الهيمنة.
ويبدو أن بوتين ومن خلال خطابه الأخير الذي ألقاه في مؤتمر «الأزمات العالمية هي مسؤولية عالمية» الأمني الذي عقد في مدينة ميونيخ الالمانية اوائل هذا الشهر، قد أتقن فن التعبير عن مشروعه الاقليمي ــــــ الدولي بشكل بدا من خلاله انه يطمح الى ايجاد موقع ملائم لروسيا على الحلبة الدولية يمتلك قوة الاتحاد السوفياتي ونفوذه، لكنه يتلافى اخطاء الاتحاد بتقديم نموذج آخر لمعادلة القطبين قائم على نزع التسلح بدل سباق التسلح من المجال النووي الى حرب الفضاء، وعلى حل المشكلات الاقتصادية مقدمة لحل المشكلات الاجتماعية التي يرى انها السبب الاساسي في تصاعد موجات الإرهاب.
ولعل ما طرحه بوتين في خطابه الشهير الذي نشرت نصه «الأخبار»، يعدّ «مانفستو» جديداً يشبه البيان الشيوعي في أنه يستحضر كارل ماركس في التركيز على العامل الاقتصادي سبباً للنزاعات السياسية، لكنه يتفرد عنه بابتعاده عن لغة ايديولوجية اشتهر بها سلفه «الاتحاد السوفياتي».
لذلك رأى من هذا المنطلق، أن الحرب الباردة «خلّفت لنا قنابل لم تنفجر»، مستخدماً تعبيراً مجازياً قاصداً من خلاله «القوالب الايديولوجية، وازدواجية المعايير والنماذج الاخرى لتفكير التكتلات، والعالم الاحادي القطب، الذي اصبح مركزاً واحداً للسلطة وللقوة، ولاتخاذ القرار».
ويبدو أنه استفاد في هذا المضمار من تجربة الاتحاد السوفياتي السابق الذي تداعى من الداخل بسبب سياساته الخاطئة. فحسب بوتين، أن التفرد في القرارات والتعاطي مع العالم من منطلق الملكية الخاصة او «عالم السيد الواحد» هو الذي يساهم في تدمير هذا السيد لأنه يقوضه من الداخل.
وفي هذا الاستشراف الواضح لتدمير القطب الواحد المتمثل بالولايات المتحدة، يكون بوتين في موقع التحذير لا التهديد، بمعنى أنّ توقع انهيار النظام الامبريالي العالمي في واشنطن لن يكون بسبب سباق التسلح ولا المنافسة في السيطرة على مواقع النفوذ، بل من خلال آليات خاطئة في التعاطي مع قضايا العالم الشائكة بدءاً بالارهاب والتدخل في شؤون الدول بطريقة مناقضة للقيم الديموقراطية التي تدّعي الولايات المتحدة التمتع بها في بلادها ونشرها في دول الاطراف، وصولاً الى التحكم باقتصاديات البلدان الفقيرة واستغلال ثرواتها.
ويظهر المنحى الانساني واضحاً في خطاب روسيا الجديد، فهي التي كانت لها صولات وجولات في حل النزاعات بالقوة، قد اضحت تفتش عن طريقة أخرى لحل النزاعات بعيداً عن العنف الذي تمارسه ومارسته الولايات المتحدة دوماً، متسائلاً «كيف تستطيع دول تحظر الاعدام أن تشارك بسهولة في عمليات عسكرية يقتل فيها مئات بل آلاف الناس؟.. لماذا يجب الآن عند كل فرصة مناسبة الضرب والقصف؟ هل ينقصنا التهذيب السياسي واحترام القيم الديموقراطية والقانون في ظروف غياب خطر الابادة المتبادلة؟».
ومما لا شك فيه أن السياسة الروسية الجديدة التي هي قيد التبلور اليوم، هي وليدة عوامل عديدة موضوعية وذاتية.
فعلى المستوى الذاتي استطاعت موسكو في ظل سياسة بوتين التي امتشقت سيف محاربة الفساد والمافيات، أن تتخلص من جزء كبير من الديون التي كانت تثقل كاهلها، بالإضافة إلى التخلص الى حد ما من تداعيات سقوط الاتحاد السوفياتي وإعادة لملمة الأوضاع وفق سياسات جديدة.
كما أدّت روسيا دوراً رائداً في الإمساك بورقة الغاز عامل ضغط يهدد دول الاتحاد الاوروبي كلها.
وفي الموضوع الأمني، استطاعت موسكو التخفيف الى درجة كبيرة من حدة المشكلات «الانفصالية» في الشيشان وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. وثمة عوامل موضوعية تتعلق بالتغيرات التي شهدها العالم في العقدين الاخيرين، والتي استفاد منها الاتحاد الروسي الى درجة كبيرة، عل ابرزها غرق المنافس الاساسي اي الولايات المتحدة في مستنقعي العراق وأفغانستان، وتراجع قوة حليف واشنطن الرئيسي في المنطقة، اسرائيل، امام ضربات المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وبروز قوى اقتصادية جديدة في العالم مرشحة لأن تتحول دول اقطاباً على الساحة العالمية. من الواضح أن موسكو قد استفادت من التطورات العالمية المذهلة في السنوات الاخيرة، لتعيد صوغ سياستها في ضوء هذه التطورات. فالخطاب الروسي الجديد يشير بجلاء إلى آليات جديدة في التعاطي مع التحولات بدءاً من الشرق الاوسط والمياه الدافئة، مروراً بشرق آسيا وجنوبها وصولاً الى اوروبا.
بدا هذا واضحاً في التزام موسكو البرنامج النووي الايراني، اضافة الى مواصلتها، مع الصين في اطار اللجنة السداسية، معالجة الملف النووي الكوري الشمالي بأقل خسائر ممكنة لمصلحة بيونغ يانغ، رغم أن روسيا نفسها تتخوف من السلاح النووي الكوري الذي دخل حيز التجربة اواخر العام الماضي. اما في الشرق الاوسط، فأكدت روسيا أنها تسعى الى بعث «امجاد» سلَفها السوفياتي من خلال تبنيها سياسة الممانعة للمشروع الاميركي الاسرائيلي، ففي هذا الاطار، استقبلت مسؤولي حماس رغم محاربة دول العالم قاطبة لهم، وقدمت لحكومتهم التي انتخبت ديموقراطياً، الدعم السياسي والمادي، ووقفت الى جانب حزب الله خلال حرب تموز بخلاف العديد من الدول العربية، وربما قدمت له الدعم اللوجستي من خلال حليفتها سوريا التي ترتبط معها بعلاقات وثيقة، جعلت الاخيرة تستند في صمودها امام الضغوط الاميركية الى هذا الدعم الذي برز أحد تجلياته برفض موسكو التسريع ببت المحكمة الدولية التي ستحقق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، في تماه واضح مع دمشق.
* كاتب لبناني