تعتري قوى نظام ما بعد الطائف، منذُ فترةٍ غير قصيرة، أزمةٌ عميقة، باتت مؤخراً تعبِّر عنها بضيقٍ شديد. تصريحاتُ أركان هذه القوى خيرُ انعكاسٍ لضيقِها ذَرعاً بحديثِ القوى المسيحية عن الميثاقية والمناصفة. جوهر الأزمة أنَّها وصلَتْ، فعلاً، إلى الحائط المسدود، ولحظة الحقيقة أمام إصرار المكوّن المسيحي، على حجز الموقع الطبيعي الذي أقرّه «الميثاق الوطني» وكرسّه «الطائف» في الدستور ومقدمته: «مناصفة كاملة من دون زيادة أو نقصان، وتكريس للقواعد نفسها التي تَسري على جميعِ المكونات والقوى الأخرى».

الأقوياء في التمثيل الشعبي في سدةِ المسؤوليات والمواقع الدستورية، وكذلك لدى المسيحيين. تريدون رئيساً مسيحياً لا يحوز تمثيلاً كبيراً، حسناً، وكذلك فلنأتِ بأصحابِ التمثيلِ الأضعف، في رئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة. أما وأنَّ ذلكَ مستحيلٌ، في ظل تمسك طبقة ما بعد «الطائف» بنظام اللائحة المتخلّف «الأكثري»، والذي يؤدي إلى أحادية التمثيل النيابي للمذاهب الإسلامية، فلتكن هناك مساواة بين جميع مكونات لبنان.

جديّة التفاهم العوني القواتي

مفهومٌ تصعيد أركان هذه الطبقة ومحاولة استعادة اللعبة القديمة في تجريمِ المسيحيين وتخجيلهم بشعارات أكلَ عليها الدهرُ وشرب. ففي التسعينيات كان شعارُ «إلغاء الطائفية السياسية»، جاهزاً دائماً في درج رئيس الحركة التي أسسها الإمام الميثاقي، موسى الصدر، ليهدد به كلما ارتفع صوت يطالب بالسيادة والاستقلال. وها هو اليوم يطلق اتهاماً بائداً هو «التقسيم».
لقد استفادت التركيبة، التي اقترعت على ثياب لبنان والدستور والمكوّن المسيحي، من تغييب القوى الممثلة في البيئة المسيحية، واقتاتت من اختلافهم الطبيعي والمطلوب في كل الطوائف والمذاهب. وعندما تغيّرت المعادلة قليلاً بعد عام 2005، وانسحابِ الوصاية السورية التي كانت عبَّدت لهذه القوى الطريق أمام هيمنتها، سارعت إلى نسج «التحالف الرباعي»، الذي لم يطل الوقت به حتى سقط حزب الله كأوّل ضحيةٍ له، بعد أشهرٍ على صياغته.
كان تحالفُ الحريرية السياسية مع نبيه بري ووليد جنبلاط وتابعيهم من المسيحيين المستولَدين في كنفهم يعيش في رغد الانقسام، بين ميشال عون وسمير جعجع، والذي شكّل المهربَ الأنسب لها في إشكالية التمثيل الحقيقي.
أتى عون وجعجع ليصنعا ما كان مستحيلاً، ويضعان المرآة أمامها. المشكلة أنَّ الأمور تزداد سوءاً لدى المسيحيين: عون وجعجع يسيران قدماً في ترسيخ تفاهمهما في إنتاج المجلس النيابي والمجالس البلدية. إنهما يريدان استرجاع الوديعة التي وضعت في كنف النظام المستولد بعد العام 1990. لم تعد القصة مزحةً احتفاليةً، بين الرابية ومعراب. فمسيحيو لبنان يطالبون بحقهم كاملاً، دون زيادةٍ أو نقصان، ويضعون قوى ما بعد الطائف أمام كلامها المعسول، سابقاً، عن المناصفة والميثاقية تأميناً للشراكة الكاملة.

قواعد جديدة؟

من الصعب على من اعتاد التوسع أن يُعاد إلى حجمه الحقيقي


مفهومٌ ضيق صدر عن التحالف الذي نما في حضن ثلاثية خدام وكنعان والشهابي. من الصعب على من اعتاد التوسع على حساب الفراغ، ويستبيحُ مؤسساتِ الدولة ويجوّفها، من دون تقديم أي مشروع حقيقي لبناء الدولة، أن يُعاد إلى حجمه الحقيقي وتوضع ضوابط أمام استباحته. ومن الصعب على من كان يختار من مثال المرحوم الياس الهراوي وهنري حلو، في دائرة بعبدا – عاليه 2003، أن تقول له لقد انتهت هذه اللعبة، وعلينا أن نلتزم بقواعد جديدة بين اللاعبين على رقعة شطرنج النظام السياسي.
القضية ليست بعدم فهم ردة فعل هذه القوى، والتي استنجدت بطموح النائب سليمان فرنجية علَّه يساعدها. القضية في أنَّ الغرف من جعبة المصطلحات الشعاراتية البائدة من «تقسيم» وغيرها، سيجعلُ المسيحيين المتفاهمين يضحكون أكثر فأكثر، ويصرّون على مضمون الطائف وحرفيته. حرفيته في الميثاقية والمناصفة، وما يستتبعها من بنود هي من صلب روحية «الطائف» ونصّه، في تعديل قانون الانتخاب واللامركزية الإدارية ومجلس الشيوخ وغيرها.
إنهم وصلوا إلى الخط الأحمر في وجودهم ودورهم وحضورهم في النظام السياسي تحديداً، ويدركون في خلفية تفكيرهم أنهم إذا لم يحققوا الشراكة في ظل وجود قوتين سياسيتين، تتمتعان بهذا الكم من عوامل القوة في التمثيل الشعبي، والتنظيم واحتضان النخب والكوادر.
وفي ظل وجود زعامات كاريزماتية تتحدر من زمن القتال والبذة العسكرية، فمن الصعب جداً، لاحقاً، تحصيل الحقوق مع ما يختزنه المستقبل من احتمالات طبيعية، لانتعاش الزعامات المحلية الإقطاعية التي تفتت القوة ولا توحدها.

مكامن الخطر في الإقليم

هناك معطىً آخر يحفر في وجدان المسيحيين. هم يرقبون بعناية «انفجار المشرق العربي»، وهو يطيح بدولِه المركزية، ويؤدّي إلى تغوّل التطرف من عمق بلاد ما بين النهرين إلى شواطئ ليبيا مروراً بسيناء، مستئصلاً في طريقه مكونات تاريخية عريقة حافظت على وجودِها في كلِّ العصور الإسلامية.
لذا لم يبقَ من عمرِ المسيحيين في لبنان والمشرق «أكثر مما مضى»، كما يقال، في المثل العامي. استؤصلوا في العراق. وتهدَّد وجودهم في الشام. ولا يحظى وجودهم الديموغرافي الكبير في مصرِ الصراع بين العسكر والتطرف الإسلامي، بطربوش سياسي يلائم تاريخهم ومشاركتهم في صناعة الإستقلال المصري وبناء الدولة الوطنية الحديثة.
وفي ظل هذا الواقع لن يهز المسيحيين اللبنانيين اتهامهم زوراً بـ«التقسيم»، عندما يقسِّم الصراع الإيراني _ السعودي المغلّف بتاريخ النزاع المذهبي، العالم العربي من يمَنِه إلى مشرقه، ويقوِّض مجتمعاته ويفتتها.
إنَّ ضيق صدر منظومة التسعينيات لن يخجلَهم. سيسرُّهم أن تبقَى هذه المنظومة التي أصمّت الآذان بشعارات الشراكة، «البحصة» أخيراً: «لا نريد شراكة كاملة معكم، بل نريدكم مواطنين من الدرجة الثانية». لكن الأكيد أن مسيحيي لبنان سيردّون على ذلك بكلمة واحدة «الميثاق ثم الميثاق الموحد للبنان، فتعالوا إلى تطبيقه كي نحافظ على النموذج اللبناني ونضعه مثالاً لكل مجتمعات المشرق والعالم العربي التي يلتهمها التفكيك والتفتيت».
* صحافي وباحث لبناني