فادي بردويل *


إنّه الإرهاب. يهدّد المواطنين الآمنين. يعرّض حياتهم للخطر. يعطّل أشغالهم. يشلّ البلاد. وعلى الأجهزة المختصّة، بطبيعة الحال، مكافحة ما يهدّد الأمن الوطني. ولكن... بعد الأحاديث والرسائل المتبادلة والمؤتمرات الصحافية المشتركة عن الأخوّة اللبنانية ــ الفلسطينية، ها هو «المكبوت» يطلّ برأسه من جديد، من خلال الممارسة.
مواطن فلسطيني أُوقف على مقربة من شارع الحمراء. يسلّم القوى الأمنية وثيقته الرسمية ومن ثمّ يُضرب، يُركل، يركّع، ويُهان لمجرّد أنّه من «الضيوف» الذين نزلوا في بلاد الأرز في ربيع عام 19٤٨. مرّة أخرى، يعود المكبوت ليكشف الوجه الآخر لما كان يسمّى «مهد الحضارة» في السبعينيات من القرن العشرين. ذلك الذي مع مرور الزمن واستيراد أدبيات سياسية ما بعد إيديولوجية من الدرجة العاشرة، أصبح يُكنّى بـ«ثقافة الحياة».

***

للحرب على الإرهاب ضروراتها. إنّها حالة طوارئ. وفي الحالات المماثلة، كما يعرف اللبنانيون وسائر أشقّائهم في الأقطار العربية، قد تحصل تجاوزات للقوانين وقد تُمتهن كرامات الناس في سبيل حماية الأمن القومي. وطبعاً النصيب الأوفر من «التجاوزات» في هذه الحالة بالذات قد يصيب من يستوفي الشروط التالية أو بعضها: «فلسطيني» + «مسلم» + «ملتحٍ» + «أسمر اللون». زواج النزعة الشوفينية اللبنانية الأصيلة ضدّ الغريب/الضيف وصراع حضارات ما بعد الحرب الباردة الذي يرى في كلّ مسلم مشبوهاً حتّى إثبات العكس. ألم يُرمَ في سجون الولايات المتحدّة مئات المسلمين من دون توجيه التهم إليهم ومن دون تمكّنهم من الاتّصال بمحامي دفاع أو بأهلهم، وذلك في حرب إدارة الرئيس بوش على الإرهاب بعد ١١ أيلول ٢٠٠١؟
فحرب الولايات المتّحدة على الإرهاب لم تقتصر على شقّها الخارجيّ في غزوتيْ أفغانستان والعراق من أجل توفير سلامة الأراضي الأميركية، بل عُزّزت داخلياً من خلال المراسيم والقوانين التي وضعت لمحاربة ذلك العدوّ الجديد الذي لا وجه له. إذ إن «الإرهاب» قد يكون جاراً أو تلميذاً أو مهندساً، قد يكون ميسوراً ومنخرطاً في محيطه. باختصار، إنّه عدوّ غير تقليديّ، يعمّم الذعر والبارانويا الجماعية في الأهالي والأجهزة الأمنية.
لعلّ إحدى نتائج الحرب على الإرهاب الداخلية، كما كتب بعض المحلّلين الأميركيين، هي تضخّم الدولة الأمنية. تلك الدولة التي تبدأ باستهداف الفئات «المشبوهة» لتلتفّ بعدها على الحريّات المدنية لمجموع مواطنيها، فتقوّض باسم الأمن القومي ما بقي لهم من فسحات للتنفّس: مراقبة الاتصالات الهاتفية والإلكترونية، المعاملات المصرفية، المواد الجامعية التي ينتقيها الطالب للدراسة، البصمات الإلكترونية إلى ما هنالك من سبل مراقبة.
فيولد من رحم الديموقراطيات الليبرالية «بيغ برازر» (Big Brother) صغير. فللحرب على الإرهاب ضروراتها. إنها حالة طوارئ.
***

لبّى مواطن ومواطنة دعوة للعشاء عند صديق يسكن في إحدى الجزر الأمنية البيروتية. عند اقترابهم من بيت الصديق، ركض عنصر من قوى الأمن من ورائهم سائلاً وهو يلهث: «لوين؟»، فدلّ المواطن بإصبعه الى المبنى السكني المقابل. فبادره الدركي: «وهل ستقضون ليلتكم فوق أم لا؟».
فهل ستتمخّض «ثورة الأرز»، تلك التي بنت عزّها في مقارعة الأنظمة والأحزاب والأفكار الشمولية، عن نسخة محلية من الـ«بيغ برازر»؟
* باحث لبناني