شبلي ملاّط *


ما لم يُنتخب رئيس جديد للجمهورية قبل 24 تشرين الثاني، سيدخل لبنان في مرحلة من الفوضى نتائجها وخيمة. لقد مُنِع البرلمان اللبناني منذ 2004 من انتخاب رئيس جديد كما ينصّ عليه دستورنا الديموقراطي. من واجب المجتمع الدولي الذي أصدر القرار رقم 1559 عن مجلس الأمن في أيلول 2004، أن يؤمّن «انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة» لإعادة الديموقراطية إلى لبنان.
ولكوني مواطناً متشبّثاً بالديموقراطية اللبنانية ميزةً فريدةً في المنطقة وأوّل مرشح رئاسي خاض حملة علنية شعبية متواصلة في تاريخ لبنان، أدعو اليوم من الأمم المتحدة الى تأمين سلامة النوّاب اللبنانيّين ليستطيعوا أن يمارسوا بكل حرية واجبهم الدستوري. فمنذ المكيدة القاتلة ضدّ مروان حمادة في الأوّل من تشرين الأول 2004، في محاولة واضحة لإرهاب الأحرار الذين وقفوا ضدّ التمديد القسري وغير الديموقراطي لولاية السيد إميل لحود، بات اللبنانيون الديموقراطيون، وعلى وجه خاصّ النواب منهم، عرضةً لنَسَق متّصل من الاغتيالات المنظّمة.
وللمحافظة على الديموقراطية وإعادتها إلى لبنان، أطلب من مجلس الأمن إدراج البنود العملية الآتية في مشروع قرار يعني جميع الأفرقاء ويرعى مصالحهم المحقّة:
أوّلاً، تأمين انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة عبر ضمان حياة النواب وحياة القادة السياسيين، بمن فيهم المرشّحون للرئاسة، وحياة العديد من اللبنانيين الأبرياء، هي حالياً في خطر محدق. قد تُؤمَّن سلامة العملية الديموقراطية من خلال إرسال فريق واسع من المراقبين الدوليّين لحقوق الإنسان وللديموقراطية إلى لبنان، تدعمه قوّات من الأمم المتحدة، لضمان حماية المواطنين اللبنانيين المسالمين، وبوجه خاص نواب الأكثرية. المشكلة هي في التوقيت والفعالية. أظهر أكثر من خمسة عشر ألف جندي تابع لليونيفيل موجودين في لبنان أنهم لا يستطيعون أن يتدخّلوا كقوّة رادعة في المسار اللبناني الداخلي. وعلى رغم أن الأفضلية بالنسبة إلينا هي طبعاً إتمام انتخابات رئاسية حرّة في لبنان، غير أنّ شبح الاغتيالات لا يزال سائداً وطاغياً على أكثرية النوّاب الذين يختبئون خوفاً على حياتهم.
لهذا السبب، أقترح اليوم إجراءات بديلة تفي بالمطلوب ديموقراطيّاً. ينبغي على الأمين العام للمنظّمة الدوليّة، بوصفه مفوَّضاً بموجب ميثاقها ومن قبل مجلس الأمن، أن يدعو جميع النواب اللبنانيين لكي يجتمعوا وينتخبوا رئيساً جديداً للجمهورية في حمى الأمم المتحدة في نيويورك ـــــ أو أيّ مكان آخر من أي دولة ديموقراطية ـــــ تحت المظلّة القانونية التي توفّرها المنظّمة. إنّ اجتماع النواب اللبنانيين سنة 1989 في الطائف يقدّم سابقة ثابتةً في هذا المجال فيما تجعل الأحوال السائدة حاليّاً من الوضع في لبنان أخطر ممّا كان عليه يوم حصلت اجتماعات الطائف.
ثانياً، إقامة التلازم بين الانتخابات الرئاسية وقيام المحكمة الخاصة بلبنان. على الرئاسة اللبنانية أن تلتزم المبدأين اللذين قامت عليهما «ثورة الأرز» حتى اليوم وهما: اللاعنف والعدالة. لقد أصبحت المحكمة الخاصة بلبنان التي أنشأتها الأمم المتحدة واقعاً ملموساً، لكنه ينبغي استصدار قرار جديد يفعّل قانوناً التلازم بين المحكمة والانتخابات الرئاسية.
ومشروع القرار الذي نقترحه يقدّم ثلاثة إجراءات عملية على هذا الدرب:
أولاً: استدعاء المحقّق سيرج براميرتس: بعد التقدم السريع الذي سلكه التحقيق تحت إشراف المحققين فيتزجيرالد وميليس، تعطّلت العدالة لنحو سنتين بسبب أداء المحقّق الدولي الثالث سيرج براميرتس القاصر مهنيّاً. على مجلس الأمن أن يستدعي فوراً براميرتس للمحاسبة بشأن وضع تحقيقه، وذلك في جلسة علنية لمجلس الأمن يتمكّن معها الشعب اللبناني أن يشاهدها مباشرة. وعلى براميرتس بشكل خاص أن يوضح الرابط بين نسق الاغتيالات وعدم تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1559 في بنده الداعي الى إجراء «انتخابات رئاسية حرة ونزيهة». وللتذكير، فإنّ المحقّقين السابقين وكذلك المبعوث الخاص للأمين العام لمراقبة تنفيذ القرار 1559، قد حدّدوا «رابطاً مباشراً» بين التمديد القسري للولاية الرئاسية وبين «نسق الاغتيالات».
ثانياً: توسيع إطار الأعمال القضائية: العدالة هي حاجة وضرورة على مختلف الصعد، في عملية تكفل لجميع ضحايا الحروب اللبنانية حقوقهم في معرفة الحقيقة ومحاسبة الجُناة، وتوسِّع إطار العملية القضائية للجرائم الدولية الهائلة التي تشمل أكثر من عشرين اغتيالاً ومحاولة اغتيال منذ تشرين الأول 2004. إنني أحمل رسالة من وإلى جميع أهالي ضحايا التفجيرات اللبنانيين، وكذلك الضحايا الأجانب ـــــ ويربو عددهم على مئة ـــــ مفادها أنهم أيضاً ينتظرون العدالة من المجتمع الدولي لأنّ هشاشة النظام القضائي اللبناني تجعله قاصراً عن تقديم البلسم المناسب لحجم جراحهم وأحزانهم. يجب أن يوفر مجلس الأمن الموازنة اللازمة لكي يكون صوت الضحايا مسموعاً ولكي يضمن لهم تمثيلٌ قانوني في هذه المحاكمة الدولية البالغة الدقّة والتعقيد.
على قرار مجلس الأمن المنتظَر صدوره أن يؤسّس وبكلّ حزم مبدأً يمنع الدول الأجنبية من التدخّل العنيف في الشؤون اللبنانية، وهذا المنع يشمل اغتيال القادة اللبنانيّين وخطفهم. وهناك سلسلة طويلة لتدخّل وحشي كهذا خلال الثلاثين سنة الماضية. وبالنظر إلى الحالة الخاصّة من الإجرام والقساوة وإلى رمزيّة الإمام موسى الصدر، وهو القائد التاريخي للطائفة الشيعيّة في لبنان، ينبغي محاسبة معمّر القذافي والمسؤولين الليبيّين الآخرين عن إخفائه ورفيقيه في آب 1978 خلال وجودهم في طرابلس بناء على دعوة رسمية وجّهت إليهم. والكثير من القادة اللبنانيين كانوا هدفاً لأعمال إجرامية مارستها بلدان شرق أوسطية، ويحقّ لعائلاتهم وأتباعهم أن تستمع إليهم العدالة العالمية.
ثالثاً: إنشاء لجنة «الحقيقة والمصالحة»: لا يمكن أن تكون العدالة حكراً على الأشخاص والقادة المهمّين. لطالما دعوت لضرورة قيام لجنة مستقلة للحقيقة والعدالة والمصالحة ـــــ وقد وجّهت أيضاً الأمينة العامة لمنظّمة العفو مثل هذه الدعوة ـــــ يرعاها ويدعمها مجلس الأمن في الأمم المتّحدة.
رابعاً: عوامل المحيط الإقليمي: نظراً إلى تعقيدات الوضع في الشرق الأوسط الذي يشكّل لبنان جزءاً لا يتجزّأ منه، اقترحت في أحد بنود برنامجي الرئاسي للمنطقة أن يُعقَد ما يسمَّى مؤتمر «أنابوليس» للسلام في بيروت، على أن يضمّ هذا الاجتماع القيادة السورية والقيادة الإسرائيلية لبحث جميع المواضيع العالقة، وخصوصاً مسألة الجولان واللاجئين الفلسطينيّين. لقد دفع لبنان ثمن التناحر السوري الإسرائيلي مدى الثلاثين سنة المنصرمة بحراً من الدماء، وعلى قرار مجلس الأمن المقبل أن يعمل في إطار هذا الواقع وأن يعرض سبل تصويبه بعيداً من المعزوفة المتكرّرة للقرارات غير المطبَّقة. والشرط المسبق الذي ينبغي وضعه قبل مباشرة المحادثات هو وقف آني للعنف من الفرقاء المدعوّين على جميع المستويات، على الأقلّ طوال مدّة المفاوضات.
خامساً: الردع: ما لم يشتمل القرار على إجراءات عملية تشمل عقوبات على الأفراد بما فيها حظر السفر وخطر المقاضاة، فسوف يتمّ تجاهله من واحد أو أكثر من الأفرقاء. لذا من الضروري أن تكون هناك آلية للردع تدمج بين قرار مجلس الأمن رقم 1559 (انتخابات رئاسية حرّة ونزيهة) والقرار 1757 (المحكمة الخاصة بلبنان)، في عملية متكاملة يحدّدها مجلس الأمن ويعاقب من خلالها من يحول دون تطبيق هذه القرارات.
قد يبدو ذلك مجالاً جديداً للأمم المتحدة، غير أنّ خطورة الوضع تتلاقى مع الأمل في فُرَص بداية جديدة للمنطقة بأسرها مع رئاسة لبنانية جديدة. لا يمكن أن تفشل الديموقراطية في لبنان، ومن صميم واجبات الأمم المتحدة توفير الأدوات القانونية الضرورية لإعادة الديموقراطية في القرار المطلوب اليوم من مجلس الأمن.
* مرشّح للرئاسة اللبنانية