strong>علاء اللامي *


بمعايير الاحتراف السياسي السائدة في الدول ذات التجارب الليبرالية الوطيدة، ومن وجهة نظر اجتماسية «سوسيو ـــــ بوليتكية» بحتة، يمكن اعتبار الحزب الإسلامي العراقي الذي يقوده طارق الهاشمي، وهو الفرع العراقي القديم من حركة «الإخوان المسلمين»، يمكن اعتباره الحزب السياسي العراقي الأقرب إلى مفهوم وماهية الحزب السياسي الحديث، كما نجد مثاله في حزب العدالة والتنمية التركي «الإسلامي العلماني». هذه الخلاصة قد لا تنسجم معيارياً مع خيارات الحزب السياسية الرئيسة، ومنها الدخول مبكراً في العملية السياسية التي أطلقها المحتلون، وما زالوا يشرفون عليها بوصفها القدم السياسية المقابلة للقدم العسكرية اللتين يمشي عليهما مشروعهم الاستعماري في العراق. كما أنها قد لا تتواءم مع الكيفية التمثيلية الطائفية التي وجد الحزب نفسه فيها بفعل ما يمكن تسميته «قوة الأشياء» أكثر مما هي بفعل التخطيط المسبق.
على الرغم من هاتين الإشارتين المهمتين اللتين تطبعان بميسمهما حركة هذا الحزب وتفكيره، إلا أنه أثبت خلال سنوات قليلة من النشاط العلني، وفي ظروف الاحتلال القاسية، قدرة تكتيكية وتخطيطية لافتة، وقدّم تجربة رفيعة في الأداء والاستشراف والثبات على الخيارات أو التراجع عنها بمهارة، بصرف النظر عن موقفنا، وهو سلبي قطعاً من مضامين تلك المواقف. بمعنى أننا لا نقصد أية معاني تبريرية لاستراتيجية هذا الحزب القاضية بالمشاركة في العملية السياسية الاحتلالية وقيادة حكومة المحاصصة الطائفية والقومية القائمة عليها، التي ندينها ونرفضها جملةً وتفصيلاً، لكننا نسجل هذه الملاحظات التقويمية لتلمُّس الواقع الذي صار إليه الحزب، واستشراف آفاق المناورة السياسية الكبرى التي أقدم عليها أخيراً ضمن جبهة التوافق، التي يشكل الركن الأساسي فيها، حين وافق يوم الثلاثاء الأول من آب الجاري على تنفيذ تهديده بالانسحاب من الحكم (حكومة المالكي وهيئة رئاسة الدولة)، وآخر الأخبار أشارت إلى أن الهاشمي سيحتفظ بمنصبه نائباً لرئيس الدولة.
لقد وردت إشارات كثيرة إلى أن خيار الانسحاب لم يكن خيار الحزب بالدرجة الأولى بقدر ما هو خيار طرف آخر في الجبهة هو «مؤتمر أهل العراق». ويمكن النظر «بشيء» من التفهم إلى إشارات كهذه، باعتبار قيادة الحزب عرفت بالرصانة في الأداء السياسي والإخلاص لخيار المشاركة في العملية السياسية. لكن ليس «بكل» التفهّم! حيث إن الحزب كان قد أطلق عدة تحذيرات، وقام بعدة تحركات استهدفت منع العلاقة بشركائه السياسيين في الحكومة والعملية السياسية برمتها من الوصول إلى ما وصلت إليه، وعند هذه النقطة يمكن اعتبار خيار الانسحاب كخيار الأمر الواقع أكثر مما هو وضع جديد.
ومن الجدير بالذكر أن جبهة التوافق هي الكتلة الثالثة من حيث القوة الانتخابية في مجلس النواب ولها 44 مقعداً من أصل 275، وتتكون من ثلاثة أطراف سياسية إسلامية «سنّية». الأمر ذو الدلالة هو أن الجبهة في بيانها الذي هدّدت فيه بالانسحاب أدرجت جملة من المطالب السياسية والأمنية التي لا يوجد بينها مطلب واحد يمكن اعتباره خارج سقف العملية السياسية الاحتلالية، أو يوحي بخرق سقفها السياسي المتفق عليه، كالمطالبة مثلاً بانسحاب الاحتلال أو المطالبة بجدولة انسحابه. على العكس من ذلك، خرجت أصوات عديدة من بيت التوافق تحذّر من أي انسحاب سريع للمحتلين خوفاً من هيمنة الطرف الآخر في معادلة المحاصصة الطائفية التي أسّس لها الاحتلال.
إن المواهب القيادية للسيد طارق الهاشمي، زعيم الحزب الإسلامي، ولكونه سليل أسرة سياسية ذات باع طويل في تاريخ الدولة العراقية الحديث، ليست موضع جدال. والتضحيات الجسيمة التي تكبدها، حيث اغتيل عدد من أقاربه بينهم شقيقته وشقيقه خلال السنوات الماضية وفي ظل العملية السياسية، هي موضع احترام من لدن الكثيرين، لكنّ أموراً كهذه ليست هي التي تصنع الاستراتيجية السياسية المنسجمة والواقعية، ما دامت منطلقاتها قابعة في الحدود التي يرسمها المتاح السياسي والتاريخي، وما دام موقف هذا الحزب أو أي حزب مشابه، مهما بلغت حداثية أدائه القيادي، محكوماً بهذا المتاح.
لقد حصر الحزب نفسه في خيارات استراتيجية معنية، منها الدفاع عن مصالح كتلته الناخبة في المنطقة الشمالية الغربية ذات الأغلبية السكانية العربية السنّية، الأمر الذي جعله عرضة لضغوط شديدة من الزعماء المحليين وأهدافهم الصغيرة غالباً.
ومع أنّه من حق الحزب وواجبه السياسي أن ينشدّ إلى هذه الدرجة أو تلك إلى أهداف وتطلعات كتلته الناخبة التي منحته الثقة، ينبغي عدم نسيان استثنائية الوضع العراقي وكونه بلداً محتلاً وليس مستقلاً يعيش تجربة انتخابية طبيعية. إن كون البلد يعيش حالة احتلال أجنبي، وكون الحزب قد اختار طريق العمل السياسي السلمي لتحقيق أهدافه التي صرح بها غالباً، يعني في الحد الأدنى تقديم الشعار الوطني الاستقلالي على ما عداه.
للأسف، يلاحظ المرء أن الحزب الإسلامي، وبدرجة أكبر جبهة التوافق، باتا يصرحان علناً بأنهما يرفضان أي انسحاب سريع للمحتلّين مخافة أن ينقلب عليهما شركاؤهما في العملية السياسية. وقد سمعنا تصريحات فاقعة لأحد زعماء الجبهة «تتّهم» المالكي بمحاول إفشال العملية السياسية لدفع المحتلين إلى الانسحاب السريع من العراق لينفرد هو ومن معه بتقرير الأمور وحكم البلد. ومن الصعب في الحقيقية نفي هذه «التهمة» ذات الرائحة الطائفية القوية بسبب وجود قوى وأوساط ذات مرجعيات طائفية تفكر على هذا المنوال في الجهة المقابلة التي ينتسب إليها المالكي وأركان حكومته. إن تقدّم الشعار المحلي والطائفي على ما عداه في قائمة طلبات جبهة التوافق، تصريحاً أو تلميحاً، يعني بطريقة أو بأخرى أن الجبهة هي التي باتت تقود الحزب، لا العكس. وهذا يعني أننا وصلنا إلى مرحلة بداية النهاية، وليس ثمة أمام المعنيين في هذه التجربة إلا خياران: الأوّل هو العودة إلى الحكومة، أي القبول بالقليل المطلبي الذي ستقدّمه حكومة المالكي بضغط من المحتلّ، فهذا الأخير لا يريد التفريط بوجود ممثّلي المكوّن الطائفي العربي السنّي، لكن ليس بأي ثمن، والثاني هو انفلاش الجبهة وانفراط عقدها حيث ستؤول أجزاء منها إلى الميليشيات المسلّحة لتطيل من عمر التمرّد المسلّح بوصفه أحد تعبيرات المقاومة العراقية ضد الاحتلال، لكنّها ستعطيه طابعاً طائفياً صريحاً وليس وطنياً معارضاً للاحتلال كما يؤمل، فيما ستتسرب قوى وشخصيات إلى الكيانات السياسية الأخرى أو تنشئ كياناتها الخاصة الجديدة. خياران أحلاهما علقم، والسبب هو الافتراق عن الخيار الصحيح المنسجم مع التجربة الوطنية، خيار مناهضة الاحتلال صراحة وعملياً، ورفض حكم المحاصصة الطائفية، والدعوة إلى نظام ديموقراطي علماني في عراق مستقل وطاهر من الوجود العسكري الأجنبي.
* كاتب عراقي