البعض ينسى أن الحرب على اليمن ليست حملة علاقات عامة، بل هي حربٌ حقيقية لها أهدافٌ وخطة ومسار؛ وهي لا تُخاض بالكلمات والشعارات، بل عبر غاراتٍ مدمرة تدكّ المدن وتقتل الأبرياء (وهذا آخر همّ الاعلام العربي ورجالاته، الذين صارت دماء الفقراء العرب عندهم رخيصة، سواء كأدوات لخوض حروبهم أو كهدفٍ لها).

بالمعنى العسكري، وعلى العكس من الخطاب الخليجي الدعائي، الواثق والمبتهج بالحرب، يصعب أن تجد خبيراً عسكرياً يفهم ما يفعله السعوديون اليوم، أو كيف ينوون تحقيق أهدافهم المعلنة عبر غاراتهم الجوية.

في الأيام الأولى للمعركة، كانت الهجمات السعودية تتركّز على مواقع الجيش اليمني، كنوعٍ من «عقاب» للوحدات التي انحازت الى صفوف «أنصار الله» (وبخاصة سلاح الجو)، ودفعٍ لها لتعديل موقفها، وهو ما لم يحصل. الخبراء الأميركيون يقولون إنّه، على عكس مواقع الجيش الثابتة، فإن السعودية غير قادرة على ضرب تشكيلات الحوثيين ومنع تقدّمهم ومواكبة المعارك على الأرض بشكلٍ فعّال، فهم لا يملكون الوسائط الاستخبارية والتقنية (كالطيارات المسيّرة والأقمار الصناعية) لهذا النوع من الحروب.
لذلك، في ظلّ غياب القدرة على التأثير على الجيش اليمني أو وقف التقدّم الحوثي، تراوحت الأهداف السعودية بين ضرب أمورٍ كمخيم للاجئين، معامل ألبان، مصنع مشروبات غازية، جسور ومحطات طاقة؛ بينما قصفت غارة، يوم الأحد مثلاً، قرية في محافظة تعز مخلّفةً 11 شهيداً ينتمون الى أفقر الفئات في اليمن (وهم مجموعة مهمشة من أصل افريقي يُدعون محلياً بـ»الأخدام»).
الهدف السعودي المعلن للحرب – نزع سلاح الحوثيين وزرع حكمٍ موالٍ للخليج – يستحيل تنفيذه من الجو؛ ويقول تقريرٌ لـ»وول ستريت جورنال» إنّ الهدف الأكثر تواضعاً، أي اجبار الحوثيين على الانسحاب من الجنوب والعودة الى الجبال، لا يمكن أن يحصل الا عبر حربٍ طويلة تستمرّ لأكثر من سنة.
بحسب الصحيفة، يبحث الأميركيون حالياً عن مخرجٍ «مشرّفٍ» للمملكة يفضي الى وقف الحملة واطلاق محادثات سياسية من دون أن تخسر الرياض ماء الوجه. بالمناسبة، أوضح التقرير أن هذه الحرب «العربية» تُدار عبر مركز عمليات مشترك مع الأميركيين، حيث تُرسل احداثيات الأهداف ليراجعها ضباط أميركيون ويوجّهون السعوديين في كيفية ضربها. بل إن السفير السعودي في واشنطن، عادل الجبير، كان قد زوّد المخابرات الأميركية، قبل أسبوعٍ من الحرب، بلائحة من 100 هدف للموافقة عليها.
هكذا، فيما يبحث الأميركيون لحلفائهم عن مخرجٍ من ورطة، يستمرّ الحلف الخليجي بالتغنّي بحربٍ لا يعرف نهاياتها ولا يملك أدواتها؛ كأنّ ضرب الفقراء وقتلهم هو، في حدّ ذاته، فضيلة وانجاز. بعد سنوات من اليوم، سينسى الجميع الحجج والادعاءات التي قامت عليها الحرب، ولكن اليمنيين لن ينسوا قتلاهم، ولا كيف صمت النظام العربي على ظلمهم ودعم عدواناً عليهم، جاعلاً من نزوات أميرٍ «حرباً قومية».