يبدو سؤال الأمير شكيب أرسلان «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟» معطوباً، وخصوصاً عندما يتناوله المفكرون المحدثون في النقاش، زاعمين أنه سؤال نهضوي بامتياز، فهو لما يزل يستعاد مفرّخاً أسئلة «جديدة» لا تفيد في معنى إعادة الاعتبار للنهضة والنهضويين.

عقم هكذا سؤال لا يكمن في قطيعته مع التفكير الأنواري فقط، وإنما من شبكة الأسئلة العنكبوتية المتفرعة عنه، والتي تبدو متناسلة بلا نهاية، وبلا إجابات واضحة أو حتى علنية، تفيد في الإشارة إلى المعيقات التي حالت دون تقدمهم، اللهم إلا إذا أراد منا السؤال الإجابة بـ»فالج لا تعالج». وهو ما يصل إليه الكثير من المحدثين، ولكن بصيغ مماحكاتية تأجيلية تعيد ترتيب الأولويات الثقافية حسب مقتضيات السؤال، من دون التمحيص به وفي صلاحيته المنطقية، مدّعين أنه سوف يؤدي «نظرياً» إلى تجديد البحث النظري في «مقولات» النهضة العربية في عصرنا هذا، ودفع الأجيال الشابة إلى توليد مقولات ثقافية جديدة، تفيد في إطلاق نهضة عربية صافية، تشارك الثقافة الكونية بدور متمايز وربما مستقل عنها.

هنا تبدأ معضلة «الغربوفوبيا» بالتأليب والتأثيم، حتى قبل أن تهم الأجيال الشابة بالتفكير في وضع مقولات جديدة مناسبة لعصرنا هذا؛ فالشروط الموضوعة، والخطوط الحمر المتراكمة، تجعل من الإجابة عن هكذا أسئلة وأخواتها، خارج الإطار العملي، بمعنى فصل الثقافة عن السلوك، وتحويلها إلى شعارات مؤجلة يتراكم عليها الغبار، في انتظار مقولات (شعارات) أكثر فداحة لا يمكنها التأثير في السلوك المجتمعي، إلا من باب الاستمتاع بجماليات اللغة.

إذا اعتبرنا أن النهضة
هي انتقال من الفوضى إلى النظام، فإن هذا يقضي بالقبول بمنظومة
معرفية متكاملة

لا يمكن لسؤال كهذا أن يولّد مقولات نهضوية بأي شكل كان، فأسئلة النهضة جميعها كانت تقصد المجتمعات، بغض النظر عن وحدة الدين في المجتمع الواحد أو تنوعه. والمجتمع المقصود هو المجتمع الذي توحده المصالح، التي لا رجعة فيها أو غموض، بينما السؤال في صورته هذه يتكلم عن مسلمين و»غيرهم». هنا لا أشير إلى عطب منطقية العلاقة فقط، بل أشير إلى عدم وجود أي دين على صفة إطلاقية واحدة؛ فالدين في كل بقاع الدنيا ليس وحدة موحدة، وإنما طوائف ومذاهب لا تفيد في معنى المصالح الكلية للمجتمع، هذا إذا لم نقل غير ذلك. وطرحه بصفة هوياتية (كما في السؤال) يحيل الموضوع إلى حقل معرفي آخر تماماً، لا يمت إلى موضوع النهضة بصلة. والنظرة الصريحة إلى التاريخ والتراث العالمي والعربي تؤكّد أنه ليس هناك من تجارب مصالحية صالحة للاقتداء بالتغاضي عن واقعية وجود الطوائف والمذاهب، والتي تختلف بواسطة حيوية الفتن وليس في إطار حيوية المصالح. وفي هذا معنى للنقلة الثقافية المولدة للسلوك، التي اقترحها عصر الأنوار «الغربي»، الذي استفاد من جلّ التجارب البشرية في هذه الدنيا. ونحن «كمسلمين» شاركناهم بقسطنا، وتمّ الوصول إلى هذا التقدم الذي أشار إليه الأمير في سؤاله، عبر اكتشاف ما هو أعلى وجامع ومتشابك.
وهنا يتفرع سؤال عن السؤال المطروح، من هم «غيرهم»؟ ولماذا كل هذه التعمية والعمومية في تحديد المتقدمين، بينما تم تحديد المتخلفين؟ بهذا يبدو السؤال مهلهلاً، لا يصلح طرحه في سياق أسئلة النهضة، وما إعادة تدويره حديثاً إلا جزاف خارج الحقل المعرفي المقصود. الحقل المعرفي للنهضة هو حقل الاحتدام الثقافي لتأسيس مجتمع جديد يقوم على الانتقال من الفوضى إلى النظام على كل المستويات الثقافية المنتجة للسلوك، ما يشير إلى محاولة جزافية، يكررها المحدثون في اختلاق أسئلة تدّعي الجدة، وذلك حفاظاً على الخصوصية والخوف من «الاقتباس السهل عن تجارب الشعوب الأخرى»، على الرغم من أن المطلوب هو التقدم كأنموذج ومثال وكغاية، وصل إليها «غيرهم» من الذين أنتجوا مكانة عبر إنتاج (إبداع) القوة بتعريفها المحدث. ما يعني أن أصحاب هكذا سؤال يريدون ذات النتائج بأسئلة مختلفة، عبر حراك (أصيل!)، وأسلوبية خصوصية ومتمايزة عن غيرهم، محوّلين الإجابة إلى أحجية تجريبية، تؤجل النظر في المأزق، معتاشين على نقد وانتقاد الممارسة لهذا التجريب، بالإضافة إلى شتم وتثريب الإمبريالية والعولمة، متهمينها بمقاطعة وتخريب مسعاهم السامي للارتقاء!
النهضة فرصة، وليست مجرد اقتراح وفعل موضوعي، وليست مجرد فعل خيري يستحسن صنعه، والنهضة فعل مجرّب ومطبق وناجح بين الكثير من الشعوب، ولم تخف من تأثر بخصوصيتها أو تراثها أو شخصيتها بفعل النهضة أو الحداثة أو العولمة، عند استجابتها لأسئلة تأسيسية ثلاثة تشكل جدلية الوجود المعاصر وجدله، وهي: المجتمع، الدولة وانبثاق السلطة. هذه الأقانيم التي لا تنفصل، قارَبَها جزء غير يسير من رجال النهضة، الذين تصدى لهم رجال التنوير في تذكير تأنيبي لضرورات الخصوصية والتمايز، بالإضافة إلى شق تأسيسي من وجهة نظرهم وهو الاكتمال المعرفي. وهو برأيي ما حدا بالأمير إلى طرح سؤاله على هذه الشاكلة، وهو اليوم ما يسعى إليه المحدثون المعتدلون (التنويريون) لإعادة طرحه، مع اشتراطات غاية في الخروج عن الموضوع الأساسي وهو النهضة. كأن يشترطون على «غيرهم» عدم الاستعلاء الثقافي مثلا!، أو اشتراط عدم طمس الهوية!، والتوقف عن مشاريع الاغتراب الثقافي! أو المشاريع الاستعمارية!، وإلخ من المقترحات التعبوية، وذلك تحضيراً للتنازل والقبول بتجريب مقترح النهضة، المشروط هو أيضاً أن يكون من عندياتنا وليس مستورداً إلا بما نراه مناسباً، حسب تعبير التنويري (محمد عبده)، أن نأخذ من التقدم ما يناسبنا ونترك ما نقدر أنه لا يناسبنا.
مع العلم بأنه لم يتم الأخذ بأي مقولات طرحها أهل النهضة من رؤيتهم لسيرورة التقدم والتخلف، إلا أن المعاصرين من «الحداثويين» و»التراثويين» اتهموهم باقتباس (مقولات أوروبية جاهزة، وحاولوا توظيفها لبناء النهضة العربية الأولى في تربة غير ملائمة فأنتجت المزيد من التبعية والتغريب /د. مسعود ضاهر مجلة العربي الكويتية عدد673) ما يضعنا أمام معضلة الاغتراب والتقوقع العمومية، والتي تحاصر التفكير على طريقة محاكم التفتيش، بحيث يتم نزع ومحاصرة الصفة المعرفية الإبداعية عن أي جهد نهضوي، بناءً على اتهامات مشتقة من التكفير في أي اتجاه ذهبت. وهنا يتبدى العطب في سؤال الأمير، والعطب في اختياره كمثال أيضاً، فأسئلة جل النهضويين (ولا أقصد التنويريين) كانت واضحة، وتعي حقيقة أن لا اقتباس حرفياً أو (copy – paste) لأي من مقولات أو مبادئ النهوض، إذ لا بد من المرور عبر فلتر الطبائع الثقافية للشعوب، في إعادة إنتاج تأسيسية لأي مقولة أو مبدأ، ما يجعل معضلة الاغتراب والتقوقع مسألة افترائية، أو تبريرية ذرائعية لمداراة الفشل عبر تمييعه؛ فجميع الشعوب التي استجابت لاستحقاقات النهوض لم تتخل عن «أصالتها» وخصوصياتها وثقافاتها، ليس بسبب الثقة بها وعدم الخوف على هشاشتها فقط، بل لأن نتائج النهوض هي أثمن بكثير من قيمة هذه الخصوصيات من جهة، ولأن منتجات المعرفة تنطبق على جميع الشعوب بطريقة أو بأخرى من جهة ثانية. ولنا في المثال الاستهلاكي عبرة، فإذا لم يناسب فصل الدين عن الدولة كمنتج معرفي خصوصيتنا، فكيف يناسبنا الأسبرين، والطائرة، والعبوات الناسفة عن بعد؟، وهي أيضاً منتجات معرفية بامتياز!
إذا اعتبرنا أن النهضة هي انتقال من الفوضى إلى النظام، فإن هذا يقضي بالقبول بمنظومة معرفية متكاملة، لا تخترقها الاستثناءات والمواربات وإعادة التكييف. وإذا اعتبرنا أن النهضة ضرورية وثمينة، فعلينا تهيئة التربة المناسبة لزراعتها، فالنبتة المعدّلة تعطي ثماراً مختلفة. وإذا اعتبرنا أن النهضة إنقاذ لمكانتنا وهويتنا، فالأنموذج الذي نسعى إليه واضح ومعروف، والتجارب التي سبقتنا إليه دعمت مكانتها وهويتها وثقافتها. وإذا اعتبرنا أن النهضة تستحق البذل والعطاء، فإن من الواجب تقديم ما تستحقه رهاناً على جدارتنا بها ومقدرتنا على تحمّل أعبائها والتنعم بمنتجاتها. أما أن نقدم للأجيال الشابة أسئلة جزافية وعقيمة، ونحاصرهم بالاستثناءات والمواربات التي تكبل الإرادة، فإننا كمن يرميهم في البحر وهم مكبّلون.
* سيناريست سوري