أسعد أبو خليل *


يروي لنا كلوفيس مقصود حكاية تكريمه من قبل وليد جنبلاط قبل سنوات في لبنان (قبل أن تزول الغشاوة الثقيلة عن عينيه). يقول كلوفيس إنّ جنبلاط سأل في كلمة تقديمه للمُحتفى به في حفل التكريم عن سبب استقالة مقصود من الحزب التقدمي الاشتراكي في الخمسينيات بعدما كان من أوائل المنتسبين إليه. طلب أن يشرح كلوفيس أسباب الاستقالة في كلمته أمام الجمع. وكان أن ألقى كلوفيس كلمة تجاهل فيها بلباقة الموضوع. فما كان من وليد جنبلاط إلا أن سأله هامساً بعد انتهاء الكلمة عن سبب الاستقالة. فأجابه كلوفيس «بصراحة، السبب يعود إلى خلاف مع كمال جنبلاط أيام العدوان الثلاثي على مصر عندما لم يناصر الأخير عبد الناصر». فأجابه وليد بأنّ والده كان يمرّ آنذاك في مرحلة «انعزالية» قصيرة.
يحاول جهاز الدعاية الحريري ــــــ الجنبلاطي أن يعيد إنتاج كمال جنبلاط بصورة مغايرة لحقيقة تاريخه. هنا، قام تلفزيون القوات اللبنانية بالمهمة على أحسن وجه، فأنتج برنامجاً «وثائقياً» عن جنبلاط ـــــ على نسق وثائقية برنامج جيزيل خوري عن سمير جعجع ـــــ بدا فيه جنبلاط الأب توأماً لبيار الجميل.
لم نتعرّف بكمال جنبلاط في إنتاج الـ«إل. بي. سي.». وعزل تلفزيون القوات أصدقاء جنبلاط العروبيّين، واكتفى بمن توافر من الرهبان ومن اليمينيّين ممّن ادّعوا أنّهم كانوا من أصدقائه الخلّص. لم يظهر حتى محسن إبراهيم أو محسن دلول في البرنامج، على ما نذكر. حوّلوا رمز النضال اللبناني والفلسطيني إلى أيقونة انعزالية. وحتى طائفياً، جعلوا منه معتنقاً للمسيحية بالسرّ (على طريقة الأب لويس شيخو الذي كان يجهد في كتاباته عن الأدب العربي لتحويل الشعراء العرب على مرّ التاريخ (الوثنيّين والمسلمين واليهود) إلى مسيحيّين، ليسهل تدريسهم على الناشئة).
وتوافق بثّ البرنامج المذكور مع محاولة إعادة اختراع كمال جنبلاط على يد وليد الذي وجد جملة في مقالة لأبيه من الخمسينيات ليسوّغ فيها تقلّباته (حالات الزمان عليه شتى وحالاته شتى في كل حال، بالإذن من العروض ومن المتنبي). طبعاً، أعطى جنبلاط أكثر من تفسير لتقلباته.
لكن مقارنة كمال جنبلاط بابنه وليد مجحفة بحق الأخير. فكأن المرء يقارن الفضيلة بمحمد دحلان، أو كارل ماركس بفؤاد السنيورة.
بدأ كمال جنبلاط حياته السياسية يمينياً ثمّ تحوّل إلى اليسار عن اقتناع وتثقّف. أما وليد جنبلاط فقد بدأ يسارياً (حتى إنه شارك في تظاهرة نيسان عام 1969 التي كان أبوه قد عارضها واختلف مع ابنه حولها، كما يروي محسن دلول في كتابه «حوارات ساخنة»)، ثم تحوّل وليد إلى اليمين لتوافر وسائل إقناع «رنّانة»، كما سمّاها نبيه بري في بيان أخير (يروي محسن دلّول طرفة مصرفيّة عن علاقة جنبلاط بالقذافي).
بدأ كمال جنبلاط حياته السياسية انعزالياً متحالفاً مع «الكتلة الوطنية» (قبل أيام الزعيم الماروني الأوحد كارلوس إدّه)، ثمّ تحوّل إلى العروبة المنفتحة المتصالحة مع الديموقراطية. أما وليد جنبلاط فتسلّم عباءة العروبة ومقارعة الانعزالية بعد اغتيال والده على يد مجرمي النظام السوري، ثم تحوّل إلى انعزاليّ صرف يردّد شعارات مملّة استقاها من الخطاب الكتائبي التقليدي.
تسلّم كمال جنبلاط زعامة إقطاعية فتمرّد عليها، وباع أملاكها ليتشارك فيها مع الفقراء، وليباشر مشروعاً اشتراكياً عملياً. أما وليد جنبلاط فقد ورث مشروع سبلين واشتراكية جنينية، فحوّلها إلى مشاريع رأسمالية متطوّرة متصالحة مع أثرياء لبنان، مثل عدنان القصار الذي تشارك وإيّاه (برضاه طبعاً في سنوات الميليشيا والخوّات الاشتراكية).
كان كمال جنبلاط في بداية عهده السياسي زعيماً طائفياً محلياً، فضاقت به تلك الزعامة وانطلق بها إلى الفضاء العربي والأممي الرحب. أمّا وليد جنبلاط فقد ورث زعامة عربية وأمميّة، وحوّلها إلى زعامة طائفية ضيعاويّة ضيّقة.
كان كمال جنبلاط يسعى لجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة للقضاء على التمثيل الطائفي. أما وليد جنبلاط، فيصرّ على التمثيل الطائفي الضيّق (وقد طلع علينا أخيراً بنظرية في مقابلته مع «نهار الشباب (اليميني)» مفادها أنّه كلما كانت الدائرة الانتخابية أصغر وأضيق، زاد «التنوّع» ـــــ فانعم بالتنوّع يا شعب لبنان).
سعى كمال جنبلاط لإلغاء الطائفية السياسية. أما وليد جنبلاط فقد رفض هذا الهدف، حفاظاً على «التنوّع»، كما قال.
عارض كمال جنبلاط النظام السوري في عزّه وعندما كانت مدافعه تدكّ بيروت. لكنّه عارضه ـــــ ينسى دعاة 14 آذار ذلك ويظنّون أنّنا نحن أيضاً قد نسينا ـــــ من منطلق اليسار لا من منطلق اليمين. عارض كمال جنبلاط سوريا لمجابهة مشروع أميركي ــــــ إسرائيلي متصالح مع الأنظمة العربية الرجعية. أما وليد جنبلاط فخانته الشجاعة بوجود الجيش السوري، لكنّه وجد شجاعة كبيرة في مواجهة سوريا بعد خروج جيشها من لبنان. ومن الضروري الإشارة إلى أنّ وليد جنبلاط عارض ويعارض النظام السوري من منطلق يمين النظام ولمناصرة مشروع أميركي ـــــ إسرائيلي متصالح مع الأنظمة العربية الرجعية.
كان كمال جنبلاط مثقّفاً بصمت وبتواضع (ويقرأ لليمين ولليسار وللوسط). أما وليد جنبلاط فإنّه عارضُ ثقافة بامتياز. يعرض كتباً قرأها على شاشة التلفزيون، ويزهو باشتراكاته في مجلّات أميركية ـــــ يا لفخر الطائفة. وإنّ قراءاته منتقاة لتتماشى مع تحوّلاته السياسية. فهو «اكتشف» كتاب وضاح شرارة (قلّة تذكر ما قاله فيه العفيف الأخضر في ترجمته الرائعة للبيان الشيوعي) عن حزب الله بعد عقد من صدوره، وذلك بعدما كان يرى في نفسه مرجعاً (وخصماً) للمحافظين الجدد ـــــ كان هذا طبعاً قبل أن يكتشف رأس الحكمة في إليوت أبرامز.
كان كمال جنبلاط متواضعاً في معشره، لطيفاً ودمثاً مع مستشاريه. أما وليد بك... فلنقل إنّه شبيه ببيك آخر من آل الأسعد. فكمال جنبلاط كان محاطاً بمجموعة من الناس من الطبقات المتوسّطة والفقيرة، أمّا وليد جنبلاط فلا يرتاح إلا لمعشر نخبة البورجوازية السمجة في لبنان (التي تزهو برطانتها في العربية).
كان يؤيّد كمال جنبلاط كتّاباً وصحافيين يساريين من أمثال جوزف سماحة وشفيق الحوت وكمال ناصر (طبعاً نحن في اليسار المتطرّف كنّا نعارض كمال جنبلاط، لكنّ تقديرنا له ازداد على مرّ السنوات بعدما عاصرنا خلفه). أما وليد جنبلاط، فإنّه يحظى بتأييد يساريّين وشيوعيّين سابقين دائماً ـــــ واحد تحوّل من الشيوعية إلى إهراق الدموع على رفيق الحريري، وآخر تحوّل من الشيوعية إلى صيانة و«حراسة» الأرزة، وآخر قاد انشقاقاً طائفياً عن الحزب الشيوعي من أجل «عيون» وليد بك، وآخرون كثر من جوقة البكّائين المحترفين في تيّار المستقبل.
كان كمال جنبلاط مستعداً للبذل والتضحية لدعم الثورة الفلسطينية. أما وليد جنبلاط فقد استعمل الثورة الفلسطينية من أجل تدعيم زعامته الطائفية. ألّف كمال جنبلاط جبهة لمساندة المقاومة الفلسطينية، أما وليد جنبلاط فقد دخل في حلف وهّابي ـــــ أميركي سعى لتنصيب عصابات الدحلان قيادةً لمسخ دولة في أقل من 20% من فلسطين.
سعى كمال جنبلاط من أجل الوحدة العربية. أما وليد جنبلاط فقد قسّم (بالاشتراك مع القوات اللبنانية التي أشعلت حرب الجبل) جبل لبنان الصغير.
وعندما كان كمال جنبلاط يتحدث عن الثورة كان يعني بها الثورة الفلسطينية والعربية، أما وليد جنبلاط فكان يعني بالثورة «ثورة»... الأرز.
ناهض كمال جنبلاط الإمبريالية الأميركية. أمّا وليد جنبلاط فزار الولايات المتحدة ليقدّم الولاء والطاعة، وليقدّم سلسلة من الاعتذارات عن انتقادات سابقة كان قد وجّهها لها.
كان كمال جنبلاط معارضاً للمال السياسي. أمّا وليد جنبلاط فكان تابعاً للمال السياسي. أقام كمال جنبلاط علاقات وطيدة مع حركات اشتراكية ونقابية في طول العالم العربي وعرضه. أمّا وليد جنبلاط، فعلاقاته انحصرت بأمراء آل سعود وبديفيد ساترفيلد. كان كمال جنبلاط متأثّراً بجورج حبش كنموذج للنضال الفلسطيني. أما وليد جنبلاط فهو مرتبط سياسياً بمشروع أبو مازن ـــــ الدحلان.
حاز كمال جنبلاط وسام لينين. أما وليد جنبلاط فحظي بعد لأي على لقاء 15 دقيقة مع هنري كيسنجر.
كان كمال جنبلاط ثابتاً في مبادئه، أما وليد جنبلاط فكان يغيّر أقواله وقناعاته مع طلوع كل شمس.
ألهم كمال جنبلاط أجيالاً من اللبنانيين والعرب. أما وليد جنبلاط فقد ألهم آل الحريري. كان كمال جنبلاط معجباً بجمال عبد الناصر وبرموز الاشتراكية العالمية. أمّا وليد جنبلاط فلا ينفكّ يصف ملك السعودية بـ«الرجل الرجل».
كان كمال جنبلاط صريحاً في انتقاداته للنظام السعودي ولدوره المشبوه في لبنان. أما وليد جنبلاط فقد تحول الى بوق متزلّف لآل سعود.
كان كمال جنبلاط يدعو الى العلمانية في لبنان، وكان جريئاً في معارضته لرجال الدين في كل الطوائف. أمّا وليد جنبلاط فإنّه علماني فقط في محاربته لحزب الله، وينساها في جلساته مع حلفائه من رجال الدين من أمثال الشيخ محمد علي الجوزو (بعدما انشقّ عن خليّة حمد) ومفتي صور بعدما هجر حزب الله وحركة أمل.
كان كمال جنبلاط ناشراً للفكر اليساري الاشتراكي في العالم العربي، بينما تحوّل وليد جنبلاط الى ناشر للفكر والسياسة الوهابيّين.
كان كمال جنبلاط يسخر من رموز الوطنية في لبنان، من الأرزة إلى العلم. أمّا وليد جنبلاط فتحوّل إلى كيانيّ لبنانيّ متعصّب وإلى عابد للأرزة (نتساءل لماذا لم تحظَ أشجار البلّوط في لبنان بالاهتمام الذي حظيته أشجار الأرز، مع أنها تستعمل في الأحاديث مثل «بلا كذا وبلا بلوط»، وتوفر ألعاباً مجانية للأطفال في الشوارع).
كان كمال جنبلاط يرتاح إلى مجالسة صحافيين معارضين من مختلف الدول العربية، يتنسّم منهم أخبار اليسار والنشاط الديموقراطي فيها، بينما لا يرتاح وليد جنبلاط إلا الى جلساته مع المراسلين والسفراء الغربيين لأنّها تجعله يقترب من الحضارة التي ما انفكّ ينشدها.
كان كمال جنبلاط ينال قسطه من الثناء من صحف المعارضة واليسار في العالم العربي. أما وليد جنبلاط فهو بطل صحافة النفط السعودي.
شكل كمال جنبلاط أملاً للفقراء والمساكين في كل أنحاء لبنان. أما وليد جنبلاط فهو السياسي المفضّل من قبل البورجوازية اللبنانية وبقايا الإقطاع. ساهم كمال جنبلاط في القضاء على الإقطاع السياسي والعائلات التقليدية في مختلف أنحاء لبنان. أما وليد جنبلاط فساهم في محاولة إنعاش الإقطاع السياسي والعائلات السياسية التقليدية في لبنان.
كان كمال جنبلاط يوبّخ عبد الحليم خدام (ويرفض أن يجتمع بقادة الاستخبارات السورية). أما وليد جنبلاط فكان يتلقّى تعليماته من عبد الحليم خدام ومن ضبّاط الاستخبارات السورية في لبنان.
أنهى كمال جنبلاط حياته زعيماً عربياً وعالمياً كبيراً. أمّا وليد جنبلاط فيمكنه أن يزهو بلقب «بك المختارة» على أكثر تقدير.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)