عامر ملاعب


توثيق اقتصادي ــ سياسي ــ اجتماعي لا يخلو من الاستطرادات

تستند دراسة الدكتور أحمد حامد إبراهيم القضاة عن فلسطين عامةً ومدينة القدس خاصةً، إلى معطيات سجلات محكمة القدس الشرعية في القدس العثمانية وتبحث في أوضاع نصارى القدس في القرن التاسع عشر.
وتتناول الدراسة تعريف الملَّة أو الطائفة بحسب المفهوم العثماني آنذاك وهي «جماعة دينية من الناس تنظمهم رابطة مذهبية واحدة، بغض النظر عن الجنس، اللغة، أو القومية، ويخضع أفرادها لزعيم روحي ينتخبونه، ويقترن تعيينه بصدور البراءة السلطانية، ويمنح رؤساء الطوائف حقّ رعاية شؤون رعاياهم العامة والشخصية، وحرية ممارسة شعائرهم الدينية»، لكن هذا التعريف اختلف بعد صدور التشريعات وخط التنظيمات الخيرية أو الإصلاح العثماني (1839ـ1856)، فأخذ يشير إلى الذميين من النصارى واليهود حتى صدور قانون التبعية في عام 1869 حيث أصبح كل قاطني الدولة العثمانية وولاياتها عثمانيّي الجنسية بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية.
هذه التنظيمات، ومن خلال وثائق محكمة القدس الشرعية، حفظت تاريخ تلك المرحلة واستندت إليها الدراسة بتفاصيل متشعبة عن الإدارة والتنظيم (المحلي والعام)، العائلات، العادات، التقاليد، القيم الاجتماعية، مكانة المرأة، هندسة المباني، إحصاءات سكانية بالأرقام العثمانية الرسمية مقارنةً مع تقديرات الرحالة والمبشرين، المدارس، ودور النصارى في الإدارة، التعليم، القضاء، الإدارة المالية، الحياة الاقتصادية والدينية ومواقف الدولة العثمانية تجاه الديانة المسيحية في السلطنة، والعوامل الخارجية التي أدّت أدوار كبيرة في تعديل علاقة الدولة العثمانية بالنصارى والطوائف الأخرى.
والمعلومات الواردة في هذه السجلات فريدة من نوعها إذ إنها لا تتوافر في المصادر التقليدية، وجاءت في تمهيد وستة فصول. وتناولت الأحوال الشخصية للطوائف النصرانيّة التي تمتّعت بها ودورها في الإدارة والتعليم.
تُظهر الدراسة أهمية العودة إلى قراءة تاريخ المنطقة بكل تشعّباتها وعلاقاتها المعقَّدة وترابط أحداث تبدو للوهلة الأولى متباعدة. وكم تبدو الأمور والتفاصيل متشابهة بين الأمس واليوم في مجريات التطوّرات وسياقها، حين تتلاعب الدول العظمى والحاكمة بمشاعر العامّة في إذكاء نعرات طائفية ومذهبية وأقلوية وتغذّي الحقد والبغضاء لتكسب مصالحها.
بدت هذه الوثيقة التاريخية في بعض أجزاء المؤلَّف أنّها تدخل في تفاصيل ضيّقة ودقيقة تبعد القارئ عن المتابعة بحماسة، وخاصةً حين يقدّم الكاتب الأمثلة على صحّة ما يقول ويدخل في تكرارها بالمعنى نفسه مجتزأً من الوثائق.
في المحصلة فإن الدراسة تحمل القدر الكبير من الإثارة والإغراء لقراءتها والتمعن في مضمونها. فهي تأتي في لحظة مصيرية من عمر مدينة القدس، قبلة جميع الأديان السماوية، وفي ظلّ واقع مرير لكلّ الطوائف المسيحية في الشرق، في ضوء تصاعد حدّة الصراع الطائفي والمذهبي والعرقي وتزايد الأطماع الخارجية في ثروات المنطقة العربية. ومن المهم الانطلاق منها إلى تكوين رؤية عامّة وشاملة في كيفية الحفاظ على هويّة المنطقة ومضمونها وبناء حرية الإنسان فيها بغض النظر عن الانتماءات الأخرى.
* من أسرة الأخبار






العنوان الأصلي
نصارى القدس: دراسة في ضوء الوثائق العثمانية
الكاتب
أحمد حامد إبراهيم القضاة
الناشر
مركز دراسات الوحدة العربية