تعتبر الهند من أهم الدول نمواً اقتصادياً، فهي القوة الاقتصادية الثالثة عالمياً من حيت القدرة الشرائية. يبلغ عدد سكانها نحو ١.٣ مليار نسمة ما يجعلها ثاني أكبر الدول كثافة بعد الصين، هذان البعدان الاقتصادي والديمغرافي يسمحان لها بتأثير سياسي كبير في العالم. الهند المتشبثة بحضارتها وهويتها ترفض كل أشكال الاستعمار، فتميزت سياستها الخارجية بمنهج قومي راديكالي منذ الاستقلال عام 1947.


وقد جمعها مع الدول العربية المستقلة حديثاً السعي الدائم للاستقلال ودعم السياسات والحركات المعادية للاستعمار والإمبريالية. تجلى ذلك بكل وضوح من خلال التنسيق مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في عهد الزعيم الهندي جواهر لال نهرو، وتأسيس حركة عدم الانحياز بغية مساعدة الدول المستعمرة على تحقيق استقلالها الذاتي وتقرير مصيرها واحترام سيادتها.

وجدت الهند أن دولة
عربية كبيرة هي السعودية تذهب بعيداً في دعم باكستان

هذه المبادئ المؤسسة والتقارب مع العرب، دفعا الهند الى رفض الاعتراف بإسرائيل، كما ان انديرا غاندي كانت في طليعة المعترفين بمنظمة التحرير الفلسطينية ودعمتها واعتبرتها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. لكن سياسة الهند التي تقاربت كثيراً مع العرب منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، شهدت انتكاسات متتالية منذ التسعينيات وذلك بسبب عدم إيلاء العرب الأهمية الفعلية لهذا الدول المرشحة لأن تصبح الدولة الاقتصادية الأولى في العالم، كما ان حل الجمهورية العربية المتحدة وتراجع الحركات والمنظمات القومية العربية وقيام منظمة التعاون الإسلامي عام 1969، أسباب باعدت بين الهند والعرب خصوصاً في ظل تنامي الحركات الإسلامية المتطرفة. وجاءت معاهدة كامب ديفيد ثم مؤتمر مدريد للسلام فالمعاهدات العربية الإسرائيلية لتزيل من أمام الهند كل عائق للتطبيع مع إسرائيل...
برز التناقض جلياً في السنوات اللاحقة بين الهند ذات النظام الجمهوري الديمقراطية والمبادئ الاشتراكية والعلمانية، وبين دول ثيوقراطية ترتكز إلى الشريعة الدينية والشمولية السياسية. ووجدت الهند أن دولة عربية كبيرة هي المملكة العربية السعودية تذهب بعيداً في دعم باكستان، ما شجع حركات إسلامية متطرفة على التحرك اكثر في الداخل الهندي. عزز ذلك شعور نيودلهي بأن التقارب مع إسرائيل قد يكون اكثر فائدة لها، خصوصاً في صراعها مع باكستان لا سيما وأن إسرائيل دعمتها في قضية كشمير وعقدت معها اتفاقيات عسكرية وتقنية واقتصادية استراتيجية بالغة الأهمية. ووصل الامر الى تبادل الخبرات العسكرية وتدريب مشترك لتصبح الهند اليوم أول المستهلكين للمعدات العسكرية الإسرائيلية المتطورة. ومؤخراً أبرم البلدان اتفاقاً اقتصادياً يمكن الهند من الاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية في القطاع الصناعي في مقابل أن تفتح هذه الأخيرة اسواقها المحلية للاستثمارات الإسرائيلية، حيث بلغ حجم التبادل التجاري لعام ٢٠١٢ ما يقرب من الـ ٦ بليون دولار أميركي.
بالرغم من ذلك فإن الهند التي طورت سياستها الخارجية حيال اميركا وانفتحت على محاولات التقرب الأميركي منها، نحت صوب عقلانية أكثر في إعادة العلاقات جيدة مع الدول العربية، خصوصاً بعدما شعرت ان تقارب السعودية مع باكستان قد يكون ذا اهداف إيرانية اكثر من أي شيء آخر. بدا ذلك واضحاً في خلال موقف باكستان الأخير بمساندة السعودية في اليمن. كان من نتيجة ذلك ان الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز قام بأول زيارة الى نيودلهي عام ٢٠٠٦ بعد خمسين عاماً من تجميد العلاقات بين البلدين. ارتكزت العلاقات المستجدة إلى المصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة، خصوصاً أن المملكة هي المورد النفطي الأساسي للهند إضافة إلى الحجم الكبير لليد العاملة الهندية في السعودية والخليج، وتقول الاحصائيات إن أكثر من ١.٤ مليون هندي يعملون في السعودية وحدها وأكثر من ٦ مليون في العالم العربي. يساهم هؤلاء في تدفق أكثر من ٣٥ بليون دولار سنوياً إلى الداخل الهندي. هذا الواقع دفع بالهند إلى اعادة النظر بعلاقتها مع العرب، والتروي وتخطي الكثير من العقبات رغم تعارض المصالح وابتعاد الأفكار. في الخلاصة، قادت سياسة العرب غير المسؤولة إلى ابعاد الهند ورميها في الحضن الإسرائيلي بعد ان أجبرتها هذه السياسة على التخلي عن صراعها المبدئي ضد الاستعمار وإعادة النظر بعلاقتها مع الغرب خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث حقق لها هذا التقارب الكثير من المكاسب بعد ان تحولت علاقتها مع العرب إلى خطر حقيقي يهدد أمنها القومي.
* باحثة لبنانية ــ باريس