دينا حشمت *


على طول طريق «الصعيد» الزراعي، أو على الأقلّ حتى مدينة بني سويف التي تقع على بعد حوالى مئة كيلومتر جنوبي القاهرة، يقف أمام كل قرية تقريباً شباب يحملون لافتة :تبرّعوا من أجل بناء مسجد»، مقدّمين إلى السائقين علبة كرتونية يلقون فيها المبالغ المالية.
لم يكن هذا المشهد معتاداً قبل عدة سنوات، وما زال شديد الغرابة في بلد يُعتبر فيه جمع التبرّعات تحت أي غطاء كان، بمثابة قناع لتمويل أنشطة قد تصنّف تحت بند «السعي لقلب الحكم». لكن فجأة، بعد عقود اعتبرت فيها الدولة المساجد بمثابة معاقل للجماعات الإسلامية المسلحة، واعتُبر جمع التبرعات من أجل بناء المساجد بمثابة غطاء لتمويل «الإرهاب»، ترحّب هذه الدولة بجمع التبرّعات علناً في الشارع، من أجل بناء مساجد إضافية، على مسافات متقاربة جداً بعضها من بعض على جانبي طريق الصعيد، الذي يربط جنوب مصر بشمالها.
ولا يخفى على أحد ما قد يحدث إذا ما جرؤ عدد من المواطنين المسيحيين وخرجوا على هذا الطريق نفسه، حاملين لافتة تقول «تبرعوا من أجل بناء كنيسة». فلا تزال حاضرة في الأذهان أحداث قرية «بمها» قرب مدينة «العيّاط»، التي تقع على طريق الصعيد هذا نفسه، على بعد خمسين كيلومتراً جنوبي القاهرة. ففي يوم الجمعة 11 أيار/مايو 2007، تجمّع عدد من أهالي القرية المسلمين بعد الصلاة، واعتدوا على بيوت أهالي القرية المسيحيين، وأحرقوها، ونهبوا المحال التي يملكها مسيحيون، بعد سماعهم خبر تبيّن بعد ذلك أنه كان مجرد شائعة، ويفيد بتحويل منزل إلى كنيسة. وقال الأهالي المسيحيون في شهاداتهم إنهم عندما شعروا بالخطر، أبلغوا قوات الأمن، التي لم تأت في الوقت المناسب لمنع الصدامات.
وإذا كانت أحداث «بمها» قد حظيت بتغطية إعلامية واسعة، فهناك العديد من الأحداث المشابهة لا يلتفت إليها الإعلام، منها أخيراً أحداث قرية «الروضة» قرب الفيوم، جنوب غرب العاصمة. ففي يوم الأحد 15 تموز/يوليو 2007، هدمت حشود مهلّلة «الله أكبر، الله أكبر» جدار كنيسة كان الأهالي بصدد بنائه، على رغم حصولهم على تصريح بذلك. وليست هذه إلا أمثلة قليلة تعبّر عن حالة الاحتقان الطائفي العام الذي يعمّ مصر.
يصعب تحديد متى بالضبط بدأ هذا الاحتقان يتخذ هذه الصورة. معظم المحللين يرجعونه إلى أحداث «الخانكة» سنة 1972، التي اتخذت تقريباً الشكل نفسه لأحداث «بمها» الأخيرة، أي اعتداء أهالٍ مسلمين على أهالٍ مسيحيين بعد شروعهم في بناء كنيسة. ومنذ ذلك الحين، توالت حلقات مسلسل «الفتنة الطائفية»، من أحداث «الزاوية الحمراء» سنة 1981، التي سببت مقتل 9 مواطنين مسيحيين، حسب الرواية الرسمية، وثمانين مواطناً مسيحياً، في روايات أخرى، مرورا بـ«إمبابة» (1991)، «أسيوط» (1994)، «الكشح» (1998 و2000) و«محرم بك» في الإسكندرية (2005). وفي هذه الأخيرة، أثارت شهادة أحد شباب المدوّنات تساؤلات عديدة عن موقف النظام، إذ حكى كيف أنه رأى، أثناء تشييع جنازة مواطن مسيحي قُتل في أحد الاعتداءات الثلاثة على كنائس، «بلطجية» الحزب الحاكم في زيهم المدني، يتسللون عبر حواجز الأمن المركزي الكثيفة ويعتدون على المحال المملوكة من تجار مسيحيين لتدميرها ـــــ ليُقدّم في اليوم التالي كل شيء في وسائل الإعلام على أن «مواطنين مسلمين اعتدوا على محال المسيحيين».
ولكن في أغلب الأحيان لا يقوم «البلطجية» بأفعال العنف الطائفي هذه، بل مواطنون عاديون. فلا شك في أن صورة «الهلال والصليب» التي رفعت أثناء ثورة 1919 فقدت إلى حد كبير معناها، إذ إن جو التعايش والتسامح الذي كانت تعبّر عنه لم يعد سائداً في المجتمع. ومع أن الشعار المرافق لهذه الصورة، «الدين للّه والوطن للجميع»، كان يعبّر في ذلك الحين عن حالة حقيقية من التكاتف في الكفاح ضدّ المحتلّ الإنكليزي، فإنه ظلّ دوماً شعاراً عاماً لم يحلّ مشكلة التمييز ضد المواطنين المسيحيين، ولم يسمح بتجاوز التقسيم الطائفي للمجتمع، ولا بإعادة بناء علاقة الدين بالدولة.
ولم يَحلّ استيلاء الضباط الأحرار على السلطة سنة 1952 أياً من هذه القضايا. فعلى عكس ما قد يتصوره البعض، فإن الدولة الناصرية لم تتخلَّ أبداً عن نظرة الشك والريبة إلى المواطنين المسيحيين. فشهدت الحقبة الناصرية العديد من الإجراءات التي رسّخت الطائفية، منها تحديد نسبة الأقباط المسموح لهم بالدخول إلى كليات الشرطة والجيش، ومنعهم من الالتحاق بجهاز الاستخبارات. ولم يلغ النظام الناصري الشروط العشرة التي وضعت في ثلاثينيات القرن الماضي لبناء الكنائس. ولم يأت حكم الرئيس السادات ـــــ الذي أعلن نفسه «رئيساً مسلماً لدولة مسلمة» ــــــ والرئيس مبارك بعده، إلا ليزيد الاحتقان الطائفي حدّة. فشهدت فترة السادات ازدهار الجماعات الإسلامية، التي كان يرى فيها حاجزاً منيعاً ضد توسّع نشاط اليسار الشيوعي، والتي ضربت شعار «الهلال والصليب» ضربة قاضية.
وعلى الرغم من انغلاق شرائح المجتمع المختلفة على وسطها الديني، فإنّ روح «الهلال والصليب» لم تختفِ تماماً، وهو ما ظهر جليّاً في «العمرانية» أخيراً، حيث قَتل عدد من رجال الشرطة مواطناً، تصادف أنه مسيحي، بإلقائه من الطابق الرابع بعد مداهمة منزله، بسبب تقديمه شكوى ضد أمين شرطة يفرض «أتاوات» على المنطقة كلها. فهجم جيرانه ـــــ مسيحيين ومسلمين ـــــ على سيارة الشرطة، والتفوا حول أهالي الضحية، متضامنين معهم في وجه ظلم ضباط الداخلية. وفي غمرة التحركات والاحتجاجات الاجتماعية والسياسية التي تعم البلاد، من القضاة إلى «كفاية»، مروراً بثورة العطشانين والإضرابات العمالية، فإن الإمكانية بتجاوز «الفتنة الطائفية» وبالاستعانة بروح «الهلال والصليب» لمواجهة سياسات الليبرالية الجديدة وقمع رجال الداخلية ليست احتمالاً مجرداً أو
رومانسياً.
ولكن هناك أطراف في اللعبة تحرص على عدم انتشار هذه الروح. في «العمرانية» مثلاً، هدّدت عدّة جهات بتدويل القضية، واتّصلت إحدى هذه المنظّمات بزوجة القتيل لتبلغها أنّ «قضية زوجها قد وصلت إلى الرئيس بوش» على أساس أنها قضية اضطهاد ديني، وهو ما لا ينطبق على هذه الأحداث، لأن الشرطة تمارس الترهيب والقتل والتعذيب على المواطنين جميعاً، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين. وبإدخال «الرئيس بوش» في هذه القضية، تريد هذه المنظمات إيهام المسيحيين بأن خلاصهم سيأتي من واشنطن. وهو المعنى عينه بالضبط ـــــــ وإن كان على نطاق أوسع ــــــ الذي يقف وراء اقتراح أحد المراكز البحثية التابعة للكونغرس الأميركي تخصيص جزء من المعونة للمواطنين المسيحيين. وتسبّب هذا الاقتراح في غضب قيادات جميع الكنائس المصرية التي رأت فيه «محاولة لزرع الفتنة في مصر». وكيف نرى في مثل هذه الاقتراحات شيئاً مختلفاً؟ وكيف لا نرى أنها لا تهدف إلا لمحاولة نشر الفوضى في دولة فهم حكّامها منذ سنوات عديدة مدى الاستفادة التي يمكن أن تجلبها هذه الفوضى. وبالتالي، فإنّ لا مانع من ترسيخ مبدأ الكيل بمكيالين في ما يخص بناء دور العبادة، ولا مانع من منع توزيع كل أنواع المنشورات السياسية، ما عدا تلك التي تحرّض على الهجوم على بيوت يشاع أنها ستحوّل إلى كنائس، ولا مانع حتى من إرسال بعض «البلطجية» كي يقوموا بالتدمير إذا لم يستجب المواطنون العاديون. لا مانع، لأنّه لا مصلحة لحكّامنا في تهدئة هذه الأوضاع بالذات.
* صحافيّة مصرية