روجيه نبعة *


انطلقت المملكة العربية السعودية في عملية بناء «استراتيجية قوّة» على جميع جبهاتها الشرقية، بشكل خجول منذ الإخفاق الأميركي في العراق، وصعود النفوذ الإيراني وحلفائه الشيعة في بلاد الرافدين، وبشكل أكثر وضوحاً، غداة الفشل الإسرائيلي في حرب تمّوز على لبنان.
لقد وصف تقرير لجنة بيكر ــ هاملتون «الكارثة» التي أدّت إليها استراتيجية جورج بوش في العراق، وأوصى الإدارة بفتح خطوط تفاوض مع «العدوّين الإقليميين»، سوريا وإيران، وطلب وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية من «المستنقع العراقي».
للمرّة الأولى فرض هذا التقرير على العقل الأميركي منذ حرب فيتنام، التفكير في احتمال الانسحاب من ساحة المعركة، لكون القوّات العسكرية المحتلّة لن تكون قادرة يوماً على السيطرة على الوضع الأمني الميداني.
أثارت هذه الخلاصات «الرعب» لدى أطراف كثيرة، لأنها تدرك تمام الإدراك بأن الانسحاب لن يخلّف وراءه سوى «الفراغ»، وهو فراغ لن تملأه سوى حرب طائفية إقليمية، من المستبعد أن تنحصر داخل العراق، من دون أن تطال دول الخليج المحيطة... وصولاً الى لبنان، باكستان وحتّى أبعد.
أدرك صنّاع القرار، وخاصّةً السعوديين، أنّ إيران الشيعية ــ الفارسية، هي المخوّلة ملء هذا الفراغ، ولا سيما أنها في طور رحلتها النووية وتصاعد قوتها. وفي الوقت عينه، يجد «سنّة» المنطقة أنفسهم متفرّقين مجرّدين من كل عناصر القوّة: قائد فذّ، مشروع أو أفق سياسي... باختصار يعاني هؤلاء كل عوارض إفلاس الخيبات التاريخية، منذ سقوط القومية العربية في مستنقعات
الحركات الوهّابية والبنلادنيّة!
تندرج الاستراتيجية السعودية النشطة لاستعادة السيطرة على الوضع العربي، ضمن السياق الذي يلي فترة ما بعد 11 أيلول 2001، التي انطبعت باحتلاليْ أفغانستان والعراق، وهما العاملان اللذان أُضيفا إلى الاحتلال الإسرائيلي، لكي يُحكَم الطوق نهائيّاً على الشرق الأوسط، فارزاً إيّاه الى قسمين، تعبّر عنهما تسميات عديدة (شرق أوسط كبير أو جديد)، لكنها تتشارك المعنى نفسه، ألا وهو رسم الصيغة الجديدة المطلوبة غربياً وأميركياً لهذا الشرق.
وفي سياق هذه التطورات، لا تنبع المحاولة السعودية لاستعادة الموقع السنّي في المنطقة من منطلق عناصر قوّتها الذاتية، بل تندرج في خانة ملء الفراغ، أكثر ممّا تهدف الى فرض هيمنة إقليمية. فالرياض تحاول الى جانب دول سنّية عديدة (أبرزها مصر، تركيا، الأردن وباكستان...)، التأسيس لجبهة سياسية، مطلوب منها أن تؤدي دور «القطب المؤثّر»، الذي يسمّيه البعض «الهلال السنّي»، والذي من شأنه التعويض عن «ضعف المملكة» والفريق السنّي الذي يعمل أقطابه بشكل متفرّد عموماً، والهدف من كلّ ذلك يبقى تنظيم الصعود الجديد للسنّة في المنطقة.
إنّ حجم الرهان المذكور هو من الضخامة بحيث سيؤثّّر نجاحه أو عدمه، في التمثيل السنّي الإقليمي من حيث قوته وفعاليته في التغيرات السياسية الجديدة التي تشهدها المنطقة. في هذا الإطار، إنّ عدم التوحّد والتقاط الأدوار وتأليف جبهة موحّدة بين تلك القوى، سيكون ضربة قاضية بالنسبة إليها.
تندرج الاستراتيجية السعودية في هذا الإطار بالذات، في محاولة إعادة التماسك السنّي. وهي مفتوحة بدورها علناً أو ضمناً، على دول سنية أخرى كما ذكرنا، على شاكلة «اتفاق» لترتيب تفاصيل تنظيم السلطة السنية في المنطقة.
هكذا، فإنّ قمّة الدول الإسلامية التي عُقِدت في إسلام آباد في 25 شباط الماضي، استعادت عبارات النداء الذي وجّهته كوندوليزا رايس الى «الدول العربية المعتدلة» في الشرق الأوسط (مصر، الأردن، والدول الخليجية)، والذي دعتهم فيه
الى تأليف «جبهة سياسية»، الأمر الذي أفسح «مجال العمل» أمام كلّ سنّة المنطقة (الشرق الأوسط والأدنى والأقصى)، لتخطّي النطاق المعروف للإدارة السنّية في العالم العربي.
وفي نهاية القمّة، قُطعت الوعود بالتأسيس لنوع كهذا من الجبهات، وهو ما حصل في مكّة لاحقاً، كتكريس أُريد منه أن يكون عملياً «للهجوم» الدبلوماسي الذي انطلق في بداية العام.
على الرغم من كل هذا التطوّر، لم يتكوّن الفريق السنّي حتّى الآن كقوّّة عمليّة تنفيذية، وبقيت فعاليته افتراضية، أكثر مما هي مرئية. فالمخاطر والتهديدات أمام تكوّنها ما زالت تعوق نموّها: إنّ تركيبة الأزمات من جهة، ومنطق المواجهة الذي
يبدو أنّ مسار الأحداث يسير فيه، لا يشيران إلى أنّ الهدف المنشود من قبل القوى السنية سيتحقّق في المستقبل المنظور.
تأتي الحركة الدبلوماسية السعودية في كلّ الاتجاهات، لتحاول التعويض عن عجز الفريق السنّي في زيادة قوته، علّ تلك المحاولات تسهم في بناء هذه الجبهة تحت «ضغط الطوارىء»، بغية شنّ هجوم مضاد تحاشياً لخطر التهميش من على طاولة أصحاب القرار «الكبار».
مهما اختلفت أشكالها، حتّى عندما تكون انفرادية، فإنّ تدخّلات المملكة السعودية تحمل دائماً مستويين: أولاً، إنها تتحرّك انطلاقاً من مبادرات خاصّة بها، ومستندة إلى قدراتها الذاتية التي ترسم حدود قوتها الحقيقية (النفطية ــ المالية، رأس المال الرمزي الذي تحمله إسلامياً وسنّياً، دور القاطرة الذي تؤديه بين الشرقين الأوسط والأدنى، دورها في منظّمة الدول الإسلامية...). وثانياً، تعمل المملكة كذلك انطلاقاً من «تمثيل» كتلة تتجاوز حدودها الخاصّة، وبالتحديد تتصرّف على أنها «حامي السنّة».
بحسب هذه النظرة، تتّسم تدخّلات المملكة خلال النزاعات الداخلية (فلسطين، لبنان، والعراق) بمستويين: الأوّل هو صدور التدخلات عن المملكة العربية السعودية، والثاني تأدية المملكة دور «حامية السنّة» في هذه الدول، وهي حماية مزدوجة، من جهة، من الفتن التي تضع السنّة في مواجهة بعضهم بعضاًً كما هي الحال في فلسطين، ومن جهة ثانية، عندما يتعلّق النزاع بفتنة خارجية، أي ما بين المذاهب الإسلامية، بين السنّة والشيعة (العراق ولبنان).
تظهر هنا الإشكالية الكبيرة، التي تُختَصَر بعدم امتلاك المملكة الوسائل الجيو ــ سياسية لتلك «الحماية» التي تحاول توفيرها، تماماً كما لا تتوافر تلك الوسائل لدى الفريق السنّي بأكمله. فالقوة العسكرية السعودية خاصةً، والسنّية عموماً، غير قادرة على «تغطية» مجموع السنّة في المنطقة.
تبعاً لما سبق أن تقدّم، يستحيل على المملكة تظهير قوتها الافتراضية إلا من خلال التفاوض السياسي ــ الدبلوماسي، بسبب العجز عن بلورتها عسكريّاً. ومن هنا تنبع الحاجة الملحّة والضرورية لأقلمة القضايا الشرق أوسطية: مفاوضات مع اللاعبين المحليين مغلَّفة بأخرى مع القوى الإقليمية. وفي سبيل تضييق الهوّة التي تفصل بين الافتراضي والمرئي، تحاول السعودية توظيف قوتها الحقيقية كمملكة، في خدمة سلطة افتراضية (الفريق السنّي) تُحكم القبضة عليها. وفي هذا السبيل، تعتمد «حكمة الضعيف»، لتكتفي بممارسة استراتيجية دفاعية أكثر ممّا هي هجومية من أجل تطويق سياسات أعدائها وخصومها. ويتم هذا من خلال اختيار ساحات نزاع مناسبة لها (وللفريق السنّي عموماً)، لكونها تجد فيها نقاط قوّة، وبالتالي استبعاد مسارح عمليات أخرى ترى فيها نقاط ضعف لا تقوى على ملئها.
كان الخيار الأوّّل هو السير في اتجاه معاكس للاستراتيجية الأميركية ــ الإسرائيلية التي تركّز على الأزمة النووية الإيرانية (بالإضافة الى كلّ التهم الموجّهة إلى طهران من «إرهاب» ومحور شرّ ودورها في إثارة النزاعات والفوضى، ودولة مارقة...). هنا اختارت المملكة أن تعتمد سياسة إقليمية تتركز على النزاع العربي ــ الاسرائيلي. وارتأت دبلوماسيتها ساحتين للعمليات: الساحة الشرق ــ أوسطية حيث أبدت رغبتها ونيّتها «أقلمة» النزاعات، ما يؤدّي تلقائياً الى جعل كل من سوريا وإيران شركاء في التفاوض، فيعني بالتالي إضعافاً للدور الأميركي كما عُبّر عنه في أروقة السلطة السعودية. ولهذه الغاية، أطلقت الرياض مفاوضات مع دمشق وطهران، عُُرِفََت بجولات بندر بن سلطان وعلي لاريجاني، تلتها قمّة (الملك) عبد الله ــ (الرئيس) نجاد.
في ما يختصّ بالساحة الفلسطينية، أطلقت خطّتها للسلام، وهي التي عُرفت في قمّة الرياض بالمبادرة العربية، وتزامن معها بشكل نشط جدّاً، عملها الدؤوب الذي انتهى إلى اتفاق مكّة بين الفصائل الفلسطينية المتنازعة.
يحقّق هذا النقل التكتيكي لمركز الصراع مكاسب مهمّة للسعودية وحلفائها السنّة من خلال تحويل وجهة الأزمة الإقليمية ــ العالمية من الساحة الإيرانية التي تنذر باحتمال اندلاع حرب حاسمة، الى الجهة الشرق ــ أوسطية للمنطقة حيث ماتت بذور احتمال الحروب (النظامية بالمعنى الجيو ــ سياسي) منذ اتفاقات أوسلو عام 1993 التي انتزعت من الحرب قيمتها الحسمية.
تكمن منابع الضعف السعودية، بالتحديد، في عجزها عن امتلاك «قدرة خوض الحروب» كمظهر رئيسي للقوّة، وهو عجز مطلوب أميركيّاً وسنّياً أيضاً! لكن ما إن باتت الحرب عنصراً غير حاسم منذ الإخفاق الاسرائيلي في عدوان الصيف
(2006)، الذي تغذّى بـ«الكارثة» الأميركية في العراق، «شنّت» الرياض ببراعة استثنائية، حملة دبلوماسية في كلّ الاتجاهات.
من ساحة نزاع إلى أخرى، بدأ الفريق السنّي يستعيد مكانه على طاولة مفاوضات السلام، الذي كان فارغاً منذ الخسارات المتلاحقة. وهو فراغ سعت وتسعى إيران لحجزه واستغلاله سياسياً وإيديولوجياً من خلال عناصر قوة عديدة:
ــ خطاب راديكالي يقوم على رفض الاعتراف بدولة إسرائيل.
ــ تحدّي الغرب عبر البرنامج النووي وعبر الترسانة العسكرية لقواها المسلّحة.
ــ استراتيجياً عبر حلفائها: حزب الله وحماس وشيعة الدول الخليجية.
ــ نفطياً وماديّاً...
إنّ إعادة طرح مبادرة السلام العربية (قمة بيروت 2002) في قمّة الرياض، هدفت الى إجراء تغيير جوهري في مصطلحات الصراع، بشكل يستعيد النزاع الأطول في المنطقة، مداه الإقليمي الذي انتزعته اتفاقات أوسلو. باختصار، سعت
هذه المبادرة الى إضفاء صفة «صراع عربي ــ إسرائيلي» مكان «صراع فلسطيني ــ إسرائيلي». أما السبب في هذه الخطوة الاستراتيجية، فتكمن وراء حقيقة أنّ اتفاقات أوسلو، وفي حصرها للنزاع بين الفلسطينيين الذين يواجهون الإسرائيليين على ساحة محلية، نزعت الطابع الرسمي النظامي عن الصراع. والدليل على ذلك هو عدم استطاعة كل من الانتفاضتين الأولى والثانية تجاوز حدود الساحة الاسرائيلية ــ الفلسطينية، ولم تُثِر أي منهما نزاعاً إقليمياً.
هدفت خطة السلام الملكية الى كسر هذا الإطار الضيّق الذي انحسرت فيه القضية الفلسطينية، وإعادة «عربنة» الصراع، لإعادة صياغته سياسياً وديبلوماسياً لا عسكريّاً، بشكل يتمكّن فيه الطرف السنّي الطاغي في المنطقة، من
اقتحام «اللعبة»، تمهيداً للمساهمة في تسويته سلمياً.
فليس سرّاً القول بأنّ مقتل الأزمة الفلسطينية بحسب النظرة الأميركية، يكون في إبقائها أسيرة دائرة الاقتتال والعنف. وهذا يفتح الباب أمام إدخال القوة العسكرية الإيرانية الى الساحة أولاً، والأهم، أنه يؤدّي الى عزل الطرف السنّي نهائياً وتهميش دوره بشكل جذري في أهم قضية بالنسبة إلى العالمين العربي والسنّي.
هل ستتمكّن المملكة السعودية من بناء قوتها (وقوة الفريق السنّي) على أسس سلطة غير موجودة؟ إذا كانت سلطة الدولة تُقاس بمدى قدرتها الجيوسياسية في تحويل المناخ العام السياسي بحسب مصالحها، يبدو نجاح المملكة والفريق الذي تتحدّث باسمه بعيد المنال. فعلى سبيل المثال، لم تنجح اتفاقات مكّة في تحويل «المناخ العام»، وبكلام آخر، لم تستطع هذه الاتفاقات الطويلة والشّاقة، حتّى إبطاء سرعة الـ«فتنة» الداخلية بين الفلسطينيين التي تحوّلت في الأيام القليلة الماضية الى حرب أهلية حقيقية خارجة عن أي سيطرة سياسية أظهرت محدودية كبيرة من خلال خمسة اتفاقات هدنة لم تصمد جميعها أكثر من ساعات.
لو سلّمنا جدلاً أن السعودية تمكّنت من طرح نفسها «حامية» لسنّة العراق، فهي في المقابل لم تستطع شيئاً من هذا في الحالة اللبنانية.
يفترض أي حلّ مزعوم لأزمات الشرق الأوسط توافقاً إقليمياً ــ عالمياً. خارج هذه المسلّمة، تتطلّب التهدئة قدرةًً سعوديةً (بما تمثّله موضوعياً بالنسبة إلى السنّة) لإعادة تركيب وإعادة صياغة هذه الصراعات في موازين قوى جديدة، وديناميات سلطات جديدة على الصعيد الإقليمي. وبما أنّ الشروط الموضوعية الضرورية غير متوافرة، تمارس الرياض استراتيجية «خاوية»، لن تستطيع إلغاء مفاعيل «النظام الإقليمي» في حلّ الصراعات أو إزكائها.
هنا لا مجال للهرب من الإجابة عن عدد من الأسئلة ــ المعضلات التي من شأنها الإضاءة على مكامن الإشكالية: كيف ينبغي على المملكة التصرّف لوضع استراتيجية قوة، وهي تفتقر إلى العناصر والشروط الرئيسية للقدرة؟ علامَ يجب أن يعتمد الفريق السنّي ليحقّق صعوداً سياسياً استراتيجياً إذا كان هذا الصعود لا يقوم إلا على عناصر قوة وسلطة يفتقر إليها هذا الطرف... وقد لا يمتلكها أبداً؟
كيف توضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ، في الوقت الذي تطرأ فيه أحدث التغيّرات على «المسألة الشرقية»، وهي تغيّرات تجعل من هذا الشرق «ورشةً» لإعادة التركيب الخاضع لوفرة من مصالح اللاعبين المتزايدين، وحيث تتصارع
الاستراتيجيات الإقليمية الأساسية، بينها الإيرانية، والثانوية (السورية)، والدولية المتمثّلة بالسياسات الأميركية؟
تبدو الصورة بالغة التعقيد، حتّى لو قرّرنا عدم الحديث عن تصارع المصالح الصغرى والكبرى للأطراف الداخلية والإقليمية والعالمية حتّى، التي تتشابك دينامياتها ومصالحها حيناً، وتتصارع حيناً آخر بعضها مع بعض. بحسب هذا السيناريو المعقّد والمتشابك العناصر، تبقى الخريطة الجيو ــ سياسية تحت خطر لامتناهٍ من الصراعات والتقلّبات في المواقع، وهو خطر ينبع أساساً من احتمالات مفتوحة من الأحداث والتطوّرات والظروف، المحلية والإقليمية والدولية.
ترجمة أرنست خوري
* كاتب لبناني