كمال خلف الطويل *


تفاعلاً وتكاملاً، لا تفاضلاً مع مقال أسعد أبو خليل في عدد الجمعة 26 تشرين الماضي من جريدة «الأخبار»، أودّ تسليط الضوء على زوايا ظليلة تناثرت على منعرجات العلاقة الناصرية ـــــ الحركية، والتي امتدّت لعقد من الزمان أو ما ينوف.
بعد استقبال فاتر لحركة الضبّاط الأحرار المصرية، بظنّ أنها تدشن ديكتاتورية عسكرية موالية للغرب على شاكلة الانقلابات السورية حينها، بلغ ذروة النفور بإعدام قادة الإخوان المسلمين الستة في كانون الأوّل في حادث المنشية، أخذت حركة القوميّين العرب تغيّر نظرتها إلى نظام عبد الناصر الجديد مع كسر احتكار السلاح خريف 1955، وبالأخص مع تأميم قناة السويس صيف 56.
منذ السويس امتطت الحركة موجة الناصرية الكاسحة والمتعاظمة، واندرجت في ذلك الأديم الفضفاض والغلّاب، أي الناصرية، بأمل أن تكون نواة حركية ـــــ فكرية له، وهي التي تضمّ في جنباتها مثقّفين من الطبقتين الوسطى والثرية توزّعوا على الشام والعراق والخليج واليمن.
صغر سنّ عناصر الحركة ومنافسة البعث ـــــ الأقدم والأخبر ـــــ لها في التموقع داخل التيار القومي العربي حدّ من قدرة الحركة على البروز الوازن، وأبقاها ضمن الكادر دونما رجحان.
والحال أنّ الاقتران العملياتي الحميم بين عبد الناصر وأجهزته وبين الحركة، شقّ مجراه عميقاً بعد انقلاب حسين على الحكم الوطني في الأردن في ربيع 57، وعبر علاقة شديدة الحميمية بين قيادات الحركة وعبد الحميد السرّاج رجل عبد الناصر في سوريا، ثمّ تعزّز مع تعاون الطرفين الوثيق أيام الحرب الأهلية اللبنانية في 1958.
طوال تلك الفترة التي امتدّت عبر سنوات الوحدة الثلاث وبضعة أشهر، تماهت الحركة في ثنايا الناصرية، وكانت أحد تعبيراتها وعناوينها.
والشاهد أنه، وحتى مفصل الانفصال السوري، كان قد غلب على الحركة طابع يمين الوسط لجهة الفكر الاجتماعي، وهو ما تماشى مع أصول الحركيّين الطبقيّة على وجه الإجمال،
لكن وصول جيل ثان من النشطاء إلى مواقع الصدارة في الحركة مع مطلع الستينيات (أمثال محسن إبراهيم ومحمد كشلي) توافق مع الانعطافة اليسارية الكبيرة التي قام بها عبد الناصر في تموز 1961 بتأميماته الواسعة النطاق وبتعديلاته الجذرية لقانوني الإصلاح الزراعي والعلاقات الزراعية.
أخذ هذا الجيل نفسَاً وزخماً من يسارية عبد الناصر، وانعكس هذا النفس على مسار الحركة الفكري، بل بلغ الأمر أن انطوى تقويم محسن إبراهيم لتجربة الوحدة وأسباب الانفصال في مجلة الحرية (الذي شملته سلسلة مقالات له عام 1962) على انتقاد شديد لعبد الناصر لمسالمته الرجعية السورية ومهادنته لها أثناء الوحدة، ولإهماله التنظيم السياسي للجماهير.
بلغ إعجاب عبد الناصر مبلغه بهذا النقد، لدرجة الاستشهاد به في مباحثات الوحدة الثلاثية في 1963 كأسطع مثَل على النقد الرصين والجاد والبنّاء.
من يستذكر أعداد الحرية بين عامي 1962-1965 وموضوعاتها وتحليلاتها يخلص إلى حسبان الحركة وقد أضحت الجناح اليساري للتيار الناصري الواسع. كل هذا بفضل ما خطّه محسن إبراهيم ومحمد كشلي ونايف حواتمة وغيرهم على صفحاتها، ما تلاءم مع النفس اليساري لميثاق العمل الوطني الصادر في أيّار 62.
والحال أنّ أوجه التعامل بين عبد الناصر والحركة شمل عون الأخيرة في تدبير انقلاب عسكري على عبد الكريم قاسم حُدِّد له يوم 25 شباط 1963 أوّل أيام عيد الفطر، وكان على رأس الترتيبات نايف حواتمة مفوض الحركة في العراق أيامها.
لكن البعث سبق الحركة وعبد الناصر بأسابيع ثلاثة، فسحب البساط من تحتهما، ما اضطرّها وكلّ معشر العسكر القومي ــــ الناصري إلى إغاثة البعث يوم انقلابه الذي من دون هذا العون لكان البعث في خبر كان.
شمل التعامل أيضاً معارضة الحركة، ومعها باقي الفصائل الناصرية، لهيمنة البعث على الحكم في كل من سوريا والعراق عام 63، ثمّ إطلاق شرارة الكفاح المسلَّح في جنوب اليمن المحتلّ في تشرين الأوّل 1963.
عبر سنوات التعاون تلك برزت تباينات وتماوجات أوصلت العلاقة في الختام إلى حال من الفتق عسر رتقه. أمّا عن الأسباب فنوردها على الشكل التالي:
أوّلاً، سايرت الحركة رغبة عبد الناصر في توحيد الفصائل الوحدوية السورية فاندمجت (اسماً لا فعلاً) في الاتحاد الاشتراكي العربي عند تأسيسه في تموز 1964 لتسارع إلى الخروج منه بعد فترة لم تبلغ العام، وتعود للعمل المستقل، وإن تحت لافتة الناصرية العامة.
ثانياً، العراق: هنا أيضاً اندمجت مع الفصائل الوحدوية الأخرى في الاتحاد الاشتراكي العربي عند تأسيسه في (تموز 64) لتغادره غير آسفة مع مطالع 65، ولتخوض معركة سياسية شرسة مع نظام عبد السلام عارف تصل حد محاولة الانقلاب عليه مرتين عامي 1965 و1966.
ثالثاً: منظمة التحرير الفلسطينية: دخلت فيها عند التأسيس وسرعان ما غرقت في لجّة خصام مع رئيسها أحمد الشقيري، ثمّ خرجت من قيادتها لتؤسّس «شباب الثأر ـــــ أبطال العودة».
في كلّ هذه الساحات كانت الحركة تتصرّف بمنطق التنظيم الذي يحافظ على ذاته، ويحتفظ بمسافة، وإن ضاق هامشها أو اتسع حسب الظرف، عن عبد الناصر مع التسليم التام بقيادته ورمزيته.
لكن الواقعة الكبيرة حدثت عام 1966 من مطلعه إلى منتهاه:
في كانون الثاني من ذلك العام اتخذ المشير عبد الحكيم عامر، المشرف العام على ملف اليمن (شماله وجنوبه)، قراراً بتأسيس جبهة تحرير جنوب اليمن المحتلّ لتكون أداة تنظيمية موحّدة تتعاون مع الجيش المصري في اليمن، متّخذة من شمال اليمن قاعدة انطلاق لأعمالها القتالية ضد الاحتلال البريطاني في الجنوب.
أراد المشير لهذه الجبهة أن تكون خيمة ائتلافية ناظمة تضم في جنباتها كوادر الحركة (وهم من أطلق شرارة الكفاح المسلّح في جبال ردفان يوم 14 تشرين الأوّل 1963)، إضافة إلى شخصيات جنوبيّة تمرّدت على المحتلّ وألقت بأشرعتها صوب رياح عبد الناصر، وبالذات منها عبد القوي مكاوي وعبد الله الأصبح وسالم باسندوة.
خضعت الحركة مكرهة لقرار المشير في البداية أواخر 1965، لتنتفض ثائرة خارجة متمردة في كانون الثاني 1966 معلنة تأسيسها الجبهة القومية لتحرير الجنوب بزعامة قحطان الشعبي، ومُدينةً أساليب الوصاية والهيمنة والتدخل... أي عبد الناصر و/أو رجاله.
تلك كانت طلقة البدء بمعركة صامتة مكتومة شنّتها الحركة على عبد الناصر، ووصلت ذروتها في اختراقها للتنظيم الطليعي للاتحاد الاشتراكي في مصر في تشرين الثاني 1966 تحت إمرة سمير حمزة، مؤسِّسةً في أحشائه تنظيماً حركياً سرياً سعى بدأب للاستحواذ على طليعة الاشتراكيين بالخفية عن أصحابه.
تولّى علي صبري وشعراوي جمعة بنفسيهما التحقيق مع كوادر التنظيم دلالة على مدى اهتمام النظام وقلقه من اختراق كهذا ولسان حاله يلهج: من بيت أبي ضُربت.
بعد هذه الواقعة دخلت العلاقة مع الحركة في ثلّاجة، ما لبثت أن انفتحت على مصراعيها إثر هزيمة 1967، لينسكب منها اللبن مقالات ساخنة في نقد البورجوازية الصغيرة وأنظمتها، وفي التبرّؤ الملهوف منها ومن رموزها، أي عبد الناصر.
صحيح أنّ محسن إبراهيم كتب بعد أيام من الهزيمة ما يفيد أن عبد الناصر لم يُهزم، لكن ذلك كان انفعال اللحظة وعاطفية الموقف.
ما إن بردت رأسه وتمالك نفسه وصحبه، بدأ في تدبيج المعلقات رفضاً وتبرّؤاً وانسلاخاً وتبدلاً وانعتاقاً من داء الناصرية التي ناخت الحركة تحت جناحيها لأمد طويل.
بدأ التنافس داخل الحركة بين يسار ويمين في كيفية التمادي في «التياسر»، وفي الهجاء لأهل من أضحى على يمينهم من بورجوازية صغيرة «باعت الوهم وحلّ عليها الحد».
واللافت أن عبد الناصر في خريف 67 كان يقلّب الرأي فيمن يختار شريكاً فلسطينياً في مرحلة إزالة آثار العدوان.
كان قد وصل إلى القناعة الجازمة بخروج أحمد الشقيري لنفاذ الصلاحية، وبقيت المفاضلة بين جورج حبش وياسر عرفات.
وقف سامي شرف وفتحي الديب وأمين هويدي مع الأول، وانحاز محمد حسنين هيكل إلى الثاني.
لماذا فضّل عبد الناصر الثاني؟
على رغم شكوك عبد الناصر العميقة في «فتح» منذ مطالع الستينيات، وفي ارتباطاتها السعودية ثم البعثية، وفي السكوت البريطاني عنها أيام الكويت، وفي سياستها التوريطية 65- 67، وفي خلفيتها الإخوانية ـــــ التحريريّة بنسبة مؤثرة، إلّا أنّه فضّل عرفات بتأثير ما فعله حبش عامي 66 ـ 67، وبقناعة أن صديقاً كهذا أخطر من خصم كذاك.
اندفع حبش وصحبه أكثر وأكثر في هجومهم المتصاعد على عبد الناصر مع تبيّنهم لانحيازه إلى خصمهم (فتح) أواخر عام 1967.
حاول هو بالمقابل أن يحافظ على خيط ثخين من التواصل معهم، لدرجة أن عدّد في خطاب له في كانون الثاني 1969 فصائل ثلاثة يزكّيها ويتعاون معها: «فتح» والجبهة الشعبية وقوّات التحرير الشعبية (المنبثقة حينها عن جيش التحرير الفلسطيني).
لكن «التمركس» الميلودرامي الذي تحوّلت إليه الحركة بعد 1967، بشقّيها اليساري والأخفت يسارية، فرض منطوقه على سير الأمور، لدرجة أن وصلت الأحوال بجورج حبش أن هاجم عبد الناصر بالاسم في خطاب له في البدّاوي أواخر تمّوز 1970 بسبب قبوله مشروع روجرز، وبلغ الأمر بنايف حواتمة أن ألبَس حماراً صورة لعبد الناصر في تظاهرة في عمّان احتجاجاً على روجرز في آب 1970.
كانت علاقة الحركة بالناصرية شبه ندية ما بين الانفصال السوري وهزيمة حزيران، ميسمها ناقد، وطابعها حريص، وما لبثت أن تحوّلت إلى علاقة صراعية عام 1966، لتضحي صداماً خجولاً ثم سافراً بعد الهزيمة.
* كاتب عربي مقيم في الولايات المتّحدة الأميركيّة