عصام نعمان *


لا يشعر جورج دبليو بوش بالأمان أمنياً وسياسياً. الدليل؟ انسلّ من البيت الأبيض في يوم عطلة عيد العمال، بعيداً عن الصحافيين، ليطير سراً مع كوندوليزا رايس ومستشاره للأمن القومي ستيفن هادلي على متن طائرة حطّت بمسار حلزوني سريع الانحدار، لتجنّب أي صواريخ محتملة، في قاعدة الأسد العراقية الشديدة التحصين في محافظة الأنبار. هناك قابل بوش، مدى ست ساعات، القائد الأعلى لقواته في العراق الجنرال دايفيد بترايوس وسفير واشنطن في بغداد ريان كروكر والرئيس العراقي جلال طالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي ونائبه طارق الهاشمي وعدداً من زعماء عشائر الأنبار. الدافع؟ «شعر الرئيس بأن هناك شيئاً يجب أن يفعله ليصبح في موقف يؤهله لاتخاذ بعض القرارات المهمة»، كما قال هادلي. الغاية؟ «سنبدأ بسحب قوات لنا من العراق إنما من موقع قوة ونجاح وليس من موقع خوف أو إخفاق»، كما قال بوش نفسه.
بدا بوش وكأنه يخاطب أعضاء الكونغرس من المكان الذي أصاب فيه نجاحاً أكثر من غيره... من الأنبار حيث انقلب السكان المحليون على تنظيم «القاعدة» بفضل زعماء العشائر الذين استمالتهم أجهزة الاستخبارات الأميركية.
بوش لم «ينتصر» في سائر محافظات العراق كما «انتصر» في الأنبار. لكن عشائر كبرى المحافظات العراقية مساحةً أعطته أملاً وفرصة كي يحدّ من صخب زعماء الحزب الديموقراطي المطالبين بانسحاب سريع. غير أن الأمر يتجاوز هذا العرض المسرحي المفاجئ الى مشروع سياسة بديلة في المنطقة من تلك التي انتهجها بوش منذ أكثر من أربع سنوات. إنها سياسة التقاط الأنفاس وتحديد الخسائر في شتى بلدان المنطقة من الآن إلى نهاية ولايته مطلع عام 2009.
تقوم سياسة بوش البديلة، كما تبدو من تصريحاته وتحركاته، على نقاط خمس:
أولاها تركيز الجهد الرئيس على محاربة تنظيم «القاعدة» ومحاولة إقناع الجميع، حلفاء وخصوماً، بأنها العدو المشترك في ما بينهم في هذه المرحلة. هذا يستتبع منع أي لقاء سياسي وميداني بين الخصوم، كإيران وسوريا وحزب الله و«حماس»، و«القاعدة» حيث تنشط وتفعل.
ثانيتها مباشرة تهدئة سياسية وإعلامية بين واشنطن من جهة وطهران ودمشق وحلفائهما من جهة أخرى، من أجل إنجاح مؤتمر السلام المزمع عقده في واشنطن الخريف المقبل. ذلك كله من أجل إقامة تحالف عريض بين دول «الاعتدال» العربية ضد إيران (وسوريا) وتطبيع علاقاتها تدريجاً مع إسرائيل.
ثالثتها الضغط برفق على زعماء إسرائيل من أجل إعطاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعض «التنازلات» المحدودة على صعيد ما يسمى قضايا «الوضع النهائي»، أي القدس والاستيطان واللاجئين. كذلك التعاون والتنسيق مع فرنسا والسعودية لدعم الفريق الحاكم في لبنان والحؤول دون انهزامه في معركة رئاسة الجمهورية والحكومة الجديدة التي ستعقبها.
رابعتها ضخ مبلغ ثلاثين مليار دولار لضمان تفوق إسرائيل العسكري الكاسح على جميع دول المنطقة مدى خمس سنوات، وذلك في إطار استراتيجيا معدّلة تعيد الأولوية لسلاح البر على حساب سلاح الجو من أجل ضمان مواجهة قوى المقاومة الشعبية في لبنان وفلسطين والاستفادة من دروس حرب تموز التي اندحرت فيها إسرائيل أمام المقاومة اللبنانية.
خامستها تشديد الحصار على إيران وإقناع أوروبا وروسيا والصين بتشديد العقوبات الاقتصادية عليها لحملها على التخلي عن برنامجها النووي أو تقليصه، واتخاذ الاستعدادات اللازمة لضربها في حال إصرارها عليه.
سياسة بوش البديلة بنقاطها الخمس ليست مضمونة النجاح، أميركياً ولا عربياً ولا إسلامياً. فالمعارضة الديموقراطية في الكونغرس لن تتراجع عن المطالبة بانسحاب القوات الأميركية من العراق بالسرعة الممكنة، وهي ستستغل كل زيادة في عدد القتلى والجرحى لتصعيد مطالبتها تلك، وستجد آذاناً صاغية لدى بعض شيوخ الكونغرس ونوابه الجمهوريين أيضاً.
إسرائيل لا تبدو في وارد إعطاء محمود عباس أي «تنازلات». ها هو إيهود أولمرت يعلن أخيراً أنه يستبعد التوصل إلى «اتفاق إطار» مع الرئيس الفلسطيني قبل مؤتمر السلام المقبل، فيما حذّر رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق أحمد قريع من وقوع كارثة ونكسة إذا فشل المؤتمر المذكور.
الفريق الحاكم في لبنان، بإيعاز من واشنطن أو بسبب حسابات داخلية طائفية ومصلحية، قد لا يستجيب لمساعي الحوار والاتفاق على مرشح توافقي لرئاسة الجمهورية، الأمر الذي سيجرّ لبنان بالضرورة إلى اضطرابات سياسية وأمنية مقلقة ذات أبعاد إقليمية. إصرار إدارة بوش على فرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية الإضافية على إيران قد يحمل هذه الأخيرة على زيادة دعمها لمختلف قوى المقاومة في العراق، وقد يضطر طهران إلى دعم القوى المتحالفة مع «القاعدة» كحركة طالبان في أفغانستان.
سياسة التهدئة وتحديد الخسائر قد تفشل، إذاً، في تحقيق أغراضها، بل إن مؤتمر السلام المزمع عقده في تشرين الثاني المقبل قد لا ينعقد أبداً. هذا سيؤدي، لا محالة، إلى تعزيز منطق المواجهة الذي تحمله منظمات المقاومة في كل مكان، ويشكّل حافزاً للخلايا النائمة التابعة لـ«القاعدة» لتفعيل نشاطها.
غير أن الاحتمال الأخطر هو انكشاف الفئات الحاكمة التقليدية أمام شعوبها وعجزها عن الوفاء بمتطلبات المرحلة في ظل تحالفها الخائب وغير المجدي مع الولايات المتحدة، ما يؤدي إلى نشوء ظاهرتين: الأولى تعزيز قدرات حركات المقاومة في دنيا العرب والعالم الإسلامي ونزوعها إلى محاربة أميركا والفئات الحاكمة المتحالفة معها في آن معاً، ما يشيع مناخاً شاملاً من الاضطرابات والفوضى في كل أرجاء المنطقة. الثانية يقظة العسكرية الراديكالية العربية والإسلامية وعودتها إلى الاضطلاع بدورٍ ناصري، إن صحّ التعبير، قوامه اعتبار الجيش العمود الفقري للجسم الوطني لتفادي التفكك والشرذمة، ومباشرة إصلاحات جذرية في المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إطار استراتيجية غايتها إعادة بناء الدولة الحديثة وتفعيلها، والاضطلاع بدور مركزي في التحرير ومقاومة الهيمنة الأميركية وطنياً وقومياً وعلى المستوى العالمي.
في هذه الأثناء يَضمُر الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي ويندرج باطراد في الصراع الأفعل الأميركي ـــــ الإيراني المتحوّل بدوره الى صراع أوسع وأكبر أميركي ـــــ إسلامي. غير أنه يُخشى أن تصبح المنطقة العربية الممتدة من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط إلى الساحل الشرقي للخليج العربي ـــــ الفارسي منطقةً عازلةً Buffer State بين إسرائيل وإيران، أي ساحة صراع وتصفية حسابات وحقل تجارب وتنفيس احتقانات سياسية ونفسية ودينية ومذهبية.
هذا الاحتمال لا يضير الولايات المتحدة، ذلك أن العجز عن فرض الهيمنة الكاملة على المنطقة سيقود واشنطن إلى التسليم بما تعتبره الخيار الثاني الأقل سوءاً وهو حال الفوضى والانقسام والشرذمة...
متى يقظة العرب؟
* وزير لبناني سابق