strong> معن بشّور *


في كلّ مرّة يخسر فيها أحد حلفاء جورج بوش وشركائه في الحرب على العراق الانتخابات في بلده، تسارع شبكة الإعلام الممسوكة أميركيّاً إلى التقليل من أثر احتلال العراق في هذه الخسارة، ويبدأ الحديث عن أسباب أخرى تتّصل بالسياسات الداخلية، ولا سيما الاجتماعية منها والاقتصادية.
حصل ذلك إثر سقوط خوسي ماري أثنار وحزبه الشعبي في إسبانيا، وسيلفيو برلسكوني وشركاته المترامية الاحتكار في إيطاليا، وطوني بلير الذي خذله حزبه بضغط كبير من الشعب البريطاني، وشينزو آبي الياباني الذي كان يقدّمه حزبه الليبرالي صانعاً للمعجزات الاقتصادية في بلاده، وصولاً إلى بوش نفسه الذي أراد معاونوه أن يقدّموا لخسارة حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية في الكونغرس، أسباباً تؤدّي في النتيجة إلى تهميش أثر الحرب على العراق في الهزيمة الانتخابية. واليوم، تجري المحاولة نفسها مع السيد جون هاورد الأسترالي الذي كان يتباهى بدعمه لبوش في تلك الحرب، وبرفضه لمطالب شعبه المتصاعدة بسحب قوّات بلادهم المشاركة في الاحتلال على رغم ضآلة عددها، واقتصار عملها على الشؤون الفنية، وهو عدد لم يكن متناسباً أبداً مع ضجيج رئيس الحكومة وصخبه في قضية العراق.
إنّ هاورد الذي هُزم في دائرته الانتخابية نفسها أمام ربّة منزل وصحافية مغمورة، وهي هزيمة لم تشهد أستراليا مثيلاً لها منذ عام 1929، وحزبه الحاكم لسنوات طويلة الذي واجه أيضاً هزيمة منكرة، يسعيان، ومن خلفهما الآلة الإعلامية الأميركية الضخمة، إلى الإيحاء بأنّ الأسباب الرئيسية للهزيمة المزدوجة، الشخصية والحزبية، تكمن في ميل الناخبين إلى «التجديد والعصرنة، والاهتمام بالشأن الصحّي، وإعادة النظر في النظام التعليمي المترهّل»، بل في عدم تنازل هاورد عن السلطة حين كان في الذروة لمصلحة وزير اقتصاده، تماماً كما فعل طوني بلير حين انسحب في الوقت المناسب من رئاسة الحكومة لمصلحة وزير ماليته غوردون براون.
ومهما كانت نسبة العوامل الخارجية ضئيلة في التسبّب بهزيمة هاورد، إلّا أنّ انقلاب المزاج الشعبي الأسترالي عموماً، وفي دائرة هاورد الانتخابية (يبنلونغ ــــــ نيو ساوث ويلز) بعد ضمّ منطقة عمّالية إليها، يعود إلى انكشاف خدعة «الليبرالية الجديدة» مجدّداً وفي دولة أخرى بعد إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة، واتّضاح التلازم بين ركني هذه «الليبرالية» المتوحّشة، وهما العدوانية البشعة في الخارج من جهة، والاحتكارية الجشعة في الداخل من جهة أخرى، بل تلك الليبرالية التي تخيّر الشباب من أبنائها بين الموت في بلاد الآخرين أو الجوع والمرض والعوز في بلادهم.
فليس من قبيل الصدفة أبداً أن يكون غُلاة المتحمّسين لغزو العراق، وقبله أفغانستان، مهما تكن الخسائر، هم أنفسهم غُلاة المدافعين عن سياسات احتكارية تنقل بلادهم تدريجاً من فكرة الرعاية الاجتماعية التي كانت الرأسمالية المعاصرة دائماً تحصّن نفسها بها أمام مخاطر الثورات الشعبية ذات المنحى الاشتراكي، بل التي كانت تضعها كسدٍّ بوجه الفكرة الشيوعية في زمن توهّجها.
قديماً قيل «لا يمكن شعباً يستعمر شعباً آخر أن يكون حرّاً»، واليوم نقول «لا يمكن حاكماً يستهتر بحرية شعب آخر وحقوقه إلاّ أن يستهتر بحقوق أبناء شعبه وحريتهم».
لقد جاءت فضيحة صغيرة في الانتخابات الأسترالية الأخيرة لتكشف الفضيحة الكبرى، وذلك حين زوّر أحد محازبي هاورد منشوراً منسوباً لحزب العمّال المنافس لحزب هاورد، يعلن أنّ هذا الحزب معادٍ للمسلمين، وهو ما يؤكّد حجم المسألة الخارجية، أي مسألة العلاقة بين العرب والمسلمين، في الهزيمة الداخلية، تماماً كما تؤكّدها التظاهرات التي استقبل بها الأستراليون قبل أسابيع الرئيس بوش مندّدين بسياسته، بل تظاهرة الـ600 ألف أوسترالي المندّدة بالحرب على العراق عام 2003 قبل تلك الحرب بسنوات. ومع ذلك، أدار هاورد ظهره لمئات الآلاف من مواطنيه ليدير مواطنوه، وفي دائرته بالذات، ظهورهم له ولحزبه.
وهكذا يودّع بوش حلفاءه وأصدقاءه وشركاءه في الحرب على العراق الواحد تلو الآخر بعد سقوطهم المتتالي، كما يودّع كبار معاونيه في البيت الأبيض والبنتاغون ووزارة الخارجية ومجتمع الاستخبارات والكونغرس والحزب الجمهوري الذين يتساقطون بطريقة غير مسبوقة في تاريخ الإدارة الأميركية، ليبقى بوش شبه وحيد يسعى بكلّ الوسائل إلى التخفيف من وقع الهزيمة المقبلة لحزبه بعد عام، ومن أثر الفضيحة المدوّية لإدارته ولسياسته ولتنظيرات أركان حربه، ولا سيما «المدنيّين» منهم. وليس مؤتمر أنابوليس سوى إحدى هذه الوسائل لكي يستكمل بوش معه خدعته المستمرّة للفلسطينيّين والعرب كما للأميركيّين أنفسهم.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يتعلّم سياسيّونا وحكّامنا في لبنان والمنطقة درساً جديداً من سقوط هاورد، فيدركوا أنّ الإدارة الأميركية ليست قدراً لا يمكن ردّه، وأنّ السياسة الأميركية ليست السحر الذي لا يُقاوَم، وأن حفنة من رجال الأمّة في العراق وفلسطين وجنوب لبنان وأفغانستان والصومال، يعيدون بمقاومتهم صياغة أوطانهم والعالم؟
إنّه سقوط منظومة عالمية قبل أن يكون سقوط حزب أسترالي، بل قبل أن يكون سقوط عنصري متعجرف متغطرس كالسيد هاورد الذي أبكته هزيمته، كما أبكى هو بالمقابل بسياسته العدوانية الخرقاء مع حلفائه ملايين الأمّهات من كابول وبغداد إلى واشنطن وسان فرانسيسكو وما بينهما. لكن الفارق بين دموع هاورد ودموع الماجدات في العراق وعلى امتداد الأمة، أنّ دموع الرئيس الفاشل هي دموع ذلّ وخيبة وانكسار فيما دموع أمهات الشهداء هي دموع ممزوجة بالفخر والعزّة تروي بهما أكاليل الغار فوق رؤوس المقاومين والأحرار.
* كاتب وسياسي لبناني