من الصعوبة بمكان تحديد ما ستؤول إليه الأوضاع في اليمن أو تحديد انعكاس وتداعيات الصراع فيها على الساحتين العربية والإقليمية، وعلى نحو خاص على المسارات الميدانية والسياسية في سوريا والعراق وليبيا. فالعربية السعودية تقود تحالفاً، تقول إنه دفاعاً عن الشرعية، وتلبية لنداء الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، لكن الحقيقة تخالف ذلك. فالتدخل السعودي يندرج في سياق مواجهة التمدد الإيراني. وهذا يدلل على أن الآفاق المستقبلية للمنطقة العربية ومجتمعاتها، محكومة بأشكال ومستويات الصراع، والتحالفات الدولية والإقليمية. انطلاقاً من ذلك يمكننا أن نحدد أولاً: السياق العام للصراع في المنطقة العربية، وثانياً: أهداف وأدوات ومآلات الصراع.


ــ من الواضح أن ترابطاً بدرجة معينة يحكم تحولات الأحداث السورية والعراقية واليمنية. حتى الأوضاع في ليبيا يمكن مقاربتها مع ما يجري في الدول الثلاث، لكن بأشكال مختلفة نسبياً. فالدول المذكورة تخضع لموجات من التدخلات الإقليمية والغربية. وبدرجة معينة تحمل مآلات متقاربة. وذلك يستدعي نقاش التحولات اليمنية في سياق ترابطها مع الأوضاع السورية والعراقية من جانب. وفي سياق التناقض بين المشروعين الأميركي والروسي، وامتداداتهما الإقليمية والعربية، من جانب آخر.

التحولات التي تشهدها
المنطقة العربية تجري تحت أنظار الأميركيين ورعايتهم

انطلاقاً من ذلك يمكننا القول، ان التدخل العسكري للتحالف الذي تقوده العربية السعودية، جاء رداً على التمدد الإيراني في العراق. ودفاع إيران المستميت عن النظام في سوريا، لكونه يمثل بالنسبة إلى الحكم في إيران، حلقة الوصل مع المقاومة الإسلامية اللبنانية، ويؤمن لها الإطلالة على البحر المتوسط. أيضاً نتيجة خوف العربية السعودية من السيطرة الإيرانية المباشرة وغير المباشرة على حدودها مع اليمن، وعلى باب المندب. ويتعلق أيضاً بالمفاوضات بين إيران ودول 5+1 بخصوص الملف النووي التي اعلن عن اتفاق اطاري خلال الأيام القليلة الماضية. وهذا يجعل العربية السعودية تشعر بالوحدة أمام القوة الإيرانية ويُشعرها بأن الولايات المتحدة يمكن أن تتخلى عنها، أو ترفع الغطاء السياسي عنها. أي إنها ترى بأن مكانتها الإقليمية ودورها سيتراجعان مقابل إيران. ويمكن أن يُمثل ذلك مدخلاً إلى تغيرات سياسية داخل الرياض. موضوعياً يجب النظر إلى تلك التحولات، وما ستؤول إليه العلاقات السعودية الأميركية، من منظار المصالح الأميركية الاستراتيجية التي يندرج في سياقها العلاقة مع الروس، وكيفية المحافظة على أمن ومصالح وتفوق الكيان الإسرائيلي مقابل العرب، لكن ذلك لا يعني أن الأميركيين لا يستخدمون الورقة الإيرانية بكافة مستوياتها وأشكال تجلياتها لخلق حالة من الرعب الدائم والمتجدد لدول الخليج. وهذا يعني بالمستوى الاقتصادي المزيد من الهيمنة على الثروات النفطية والغاز، وتعميق العلاقات العسكرية، تحديداً من جهة تصدير الأسلحة إلى دول الخليج وعلى رأسها السعودية، من دون أن يعني ذلك تخلي الأميركيين عن وجودهم العسكري المباشر في الخليج. هذا إضافة إلى أن التوافق على الملف النووي لن يكون مفصولاً عن بعض الملفات السياسية، على نحو خاص الملفّان السوري والعراقي. وهذا أيضاً يثير تخوفاً ما بالنسبة إلى السعودية وباقي الدول التي تناصب العداء للنظام في سوريا. وفي هذا السياق لا يمكننا أن نستبعد تركيا التي تشارك على نحو كبير في الصراع السوري بغية إسقاط النظام، فهي أيضاً غير مطمئنة للتقارب الأميركي الإيراني، وغير راضية عن تعاظم الدور الإيراني في المنطقة، لكن وجودها في الناتو يجعلها أكثر اطمئناناً على أوضاعها ونفوذها ومصالحها، هذا إضافة إلى ما تتمتع به من قوة عسكرية واقتصادية. ومن المعلوم أن الخلاف السياسي التركي ـ الإيراني لم يكن عائقاً أمام التعاون الاقتصادي بينهما، سواء من جهة حجم التبادل التجاري، أو ما يتعلق بموضوع الغاز («السيل الجنوبي»).
من جانب آخر، لا بد من التأكيد على أن الحكومات العربية على نحو عام ما زالت أسيرة مشاريع إقليمية ودولية. وهي بذلك لم تنل شرف أن يكون لها مشروعاً عربياً مستقلاً ورائداً على مستوى المنطقة والعالم، فكانت على نحو دائم مقيدة بمشاريع دولية وإقليمية. وفي سياق تلك المشاريع، كان يجري تحويل مصادر القوة العربية إلى أدوات. مع العلم أن تلك المشاريع كانت ترمي في بعض مستوياتها إلى ضبط وتحديد آفاق تطور المجتمعات العربية في سياق يضمن للدول الكبرى، استمرار مصالحهما الحيوية والاستراتيجية، وذلك من خلال فرض شروط وعوامل الهيمنة على شعوب المنطقة ومقدراتها.
وكان ذلك بطبيعة الحال يستدعي من الحكومات العربية التابعة والمرتهنة، ممارسة كافة أشكال السيطرة الأمنية والأيديولوجية. أما الآن، فإن شعوب المنطقة العربية تعاني مخاضاً عسيرا، وربما ستخضع لعمليات توليد قسرية، فالمشاريع و«الخرائط الجديدة» ستكون مرهونة لمصالح أقطاب الصراع المحمولة في كثير من اللحظات على قوانا التي يجري تحويلها إلى أدوات في مشاريع دولية وإقليمية.
ثانياً: يتسم النظام العربي بالهشاشة، والعجز عن القيام بنهضة تنموية اقتصادية وسياسية ديمقراطية. وانعكس ذلك على أوضاع المجتمعات العربية التي تراجعت فيها عوامل المناعة الذاتية. وذلك له علاقة مباشرة ببنية النظام السياسي وآليات ممارساته السياسية والاقتصادية. من جانب آخر فإن التدخل السعودي المباشر في اليمن، وقبله في سوريا، محمول بكليته على مشروع دولي عابر للحدود العربية. ومع ذلك تنبري بعض الأصوات للدفاع عن ذلك التدخل، وتعده بداية نهضة عربية. ومعلوم أن الخطاب المذكور يندرج في سياق أيديولوجي، الهدف منه الترويج إلى مشاريع دينية محمولة على أبعاد طائفية. وذلك يرمي على نحو رئيس إلى إبعاد الصراع عن الحقل السياسي. وهذا يستدعي الكشف عن جوهر تلك التحولات، ومواجهتها من خلال مشاريع سياسية ديمقراطية تضمن حقوق المواطنة. فالأوضاع في سوريا والعراق واليمن وليبيا، تكشف عن جوهر المشاريع المُعدّة للمنطقة التي إذا فُرضت على المجتمعات العربية، ستزيد من درجة التبعية والارتهان إضافة إلى أنها ستساهم في تحويل بلداننا إلى ساحة لصراع بالوكالة.
ومن المرجح أن يقود الصراع السعودي الإيراني إلى تعميم الصراع وهدر المزيد من الدماء العربية. ومن الممكن أن يفضي إلى إعادة تكوين خرائط المنطقة العربية. وهذا يدلل على أن المنطقة ستدخل مرحلة مختلفة عما كان سائداً، وأشكال تلك التحولات ترتبط على نحو مباشر بنتائج الصراع، لكنها لن تكون كما يدّعي حملة المشروع الأميركي وأدواتهم في المنطقة. بمعنى أن التحالف السعودي يحمل مشروع نهضة عربية في مواجهة المشروع الإيراني، بل سيقود إلى المزيد من الدمار. ولن تكون البلدان الخليجية بمنأى عن ذلك. ويمكننا القول، ان بعض تجليات السياسيات الخليجية سببها الخوف من انتقال تداعيات «الربيع العربي» إلى داخلها. من هذا المنظور، فإن دعمها للمجموعات الجهادية التكفيرية، وبعض أطراف المعارضة، لا يندرج في خانة الحرص والدفاع عن الشعوب والقيم الديمقراطية، لكن في إطار الدفاع عن الذات في سياق دعم مشاريع دينية سلفية حليفة، لمواجهة أي تحوّل سياسي ديمقراطي مستقل.
أخيراً: إن التحولات التي تشهدها المنطقة العربية تجري تحت أنظار الأميركيين ورعايتهم. أما تباين المواقف الأميركية بين سوريا واليمن، فإنه يجب تحديده من منظار المصالح الحيوية والاستراتيجية. وهذا يؤكده الترابط بين السياسية والمصالح على نحو عام والاقتصاد على نحو خاص.
* باحث وكاتب سوري