البحث في واقع الأديان في المنطقة العربية وتأثيرها في الحياة السلوكية للمجتمعات المنتشرة عليها، يفتح الباب أمام فهم التفاعلات بين الدين والسياسة وتعقيداتها الراهنة.

فالدين الذي يشكّل عنصراً أساسياً في حياة الناس ووعيهم وثقافتهم لا ينفك يلعب دوراً خطيراً لجهة التأسيس للصراعات وفق مقدمات ومبادئ مكرّسة في الكتب السّماوية أو في التشريعات الدينية المختلفة تبرر الأفعال السلبية أو العنفية لردع (الأعداء ومقاتلة الكافرين والمرتدين) سواء من باب الخوف أو الحرص أو أيٍّ من الدوافع التي تشرّعن الحرب بل وتجعلها في إطارها الأخلاقي.

ومن جهة أخرى، فإننا نقع على نصوص دينية معتمدة في الكتب السّماوية تدعو إلى نبذ الحروب وإزهاق أرواح الأبرياء ووقف تدمير الأرض وتخريبها، وتؤكد في المقابل تفعيل حركة السلام وتثبيت دعائم المحبة بين أبناء البشر من خلال صيرورة الإخصاب المتبادل للثقافات والحضارات.
إذاً نحن أمام صورتين مختلفتين، واحدة تدعو للسلام وأخرى تشجع على الحرب والقتال. والسؤال الكبير الذي تجب معالجته على ضوء الفوضى الفقهية والتفجرات الأمنية الحالية هو في تحديد مشروعية واحد من الخيارين وتقدّمية أحدهما على الآخر أو تعادليتهما بعيداً من النظرة المبتسرة. وما إذا كانت هناك حِكم وأهداف وحدود ومسلمات وقيم لخوض الحرب أو طلب السلام تحقيقاً لأغراض دينية بحتة، أو لشروط سياسية مجردة أو لكليهما معاً، وذلك من دون أن تغيب إشكالية الأبعاد الخلقية والإنسانية أو الجدلية القائمة عند الاقتراب من الكلام حول توظيف الدين بكل ميثولوجياته التبريرية لمصلحة السياسة، أو السياسة بكل مسوّغاتها النفعية لمصلحة الدين!

هل الأديان تسعى إلى تحقيق الاستقرار والأمن والسلام بين شعوب المنطقة؟

وبطبيعة الحال، فإن ذلك يؤدي بنا إلى تسليط الضوء على حقيقة مفهوم «تصارع الأديان». فهل ما يثار حول هذا الأمر له واقعية أم أنّ كل ما يتم الحديث عنه في هذا الإطار مجرد نظريات فكرية أسّس لها منظرون راديكاليون أو بالأحرى عنصريون لهم مراداتهم الشخصية؟ وهل مقولات مثل التي أطلقها صموئيل هنتنغتون حول «صدام الحضارات» تستند في حقيقتها إلى ديناميكيات اجتماعية اقتصادية سياسية أم إلى حقائق ومفاهيم دينية؟
وعلى ضوء ذلك، هل يمكن أنّ نستنتج أن في هذه المقولات والأفكار التي انتشرت في العالم باسم الإسلام تارة، استهدافاً للمسيحية، أو تلك الإساءات المتعمدة التي خرجت من الغرب ضد الإسلام هدفها تعميم العداء في العلاقات بين الديانتين انطلاقاً من الشرق حيث أعلى درجات الأخوة بين أتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية؟ فالمسيحيون في الشرق ظلوا لقرون ينعمون بحياة مميزة في ظل البيئة الإسلامية الواسعة ولا يشعرون معها بموجات كراهية. بل أكثر من ذلك، فإنّ المسيحيين احتُضنوا من قبل المسلمين، واستمروا أبناء للبيئة العربية وجزءاً أساسياً من حركتها لا يمكن فصلهم عنها، ولذلك فإنّ من يعمل على خط الفُرقة يسعى إلى تفتيت الوحدة بين الشعوب العربية المتعددة الأديان والمذاهب وخلق حالة شرخ بين أتباع الديانتين لغرض القول بعدم إمكانية التعايش والسلام بين الأديان. وهذا الأمر سيعزز من صحة النظرية الصهيونية القائمة على النقاء الديني والتفوق والعنصرية والتمايز عن الآخرين. ولا يبعد أن يكون الغرض من كل هذا الهيجان حقيقة واحدة هي دعم المشروع الصهيوني بما يمثل من أبعاد في المنطقة والعالم وضرب المشروع الآخر المستند إلى التعايش والأخوة بين الشعوب والأديان وعلى الاعتراف بالآخر والتفاهم معه تحقيقاً للسلام والأمن والاستقرار.
من جهة أخرى، فإنّه لا ينطلي على أحد خطورة المد الأصولي الإسلامي والجهات التي تقف وراء تنامي هذه الظاهرة وأوجه دعمها والمستفيدين من وراء تعميم الثقافة الإسلامية المتشددة الدموية التكفيرية في الأوساط والمجتمعات العربية. ولا شك أنّ مثل هذه الظواهر النابية تستهدف تمزيق وحدة المسلمين وإبراز صورة بشعة للواقع الصراعي القائم حالياً من خلال إظهار عامل الإرهاب كمحدد لشخصية وهوية المسلمين الفكرية والخلقية، بل وإلى طبيعة الدين الإسلامي الذي يتعامل بعداء مع الإبداعات البشرية والثقافات المتنوعة ومع المتغيرات التي تحصل في كل عصر، إضافة إلى ما يحمله الدين الإسلامي من بذور العداء للمسيحيين وللغرب عموماً ما يخلق حالة من عدم الاستقرار في العلاقات بين الغربيين وبين المسلمين.
إن تقديم صورة مزيفة ومشوهة عن الإسلام وطريقة تفكير المسلمين وما تزخر به مجتمعاتهم من مظاهر تخلف وعداء وتشدد تجاه الغرب والمسيحية لهو أمر مقصود، وخصوصاً إذا ما علمنا أن جماعات أصولية متعددة ترتبط بأجهزة استخبارية هدفها تشويه سمعة المسلمين في العالم. كما أنّ ذلك لا يبعدنا عن الاعتراف والإقرار بحقيقة وجود أصوليات إسلامية متشددة تحمل أفكاراً مغلوطة ومبتسرة وخطيرة وهي اليوم تعمل بدون وعي وبصيرة على مساعدة الاستعمار في إبراز صورة سلبية عن الإسلام، من خلال ما يصدر من هذه الجماعات التكفيرية من ممارسات مخالفة للفطرة الإنسانية.
إننا على ضوء ذلك من المفيد أن ندرس ما تصيغه هذه الظواهر الغربية من نزاعات وتوترات دينية، وتأثير ذلك في مجمل الحياة العامة، من سلوكيات وبيئة مجتمعية وقوانين. كما أنّ البحث يجب أن يدور حول مستوى التدخلات الأجنبية في مثل هكذا أوضاع، وأثرها في زيادة التوترات الدينية. فلا شك أنّ بعض الدول الكبرى التي لها تاريخ استعماري طويل في المنطقة العربية تستفيد من أي أجواء من هذا القبيل لتعاظم من تدخلها ونفوذها لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، فالأزمة اللبنانية دفعت بالعديد من الدول الغربية إلى التدخل لحماية فريق أو طائفة أو مرجعية دينية أو سياسية، ما جعل الأزمة اللبنانية عرضة للنفوذ الأجنبي وضغوطاته حتى أصبحت الأزمة اللبنانية أزمة دولية تشابكت فيها المصالح الخارجية، وهذا ما عقّد الأمور وجعلها قابلة للتمدد والانفلاش خصوصاً عندما دخل العامل الإسرائيلي على الوضع الداخلي الذي زاده تفجراً ودموية.
وكذلك يمكن أن نلاحظ أنّ أي قضية دينية بسيطة يمكن أن تتحول الى قضية دولية نتيجة التدخل الأجنبي الذي يعطيها ناراً سياسية وإعلامية بحيث يمكن أن تقوم دولة كبرى بتضخيم القضية في وسائل الإعلام ولدى الرأي العام العالمي للضغط على هذا البلد للرضوخ لشروطها السياسية والاقتصادية، ففي مصر مثلاً تضخمت سابقاً وبشكل كبير قضية الأقلية القبطية، وفي السودان قضية الأقلية المسيحية في الجنوب للضغط على هذين البلدين لتنفيذ شروط وعهود تخدم الدول الاستعمارية الكبرى.
إن ما يهمنا على ضوء كل ذلك هو كيف تتعامل الأديان مع الأوضاع المتوترة في المنطقة، وما هو دورها في النزاعات الدائرة في هذه البقعة الجغرافية التي تتداخل فيها عناصر الدين بالسياسة بشكل كبير؟
فهل الأديان تسعى إلى تحقيق الاستقرار والأمن والسلام بين شعوب المنطقة، أم أنها تفاقم من طبيعة النزاعات وتدعو إلى العنف تجاه بعضها البعض؟ إنّه في إطار تصحيح النظرة إلى الدين، إسلامياً كان أم مسيحياً، دراسة بؤر التوتر في المنطقة وتسليط الضوء عليها ومعرفة الوسائل المقترحة في معالجة النزاعات بين الأطراف المتصارعة.
فمثلاً ما يحصل اليوم في المنطقة يطرح سؤالاً مركزياً حول ما قدمته الشريعتان الإسلامية والمسيحية من جهود لإيقاف الحرب، وما هو دور المرجعيات الدينية التي تمثل الأديان في المساعدة لإحلال السلام. فهل تقدمت هذه المرجعيات بوساطات ومبادرات لحل الخلافات أم أنها انساقت وراء مذهبيتها وعصبيتها وانجرفت مع الكثيرين في أتون الحرب الدموية البشعة؟
وهنا من الضروري أيضاً أن نفرق بين توجهات بعض المرجعيات الدينية وبين طبيعة الدين نفسه، وما هو المائز بينهما إذ إنّه كثيراً ما يقع الخلط بين ما يتم التأسيس له دينياً، وما يتم التأسيس له مرجعياً أي عبر «مرجعيات دينية» فغالباً ما نرى اختلافاً في طبيعة المنهج بين مرجعية دينية وأخرى، وبينها وبين فحوى النص الديني، فنرى تفسيرات متناقضة واخرى مفتوحة على تأويلات وتكهنات لا حدّ لسيلانها.
إن توظيف الدين والهيئات الدينية لمصالح سياسية بات اليوم واقعاً معروفاً في مختلف الأوساط المحلية والدولية وهذا الأمر من الإشكاليات الأساسية التي تطرح الكثير من علامات الاستفهام. فالحرب على العراق التي قادها الرئيس الأميركي جورج بوش كان شعارها دينياً، حين وصف الحرب بـ«الصليبية الجديدة» و«حرب العدالة» والتي تُظهر مدى قوة استخدام الدين في تبرير أعمال عدوانية شريرة تحقيقاً لمكاسب سياسية ومصالح دول معينة.
من جهة أخرى، يجب أن نعرف توجهات الفكر الديني الصهيوني وتأثيره في سياسة المنطقة واستقرارها وأمنها، وما يسببه هذا الفكر من إشاعة أجواء مضادة تزيد من بروز عصبيات دينية ومن فكر يقوم على العداء والكراهية.
فمن دون شك، الفكر الصهيوني المتطرف بطبعه يحبّذ مناخات العنف بدرجاتها القصوى.
الوقوف على جغرافية الانتشار الديني وعلاقته بالتحولات السياسية أمر لا يقتصر على ما تكتشفه خبرة الحواس بل ما يتطلع إليه الإنسان من غايات الحياة من خلال تحقيق إدارة سليمة للتنوع الديني الموجود على مستوى المنطقة والعالم.
السؤال: كيف يمكن أن نتوصل إلى معادلة يخضع لها كل البشر، تعتبر التنوع الديني ضرورة إنسانية واجتماعية وخلقية وحضارية وأن الدين عامل استقرار وسلام بين التجمعات البشرية المختلفة وليس عامل حرب وفتنة.
* كاتب وأستاذ جامعي