ليلى نقولا الرحباني *


بعد مرور ما يزيد على ستّ سنوات على إعلان «الحرب على الإرهاب»، لم تجلب ادعاءات نشر الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، سوى الدمار والويلات والمآسي للعراقيّين، وأزمات سياسية مفتوحة وخطرة في كل من لبنان وفلسطين. ورغم تردّي أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، انخفض الحديث عن هذه الانتهاكات في وسائل الإعلام العالمية وخفتت أصوات منظّمات حقوق الانسان الدولية والعربية. فهل يعود هذا الأمر إلى احترام أوسع لحقوق الإنسان في العالم العربي وانتشار الديموقراطية، أم أنّ الموضوع برمّته هو عودة الغرب إلى السياسة التي انتهجها منذ الخمسينيات، وهي غضّ النظر عن استبداد الحكومات العربية وفسادها وقمعها للحريات مقابل تأمين مصالحه في أقطارها وبحراستها؟
لقد استفادت الأنظمة العربية إلى أقصى حدّ من تطوّر وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة لإظهار الديموقراطية داخل بلدانها. وباتت الانتخابات «الفولكلور الأكبر» الذي يستطيع إضفاء شرعية شكلية على النظم الأوتوقراطية الوراثية التي تراجعت نوعاً ما عن ممارسة سياسة العنف والقمع الواسع والحاد كما في الماضي، واحتفظت بها طريقاً احتياطياً تلجأ إليه عند الحاجة، وهو ما جعلها تتحوّل ظاهراً من «السلطوية التقليدية» إلى ما يمكن تسميته «السلطوية الحديثة»، من دون تغيير في الجوهر لا بل قد يكون الشكل الحديث أدهى وأمرّ.
و«السلطوية الحديثة» هذه، هي نمط جديد من أنظمة الحكم التي تكيّفت مع مطالب التحرير الاقتصادي، والاندماج في الاقتصاد المعولَم، وتلبية متطلّبات وشروط منظّمة التجارة العالمية، والتوجّه نحو الخصخصة، والبحث عن شركاء تجاريّين جدُد وتعزيز الروابط التجارية مع الشركاء التقليديّين. كذلك طوّرت استراتيجيات للدخول إلى مجتمع المعلومات والمعرفة وشبكة الانترنت، وعزّزت دور الدولة من خلال تقديم بعض الخدمات العامّة الطفيفة.
وتماشياً مع متطلّبات العولمة ومطالب الإصلاح ونشر الديموقراطية، كان لا بدّ للسلطوية الحديثة من استخدام أساليب العولمة والتكيّف مع متطلّباتها من خلال عدّة وسائل أبرزها:
ـــــ الانتخابات: شهد العالم العربي في السنوات الماضية تعديلات في النظم الانتخابية، وذلك تأميناً لمشاركة أوسع في الانتخابات لإضفاء الشرعية على الأنظمة المنبثقة عنها. واستخدمت الأنظمة السلطوية التكنولوجيا الحديثة في العملية الانتخابية لتحديد عدد الناخبين وإظهار نسَب المشاركة، وبثّت عبر الفضائيات صور الناخبين يقترعون وراء العازل. وإحصاءات الفرز تُظهر نسباً عالية من المشاركة الشعبية. هذا بالإضافة إلى السماح للمرأة بالاقتراع، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ الانتخابات في بعض الدول العربية.
كلّ هذه التطوّرات لاقت استحساناً لدى الغرب رغم أنّ التغيّرات التي طرأت لم ترقَ إلى المستوى المطلوب من الإصلاح في العالم العربي، بل كانت كافية لتمويه الصورة وإضفاء مسحة من التحديث تعكس منطق «السلطوية الحديثة».
ـــــ منظّمات المجتمع المدني: لقد أدّى انتشار مفاهيم العولمة الكونية إلى إعادة الاعتبار للفرد واتساع القوى الفاعلة لتشمل منظّمات المجتمع المدني. وكان لهذه المنظّمات أثر كبير في انتشار دعوات الإصلاح والشفافية والحكم الصالح في العالم أجمع.
أمّا في العالم العربي، فبعدما ساد الاعتقاد لدى «السلطوية التقليدية»، لسنوات طويلة، أنّ هذه المنظّمات تهدّد سيطرتها على المجتمع المدني وتؤدّي إلى خلخلة نظامها، ورغم تعرُّض تلك الأنظمة للانتقادات الحادّة وتشويه سمعتها داخلياً وخارجياً، قامت ـــــ ولفترة طويلة ـــــ بقمع المنظّمات المدافعة عن حقوق الإنسان والمطالبة بالشفافية ومكافحة الفساد وإصلاح النظام الانتخابي، من خلال مضايقة ناشطيها والزجّ بهم في السجون، وتنظيم الأطر القانونية بما يحدّ من قدرتها على التحرّك والتأثير.
أمّا اليوم، وفي إطار «السلطوية الحديثة»، سمحت بعض الدول العربية لبعض المنظّمات غير الحكومية بأن تقوم بدور في الحياة السياسية، لا احتراماً منها لحقوق الإنسان وحرياته بل لأنّ إتاحة المجال لها للعمل على الدفاع عن هذه الحقوق تُعدّ وسيلة مهمّة لتحسين صورتها أمام الغرب عامة والدول المانحة خاصة.
ـــــ النطام الاقتصادي الليبرالي والخصخصة: استعاضت السلطوية العربية عن الانفتاح السياسي بالانفتاح الاقتصادي، ولجأت إلى شعار «الانفتاح الاقتصادي أوّلاً ويأتي الإصلاح السياسي لاحقاً»، فقامت بجذب الاستثمارات الخارجية من خلال تسهيلات ضريبية وقانونية. وسعت إلى امتلاك أسهم وحصص في الأسواق المالية، وتلبية شروط الانضمام إلى منظّمة التجارة العالمية، وهو ما أدّى إلى تغاضي الغرب، والولايات المتحدة بالتحديد، عن غياب المنافسة السياسية وتداول السلطة وانسداد الأفق السياسي أمام المعارضة.
فما دامت المصالح الاقتصادية تتحقّق ويتمّ تلبية متطلّبات الاقتصاد المعولَم، تغاضى الغرب عن اتساع الهوّة بين المواطنين، وتقليص الطبقة الوسطى وقيام طبقة من رجال الاعمال المتحالفين مع السلطة باحتكارات اقتصادية والاستفادة من الخصخصة. ولم يأبه للتزاوج الذي تمّ بين السلطة السياسية ورأس المال، حيث تبادل الطرفان المنافع وألّفت السلطوية الحديثة شبكات زبائنية جديدة.
ـــــ تكنولوجيا الاتصالات: رغم تزايد وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة الناطقة باللغة العربية، وهو ما أتاح للمواطنين إمكان التواصل بقوّة مع العالم الخارجي، ورغم ازدياد فرص المعارضة في التواصل مع الجمهور العريض وإسماع صوتها، فإنّ «السلطوية الحديثة» استطاعت أن تستغلّ هذه التكنولوجيا لتحسين صورتها في الخارج والتظاهر بالانفتاح والسماح بحرية الرأي والتعبير. كذلك استطاعت الالتفاف على هذه التطوّرات، فبدلاً من إضعاف سلطة الدولة من خلال تدفُّق المعلومات والسماح للمعارضة بالتواصل، قامت بالتحكّم في تدفُّق المعلومات على الإنترنت وفي محتواها.
وقد مارست بعض الدول العربية قمعاً رهيباً على مستخدمي الانترنت حيث إنّ محاولة دخول مستخدم إلى صفحة ممنوعة أكثر من مرّة كافية لإدخاله السجن، فضلاً عن استخدام الحلّ الشائع والتقليدي، وهو تلفيق القضايا والزجّ بمن يتجاوز الخطوط الحمراء ـــــ غير المعروفة أصلاً ولا محدَّدة بوضوح ـــــ داخل السجون.
ـــــ تنويع الارتباطات الدولية: بهدف تفادي الضغوط المحلية والدولية المطالبة بالإصلاح، قامت النظم السلطوية العربية بتنويع علاقاتها التجارية والاقتصادية والدبلوماسية مع مختلف القوى الدولية من أجل تقويض التحالفات الغربية الموجَّهة ضدّها، فدخلت إلى هذه العلاقات كلّ من روسيا والصين ودول الشرق الأقصى والنمور الآسيوية. ولعلّ السلطوية الحديثة في العالم العربي سعت إلى الاستفادة من النموذج الصيني الذي يركّز على مقولة «نظامان في بلد واحد»، أي التركيز على البُعد الاقتصادي وتأجيل الإصلاح السياسي.
لقد أثبتت الأنظمة العربية احترافاً قلّ نظيره في التكيُّف والتأقلم مع متطلّبات العصر، وليس ذلك من خلال احترام أوسع لحقوق الانسان وإتاحة المجال للحريات العامة، بل بتكييف أساليب الاستبداد وتطويره ليصبح أكثر قوّة ومرونة، وتحديثه ليتكيّف مع المتطلّبات الدولية والأميركيّة. وهكذا لم تعد السلطوية العربية مثلما كانت عليه في السابق، فقد أسهمت التطوّرات في تجديدها وإلباسها لبوساً حديثاً يلائم متطلّبات العولمة والحرب على الإرهاب، فكتبت لنفسها عمراً أطول وقدرة على الاستمرار وكتبت على شعوبها عذابات أمرّ وتيئيساً من المواجهة.
* باحثة لبنانية