أسعد أبو خليل *


تضيق مساحة الصحف بالمواضيع المسموحة لليساري السابق. فلائحة الممنوعات في الصحف السعودية التمويل طويلة وطويلة جداً. قلّة منهم تخجل من الكلام المتكرر عن «حكمة» ملك السعودية وإيمانه، كما جاء في فيلم وثائقي عن الملك السعودي على قناة العربية (الخليفة غير الرسمية لقناة الحرة الفاشلة). تجد اليسار السابق يكرر نفسه في كلام لا يتوقف على الممانعة وعلى شرورها. لا يقدّم بديلاً، فهو لا يزال يوارب. ينتظر الظروف اليانعة ليكتب كما يكتب أحمد الجار الله، وكلهم على خطه سائرون. سبقهم جميعاً في تأييده صراحة لأنور السادات (كما فعل صائب سلام الذي توسم خيراً في زيارة السادات للقدس، لفلسطين المحتلة (أعلم أن عبارة «فلسطين المحتلة» تخدش الحساسية الليبرالية للصحافيين العرب المستائين من اللغة «الخشبية» والمولعين باللغة الوهابية). وطلع علينا أخيراً بيان من «ناشطين» ــــــ والنشاط منشّط ــــــ في المجتمع المدني (وقّع عليه محامي عائلة الحريري الشخصي (وهو فتحاوي سابق)، ما يوضح طبيعة هذا المجتمع المدني) عن الوضع في لبنان. بدا وكأنه نواة لتجمع لليساريين السابقين. زخرت بهم التوقيعات. تستطيع أن تلخّص بيانهم بفكرتين أو ثلاث: إن حل كل مشاكل الشرق الأوسط يكمن في مشروع الملك السعودي (وهو مشروع من بنات أفكار توماس فريدمان أصلاً)، وإن أبو مازن هو أفضل من يقضي نهائياً على الثورة الفلسطينية، وإن مقاومة الاحتلال فكرة غير حضارية، يُسأل عن هذا أحمد فتفت والمرشح الرئاسي الهزلي شبلي الملاط، فهم رواد النضال الحضاري. ولاحظنا أن البيان توجّه الى اللبنانيين بطوائفهم، خاطب المسيحيين ثم عاد وخاطب المسلمين. حتى المجتمع المدني طائفي في مسخ الوطن هذا.

العلمنة والصراع الطبقي

لكن اليساري السابق والليبرالي (أي اليميني في السياق اللبناني فاقتضى التنويه) وجد مسألة جديدة تشغل باله. يظن أنه وجد فيها ما يضعف صدقية اليسار الحالي، وهو ضعيف جداً ولا يتمتع بشعبية تُذكر، لكن الراعي السعودي والحليف الأميركي يحبّذ تقويض منطق اليساري الحالي لأنه أفعل قدرة في فضح الخطاب اليميني بوجوهه المتعددة. فيركّز على مسألة تحالف اليسار مع حركات دينية. وليس الأمر بالجديد. فكما أشار الصديق عامر محسن، فإن اليساري السابق يستقي مقولاته وطروحاته بالحرف من اليمين الأميركي. فدانيال بايبس واليمين الأميركي ركّزا بعد 11 أيلول على الزعم الكاذب أن اليسار متحالف مع القاعدة، لكن يُسألون من هو اليساري الواحد الذي أيّد القاعدة، أو مدَح تفجيرات 11 أيلول باستثناء معتوه هنا أو معتوه هناك؟ أين هو هذا التحالف بين اليسار وبين الحركات الدينية إلا إذا كان تشافيز في تهريجه يُعتبر ممثلاً لليسار العالمي.
طبعاً، على اليسار أن يحدد موقفاً جريئاً ليرسم طبيعة علاقته مع الحركات الدينية من دون أن يتنازل عن مبادئ ثابتة وأساسية. لا يمكن اليسار، مثلاً، أن يتنازل عن العلمنة الشاملة وعن الزواج المدني (الإجباري، الديني يجب أن يكون اختيارياً، لا العكس). والعلمنة تقتضي دفعاً لمبادئ نقد الدين ونقد الطائفية من دون وجل أو تردد. وهذا الأمر غُيّب على مر سنوات صعود اليسار، حتى إن الحركة الوطنية اللبنانية تراجعت عن العلمنة لتكتفي بشعار إلغاء الطائفية السياسية، ثم عادت وتراجعت عن هذا الشعار بعد تولّي وليد جنبلاط لرئاسة الحركة ــــــ وهو تولى الرئاسة بناء على كفاءة مثل الكفاءة التي أهّلت سعد الحريري لوراثة زعامة السنّة في لبنان. وحتى لو قامت علاقات تحالف بين تنظيمات يسارية وحركات ذات توجه ديني، لا يمكن اليسار أن يتهاون في أهدافه العلمانية، لا لأسباب مبدئية فقط، بل لأسباب سياسية ومصلحية (والذي قضى على إمكانية جدية لسنّ قانون زواج مدني في لبنان هو ثنائيّ محسوب على فريق 14 آذار، ينسى ذلك اليساري السابق واليميني الثابت). ونتذكر النتائج الوخيمة التي أسفر عنها التحالف بين حزب تودة الإيراني ونظام الخميني الذي انتهى باعترافات مسرحية وبإعدامات.
أما الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية فيتعلق بحمل لواء الصراع الطبقي وقضايا العدل الاجتماعي. فقضية الدفاع عن قضايا المسحوقين والمعذبين والفقراء، عامةً، هي التي تفصل بين اليمين واليسار، أي أن الفاصل بين فلسفة اليمين وفلسفة اليسار يتعلق بالتصور المختلف لدور الدولة في السوق أو في الاقتصاد عامةً. اليسار، نظرياً، يعارض الخصخصة، أما اليمين (واليسار السابق في لبنان) فيريد أن يبيع شركات الدولة (بثمن بخس) الى شركات مملوكة من أبناء الوزراء وأقربائهم وزوجاتهم. واليسار، أو ما بقي منه، غائب تماماً عن ساحة السجال السياسي في لبنان في هذا الموضوع، وفريقا 14 آذار و8 آذار يتعارضان في تفاصيل المواضيع الاقتصادية لا في فلسفتها. واليسار يجب ألا يكون معنيّاً أبداً بشعار «الثلث المعطّل» ولا بالشعارات الزائفة لـ14 آذار والتي تفشل في إخفاء أهداف التحالف الأميركي ـــــ الإسرائيلي ــــــ السعودي الذي يستعين، إلى حين فقط، ببعض الأدوات في لبنان. الهمّ الاجتماعي الاقتصادي كان يجب أن يكون الأولوية الكبرى لليسار شبه النائم ـــــ والنوم سلطان، بالإضافة الى موضوع
المقاومة.

التحالف مع حزب الله

وهنا يكمن بيت القصيد. يعيب اليمينيون في لبنان على بعض اليسار تحالفه أو تفاهمه مع حزب الله، لا على كل شيء، بل على مبدأ المقاومة وممارستها، لكن اليساري السابق يراوغ. هو ليس عفيفاً في هذا الموضوع. هو لا يخالف مبدأ التحالف مع حركات ذات وجهات دينية، بل يعترض من دون أن يصرح على مبدأ المقاومة نفسه. هو يروّج، كما روّج في ذلك البيان الصريح (عن «المجتمع المدني» الممثل بمحامي آل الحريري الشخصي) الذي من دون قصد يشيح بالحجب، للتطبيع مع إسرائيل تحت شعار «ثقافة قبول الآخر». أي آخر؟ ولماذا يكون كل آخر مقبولاً؟ هل الآخر هو أبو أرز، مثلاً، الذي أعلن ترشيحه الرئاسي من إسرائيل، كما أعلن المرشح الهزلي للرئاسة ترشيحه من نيويورك؟
اليساري السابق متحالف مع حركات دينية هو الآخر، وكأننا لم نلاحظ. اليساري السابق هو في الخندق نفسه مع الجماعة الإسلامية ومع، وهذا أهم، الشيخ محمد علي الجوزو الذي يتقرب في خطابه من أيمن الظواهري، وإن كان أعلن حبه للحياة (وفي المقلب الآخر لا يمكن اليسار أن يتحالف مع فتحي يكن الذي أظهر في الماضي تعاطفاً أو «تفهّماً» لأيمن الظواهري).
الحركات الدينية على أنواعها في لبنان منقسمة في ولائها بين هذا الفريق أو ذاك. ولا يصدق قول اليساري السابق عندما يزعم أن اليسار الضعيف في لبنان هو وحده يعاني لوثة التحالف مع حركات دينية. طبعاً، هو يستطيع أن يزعم أن حلفاءه من أمثال الجوزو والشيخ محمد الحاج حسن هم من دعاة التنوير ومن أنصار «لاهوت التحرير» ذي التوجه الماركسي. واليساري السابق متحالف أيضاً مع أكثر الحركات طائفية ومذهبية، بمن فيها صاحب شعار «فلينتخب المسلمون النواب المسلمين ولينتخب المسيحيون النواب المسيحيين». وقد يكون هذا الشعار من أكثر الشعارات طائفية منذ ولد ذلك الكيان اللبناني المصطنع لأنه يناقض فكرة العيش المشترك (مع أن فكرة التكاذب المشترك نجحت أيّما نجاح في المختبر اللبناني). واليساري السابق يتناسى أن الراعي الأساسي والممول الرئيس لفريقه هو الحكم الوهابي، وهذا يبوح بنفاق في
الخطاب وفي الاتهامات وفي الدوافع.
طبعاً، هناك جامع يمكن أن يكون أرضية مشتركة بين أطراف تتعارض في الأيديولوجيا. فجبهة التحرير الجزائرية كانت تضم في صفوفها ماركسيين ومتديّنين قرروا أن همّ محاربة الاحتلال وتحقيق الاستقلال هو الجامع المشترك. قياساً، يمكن القول إن العالم العربي يخوض عملية مسار تحرير الأرض من الاحتلال الأجنبي (في فلسطين والعراق حتى لا نتحدث عن الاحتلال المستتر ـــــ بالسنيورة وكرزاي والمالكي و...). وعليه، فإنّ عملية إقامة جبهة للتحرير ممكنة إذا اتُّفق على أسلوب ونهج في المقاومة توافق عليه الأطراف المختلفة. ولا يمكن، مثلاً، أن يقوم هناك أي تعاون أو اتفاق مع تنظيمات القاعدة الإرهابية (بحق وحقيق)، أو مع حركات تحاول أن تفرض حكماً دينياً من أي نوع، أو مع دولة دينية، يهودية كانت أو إسلامية أو مسيحية. وليس هناك من يستطيع أن يتّهم اليسار العربي بتأييد «القاعدة». والذين أيّدوا ودعموا بن لادن ولسنوات هم أولياء نعمة الفريق الذي يضم في صفوفه من يحاول اليوم المزايدة في موضوع العلاقة مع الحركات الدينية.
وتحرير الجنوب وتحرير فلسطين (يحاول يساري سابق أن يسخر ممن يؤيد تحرير فلسطين عبر انتقاد مكان سكنه. كم تغيّر اليسار. تصوّروا لو أن أحداً عاب على كارل ماركس أنه كان يقطن في لندن، مثلاً) هما في أساس تحديد طبيعة العلاقة الجبهوية الممكنة، على أن يكون العنف الثوري المسلّح مدروساً على طريقة اليسار الفلسطيني في أول انطلاقته. ولا يمكن إلا ملاحظة مهارة المقاومة في الجنوب وجديّتها في مقاتلة اسرائيل في التسعينيات، وهي لم تستعمل تلك السيارات المفخخة (وهي سلاح مشؤوم أدخله الصهاينة الى ربوعنا كما أدخلوا معظم ما يتفق العالم على وصفه بالإرهاب)، إلا لماماً. أما حركة حماس، مثلاً، فهي أفسدت أسلوب النضال الفلسطيني عبر اللجوء الى عبثية عنفية مدمرة، بالإضافة الى اللوذ بخطاب معادٍ لليهود ـــــ كيهود ـــــ لا يتورع عن الاستعانة المرجعية بتلك الورقة، المسماة «بروتوكولات حكماء صهيون»، والمزوّرة في التسعينيات من القرن التاسع عشر من قبل الصحافي ماثيو غوليفنسكي على الأرجح، والمُروّجة من قبل الشرطة القيصرية، وهي لا تزال تظهر بين الحين والآخر في الصحافة العربية وفي أطروحات الدراسات العليا في الجامعات السعودية، وكان الملك فيصل مؤمناً بها أشد الإيمان. وما من أمر يسرّ الصهيونية في الغرب مثل الإشارة الى تلك البروتوكولات لأنها توصم العربي بالعنصرية، وتسهّل مهمة الدعاية الموالية لإسرائيل.
بكلام آخر، إنّ الاتفاق بين التنظيمات اليسارية وبعض الحركات الدينية على موضوع الصراع مع اسرائيل (وهو الجوهر مثل الصراع الطبقي الذي اكتشفت حركة القوميين العرب متأخرة أنه هو أيضاً يرفد تحرير فلسطين) يجب أن يشمل طريقة إدارة العنف المسلح. وكان وديع حداد، حتى بعدما أدانت الجبهة الشعبية في عام 1971 أسلوب العمليات الخارجية، وبعدما أنشأ حداد تنظيماً خاصاً به، حريصاً على ألا يتأذى مدنيون في العمليات الخارجية وكان يفصل من يراه عبثياً في ممارسته، وهذا كان جزءاً من خلافه مع كارلوس. وكان ينبذ التشبيح (أبدى النائب مصطفى علوش في حديث على شاشة «إل.بي.سي» استعداده لتعليم الناس المقاومة. آه يا بطل المقاومة، يا مصطفى علوش. أين عثر سعد الحريري على نوابه، نتساءل؟). وكان تشي غيفارا يرفض تطويع من هم دون سن الثامنة عشرة في العمل العسكري فيما ترسل بعض التنظيمات الفلسطينية (فتح وحماس والجهاد الإسلامي) صبية الى حتوفهم.
لكن انتقاد اليمين (المرتدي اليسار اسمياً ـــــ هل هناك من يتعامل مع الياس عطا الله على أنه يساري؟) لليسار هنا لا ينطلق من حرص على العلمانية (إلا إذا كنا نعتبر أسعد هرموش ممثلاً للعلمانية الجديدة)، بل من معارضة مشروع معارضة، حتى لا نقول مقاومة اسرائيل. ومشروع مقاومة اسرائيل بدأ قبل إنشاء الدولة وقبل تكوين حزب البعث (يحاول اليساريون السابقون نقض المقاومة عبر عزوها إلى مؤامرة من تخطيط آصف شوكت)، وقبل ولادة فكرة الممانعة البليدة. المشروع الأكثري، وهو عود صغير في مشروع أكبر تقوده الأنظمة العربية الرجعية (صفة الاعتدال تُطلق على من يهادن الاحتلال والاستعمار ــــــ ليس هذا بالأمر الجديد) بالنيابة عن المشروع الأميركي. ومشروع الزعماء العرب غير المنتخبين يعرض السلام والتطبيع مع اسرائيل مقابل جزء من 23% من فلسطين المحتلة. ثم لماذا يحرص اليساري السابق على سمعة اليساري الحالي وصدقيته؟ ما همّه في المسألة، إلا إذا كان يؤدي خدمة من باب الإحسان؟
اليسار في تراجع حول العالم وهو مطالب بالردّ. من السهل أن يحاول اليسار أن يتأقلم مع مروحة الحركات الدينية المنتشرة، وأن يغيّب رسالته (وهي رسالة غير تلك الرسالة «الخالدة» التي ما صمدت أمام الاجتياح الأميركي في العراق) عبر الالتحاق والإلحاق. والإلحاق والالتحاق باتا سائدين: فهناك من الحركات الصغيرة المهمّشة من يسعى عبر التحالف الذيلي الى الاستفادة والاستيزار، كما يفعل ياسر عبد ربه منذ سنوات طويلة. إن العولمة وتنامي الحركات الدينية على أنواعها يجب أن يكون حافزاً لليسار للانطلاق المتجدد والانتعاش، لا للسبات العميق، وخصوصاً أن سعد الحريري يقود أكبر كتلة سياسية نيابية. ألا يكفي هذا للنهوض؟
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)