هناك ما يستحقّ الشكر في أن يقوم السفير السّعودي، علي عواض العسيري، بالشكوى من جريدة «الأخبار»، والهجوم عليها، والتهديد بـ «وضع حد» لها. المسألة لا تتوقف على اعتراف من هو في موقع سلطة وقوة بالضيق من مطبوعة، بل هي في أن السلطة السعودية، تحديداً، التي تمتلك عشرات الصحف وشبكات الاعلام، وتكاد أن تبسط هيمنة كاملة على الساحة العربية، تضيق بجريدة تقلّ ميزانيتها السنوية ــــ بكثير ــــ عن كلفة أصغر دكان خليجي يروّج للطائفية وطاعة أولي الأمر.


كما يردد الزميل أسعد ابو خليل، فإن الإنزياح الذي حصل على الساحة الاعلامية والثقافية العربية في العقود الأخيرة لم يكن انتقالاً من صحافة عربية «مستقلة» وحرّة الى صحافة محكومة بأموال الخليج وموانعه. الفارق هو انّه قبل حرب الخليج، أيام النزاعات الايديولوجية بين العرب، كان هناك تعدد للأصوات على الساحة، ومنبرٍ لكلّ صنفٍ من النقد. من لا تناسبه الأجندة السعودية أمامه مطبوعات ليبيا، أو العراق، أو الكويت؛ أما بعد 1991، فقد صار الصوت السعودي، والتمويل الخليجي، ومطبوعات النفط، في موقع المحتكر والمستريح في هيمنته.
ما يزعج السفير السعودي، وأبواقه في لبنان والمنطقة، هو ليس أن جريدة «الأخبار» تتميّز بحرفيتها وتأثيرها وسطوتها على الجماهير (كنت أتمنى لو أن الحال كذلك)؛ ما يزعج أعداء «الأخبار» هو انّها تتحدى، بمجرد وجودها، الصورة المطيعة، الامتثالية، الارتزاقية، التي يريد الخليج، بماله وسطوته، أن يعممها على كامل الاعلام العربي.
لهذا السبب تتعرض الأخبار، بشكلٍ «مميز»، الى الهجمات، ليس من المؤسسة الخليجية فحسب، بل من النخب العربية المرتبطة بها؛ وتستعمل مختلف الوسائل والحجج لنزع الشرعية عن الصحيفة، وصولاً الى اتهامها بأنها «تابعة لايران وحزب الله». الملفت في هذا «الاتهام» هو ليس كذبه فحسب (فمن يردده لا يملك في خطابه من حجة الا ترداد الأكاذيب)، بل هو في مفارقة انه توجد، بالفعل، قنوات وصحف تابعة لايران و»حزب الله»، وهي تموّل من قبلهم بشكل علني، وتدافع عن خطهم بلا اعتذاريات؛ ولكن لا أحد من الذين يسعون الى استئصال «الأخبار» يوجه نقديته صوبها.
لماذا «الأخبار» اذا؟ الاجابة، في رأيي، بسيطة: أغلق عينيك وتخيّل أن أيّاً من صحف الخليج الموجودة قد اختفت وتوقفت عن العمل، ما الذي سينقص في الخطاب السياسي العربي؟ أي رأي سيغيب عن الساحة؟ لا شيء. ما تقوله صحيفة الأمير تقوله ايضاً صحيفة ابن عمه. ثمّ تخيّل الآن أن «الأخبار» لم تعد موجودة؛ هل لها من مرادفٍ أو بديل؟
لهذا «الأخبار» مستهدفة، منذ نشأتها، من بلاط الملوك كما من النخب الفاسدة التي تفرزها أزمنتنا؛ وبعضهم ــــ يدّعون الليبرالية لا أقلّ ــــ يروجون أن «الأخبار» تدعو الى العنف، وهي بذلك لا تستحق الدفاع عنها ولا تقع تحت بند «حرية الرأي». هذا يدلّ على عمق استيعابهم لمفهوم «حرية الرأي»، خاصة وهم ينصبون أنفسهم في مقام الحكم الذي يحدد الرأي «الشرعي» (أي الذي يعجبه) من ذاك الذي لا ضير في أن يُقمع.
في كلّ الأحوال، المسألة ليست في المثاليات والحقوق، ونحن لا نعتمد على نشاط الليبرالي العربي في دفاعه عنّا، ولا على أريحية النظام السعودي وتقبله للنقد والاختلاف. نحن نعرف جيّداً مصيرنا ومصير أمثالنا فيما لو تمكّنوا وبسطوا هيمنتهم على بلادنا، وسيطروا على السياسة والاقتصاد، والاعلام والقضاء. ولكن، طالما أن هذا اليوم الأسود لم يأتِ بعد، فنحن نستمر في الكتابة والنشر، ونراهن على أن المستقبل لن يكون سعودياً.
حين يقرّر صحافي أن يكون في جريدة «الأخبار»، فهو يعرف سلفاً أنّه لا يفعل ذلك لأجل الراتب والأمان، أو السلطة والنفوذ، أو «البريستيج» (وهي كلها أمورٌ بالغة الأهمية في المجتمع اللبناني). ولكن، أن تصل السلطة السعودية الى درجة التعبير عن غيظها منك في الاعلام، وفتح المعارك مع مؤسستك الصغيرة، فهذا ما يجعل للعمل معنى ومقابلاَ. شكراً سعادة السفير.