ناصيـف قـزّي *


ليس مستغرباً ألّا ترى حكومةُ «الداون تاون»، حكومةُ الخصوصيّة الدستوريّة والخصخصة العقاريّة، أيَّ مشكلةٍ في ما تقومُ به شركتُها الحضاريّة Solidere، عبر Sukleen، جامعةُ نفاياتِها الصحيّة، ومن خلال مخطّطِ مجلسِ إنمائِها وإعمارها التوجيهيّ للألفيّة الثالثة، وبالتنسيق والتكامل مع مؤسَّسات وجمعيّات مغفَّلة... غالباً ما تطالعُك ببيانات توصيفيَّة ملائمة لارتكاباتها، ممهورة بشهادات دوليّة، ومعفاة من أي معادلة محليّة؛ ليس مستغرباً ألّا ترى تلك الحكومةُ، حكومةُ العصيانِ الرسميّ، أيَّ مُشكلةٍ في ما تقومُ بهِ تلك الشركة ومثيلاتُها، منذ بعثرةِ الإرثِ القديمِ لمدينةِ بيروت، الفينيقيِّ والرومانيِّ والبيزنطيّ، الى تكريرِ «بحر لبنان» من التلوّثِ النفطيّ وتعقيمِهِ بملايينِ الهباتِ الأوروبيَّة، وحصرِها بفرسان المستقبل، علماءِ البحار، مروراً بمطامرِ النفاياتِ السياحيَّة، من تلالِ المنصف الى مغارةِ الجيَّة، عبر مطمرِ الناعمة للشروطِ الصحيَّةِ العالية؛ ليس مستغرباً ألّا ترى تلك الحكومةُ أيَّ ضَررٍ في توزيعِ شاحناتِ النفاياتِ السامّة، المستخرجَة من مكبِّ النورماندي، على قرى وبلداتِ ساحلِ الشوف، ولا سيما منها تلك المصنَّفة سياحيَّةً خاصةً، وبحسب بعثةِ إيرفد الدوليَّة... وصولاً إلى مدينة صيدا.
فبذلك تكون منطقةُ ساحلِ الشوف بأكملِها، قد دخلَتْ مرحلتَها الجديدة من التلوّث... فبَعْدَ المياه، بفعل فوضى المجارير الرسميَّة التنمويَّة، والهواء، بفعلِ المداخنِ غير المضبوطَة لمعملي الجيَّة وسبلين، جاء دورُ التُّرابِ، قدسِ أقداسِ الفلّاحين والمزارعين... فلم يبق من عناصرِ الوجودِ الأربعةِ سوى النار... ولكن، حتى النار، فالتلوث السياسي السلطويّ حَضَرَ ليَحرُقَ بها كلَّ الآمال لجهةِ إعادة تكوينِ السلطة انطلاقاً من مفهوم الشراكة الوطنيَّة الحقيقيَّة.
ولا شك أن العمليَّة الإجراميَّة التي قضت بنقلِ نفاياتٍ سامةٍ الى منطقة الإقليم، تتمّ بالتنسيق مع بعض البلديات المحليَّة، عبر عدد من مقاوليها، ومن بينهم نوابٌ وسياسيّون، وأصحابُ كساراتٍ، وشركاتُ نفطٍ، وشفّاطاتُ رمولٍ... ومن يدري، فربما تتمُّ تلك العمليَّة، أيضاً، بتمويلٍ من هيئة الإغاثة العليا لشؤون الأزلام والمحاسيب، تماماً كما جرى خلال حرب تموز، بحيث وُزِّعَت الإعاشات على مناصري قوى السلطة أكثر منها على المهجَّرين الفعليّين. وربما كان هذا الأمر، أيضاً، شرطاً من شروطِ باريس ـــ 3؟
في أي حال، لعلَّ نقلَ تلك النفاياتِ السامَّةِ الى منطقة إقليم الخروب، وتكريسِها، بالتالي، مكباً دائماً؛ لعلَّ ذلك، يندرجُ في أذهانِ «محبّي الحياة» من أهل السلطة، كتعويضٍ عن مئاتِ ملايينِ أطنانِ الصخور التي كانت استَقْدَمَتْها Solidere من منطقة سبلين، ومنذ سنوات عدَّة، لتوسِّعَ بها أحواضَ مرفأ بيروت... الأحواضَ التي لم تَتَّسِع أخيراً لمراكبِ «ثورة الأرز» في الرابع عشر من شباط الجاري، فاقتضى تنظيفها من جديد.
ومن المفارقات أيضاً أن تلك الطبيعة التي شُوِّهت بشكل لافت، بعد ان تسطَّحَت هضابها والتلال، شكَّلت، ولفترة من الزمن، مُتعةً لناظرَي كمال جنبلاط، يوم كان يَرتَقي المقامات صُعداً في السياسة والأخلاق، من صومعتِهِ التي تَبعدُ عن ذلك المكان بضعَ مئاتٍ من الأمتار.
واللافت أيضاً أن شاحنات الموت، مرَّت على الناس، كما السارقُ الذي لا يعلَمونَ متى يَجيء؛ مرَّت عليهِم، في وقتٍ كانوا منشغلينَ بالشأنِ الوطنيّ، من حوادثِ التفجيرِ الإجرامي الى أخبار صناديقِ الرعبِ المتنقِّلة هنا وهناك، مروراً بما تخبِّئُهُ بعض تصريحاتِ السياسييّن النافرة، من شرورٍ وعظائمِ أمور. وأنكى من كل ذلك، أنها مرَّت في وقت استنفرَ نوابُ الجبلِ وزارةَ المهجَّرين، وِزارةَ السّرِقَة الموصوفة وصندوقَها المُبَرْمَج على إيقاعِ مبخَرَةِ الولاءاتِ وأجراسِ الانتخاباتِ المطعون بها، لدَفعِ ما سمِّي «الترميم المنجز» لبعضِ قرى الإقليمِ والمحاسيبِ بعد زمن. وقد تسابَقَ بعضُ هؤلاءِ النواب، في الغَيرَةِ على المهجَّرين بهدفِ تصحيحِ قيمةِ تعويضاتِهم المفترَضَة... وكل ذلك، لا يَعدو كونَهُ مجرَّدَ كلامٍ، لتحويلِ الأنظارِ عن حقيقةِ ما يُضمِرُهُ هؤلاء للناس، في السياسة والبيئة من مخططات.
وبعد، رُبَّ متسائلٍ عما إذا كانت حكومةُ القراراتِ الدوليَّةِ الملتبسةِ، تسعى، من وراءِ تلك الشاحنات، إلى زيادةِ مساحاتِ الأراضي المزروعةِ في منطقة الإقليم، ولو بسمومٍ أبدِيَّةٍ، لإقامةِ مستوطناتٍ لللاجئينَ الفلسطينيين، وحرمانِهِم، بالتالي، حقَّ العودة الى أرضهم، وذلك انسجاماً مع الأهداف التي تجاهر بها بعض القوى الإقليميَّة والدوليَّة؟
أما بالنسبة إلينا، نحن الشوفيّين الأحرار، فقد كان الجبلُ ولا يزال، إمارةً من وجع... من زمن الإنكشاريّة وبني عثمان الى نكبةِ التهجير المستمر، الذي نخشى، أن يتأبَّد في ظلِّ صراعات لا تنتهي، وبغياب منطق الدولة وسيادةِ القانون. لكنَّ قدرَنا، هذه المرَّة، هو أن نَظَلَّ موحَّدين، في وجهِ سلطةٍ جائرة، لا لتحقيق الشراكة والعدالة فحسب، بل أيضاً لإسقاط منطق الشركة الحصريَّة، منطق الاستئثار والإلغاء على حساب وجود الناس وكراماتهم.
فيا أهل السلطة، ألا تَرَونَ أنَّ دعوتَكَم الناس لـ«حبِّ الحياة»، تُعْزَفُ على مقامِ الأنا... وأنَّ غَيرِيَّتَكُم قناعٌ لثقافةِ الموتِ والإفناء، تلك التي طالما اسْتَبْطَنَتْها نفوسُ بعض أمراءِ الحربِ، أولئك الذين ما نظروا يوماً إلى الناسِ وهمومِ الناسِ إلّا بالتحقير والازدراء؟ فمَن أحَبَّ الحياةَ، أحبَّ الناس، ومن أحبَّ الناس أحبَّ الطبيعةَ... والعكس صحيح.
وهــــــل يعقُل أن يبقى بعض الناس مسلَّحين بمـــــــــناعة سياسيَّة واهية، على حسابِ أمنِهِم الصـــــــــــحيّ والــــــــــغـــــــــــذائي ومستقبلِ أبنائِهم والوطن؟ وإلى مــــــــــــــتى سيبقى بعض السياسيين في الجبل «سُيَّاساً»... والسياسةُ فيه، سياسةَُ «المِسّاس»؟
وهل تُراه يبقى... زعيمٌ ... زعيماً في منطقةٍ استحالَتْ مكبّاً للنفايات؟
* أستـاذ الفلسفـة في الجامعـة اللبنانيّـة