أمين محمد حطيط*


قلّ أن شهدت ساحة وطنية في أيّ دولة من العالم ما يشهده لبنان اليوم من تناقض بين المبدأ والقانون والحق من جهة، والميدان والسلوك والتصرّف من جهة أخرى. تناقض بات للأحداث في لبنان منطق لا يجاريه منطق أو عرف في الأمن أو السياسة أو حتى في الأخلاق. ففي المبادئ العامّة، تجهد السلطة لفعل ما تقدر عليه لإنتاج وضع أمني قابل للحفظ من قبل المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية التي تشكّل بذاتها ذراع السلطة المختص بالأمن. لكن للبنان وسلطته منطق ومبدأ آخر.
لقد تسلم الفريق الحاكم اليوم مقدرات السلطة في البلاد بشكل لا مجال هنا للخوض في كيفيته وسلامته من حيث القانون والأخلاق. وكان من المنطقي أن يقدم على إرساء الأمن والنظام بشكل يمكنه من القول بنجاحه في السيطرة على البلاد، لكن السلوك جاء في اتجاه آخر. إذ بدل بذل الجهد لتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية بطبيعتها التكوينية وقدراتها الفعلية أوّلاً، ثم تعزيز القدرات المعنوية لها باتجاه كسبها لثقة المواطنين من جهة أخرى، جهدت هذه السلطة الحاكمة في تهشيم صورة تلك الأجهزة بشكل يحد من استعمال القدرات التي تمتلكها. ثم قامت بتصرفات تعوق وتعقِّد عمل الأجهزة إلى حد بات فيه الجهد المطلوب لتوفير الأمن أضعاف ما تقدر عليه الأجهزة.
ولنبدأ بالوفاق السياسي. فقد «نجحت» هذه السلطة في ضرب كلّ أسس الوفاق الوطني، إلى أن وصلت الأمور أخيراً إلى إسقاط اتفاق الطائف عملياً (وكان ذلك بفعل الفريق الحاكم الذي تجاوزه) ونعيه فعلياً ولفظاً من فريق المعارضة الذي رأى أن من العبث وهدر الوقت التمسك بجثة هامدة بعد أن انتزعت السلطة الروح منها. وفي هذه المسألة نذكِّر بأن الطائف وضع حداً لصراع دام 14 عاماً، وفتح الطريق أمام نزع سلاح الميليشيات وتوحيد المؤسسات، وفي طليعتها الجيش. ورغم أن الطائف لم يطبق بصدق يوماً، إلا أنه في الظرف الذي أُعمِل فيه، حقّق أمناً للبنان لا يمكن أن ينكره منصف. وبسقوط الطائف، تعود البلاد إلى ما كانت عليه قبله من تشرذم وتقوقع المناطق وخطر التفتيت. والأخطر فتح الطريق أمام التوطين الذي جاء الطائف بنص صريح على منعه.
وفي الأجهزة العسكرية والأمنية تغدق السلطة على الجيش الوعود، لكن التنفيذ يبقى في علم الغيب، حتى إذا اشتد الوطيس وبرزت الحاجة إلى عضلات الجيش، قامت السلطة بما يذكر بقول بني عبس لعنترة: «في الحرب يا ابن الأطايب» بعد أن تكون قد أفرطت خلال السلم في تعنيف الجيش والتقتير عليه، وهو سلوك بلغ ببعض أركان السلطة حد القول في الجيش ما لم يقله مالك في الخمر...
أما قوى الأمن الداخلي، ورغم ما يعلم اللبنانيون من واقع هذه القوى وتاريخها وإمكاناتها، فقد أساءت إليها السلطة في الوقت الذي كانت تريد أن تحسن لها. وتكمن أكبر إساءة لقوى الأمن الداخلي في التصرّف الذي زرع في ذهن المواطن عن حق أو خلافه، بأنّ هذه القوى ذراع فريق في الدولة، بينما يحلم الجميع بأن تكون ذراع الوطن وأداة الدولة لتطبيق القانون بعدل وتجرّد. إنّ هذا الأمر عقّد عمل قوى الأمن الداخلي وضاعف ما يلزمها من جهد يبذل لتحقيق المهام المطلوبة.
أمّا في المعالجات الأمنية للحوادث، فهنا تكمن الطامة الكبرى. ونتّخذ من حوادث الأسابيع الماضية مثلاً يقاس عليه، رغم إنكارنا في الأصل لمبدأ القياس إن لم يكن فيه ضمان من الخطأ، ولكن لنفعل، والأمر هنا قد لا يكون فيه الخطأ كبيراً...
لقد نفذت عملية أمنية في الشمال، إثر قول بوقوع سرقة لمصرف. وكان من البديهي أن تدرس الأمور بدقة وترتقب التداعيات والمفاعيل ويقدر المنفذ قدرته وقدرة الدولة على تحمل ردة الفعل ونتائجها. كل ذلك لم يحصل. ثم جاءت ردة الفعل كارثية على الجيش الذي وجد نفسه، من غير إنذار مسبق، في أتون النار، وكان أمام رد وحيد في البدء: الدفاع عن النفس التي غدر بها، وشهداء الجيش هنا ذهبوا ببساطة ضحية عدم التنسيق وعدم حساب النتائج.
بعد ذلك انبرى «أركان السلطة»، عبر مواقف وبيانات محضرة سلفاً، يدعون الجيش للحسم ودخول المخيم (ودخول المخيم حرباً يعني تدميره كما دمر مخيم تل الزعتر)، وهم يعلمون واقع المخيم الفلسطيني والمخيمات الأخرى المترابطة عضوياً ومشاعرياً، والكلفة الباهظة التي ستدفع بشرياً وعسكرياً وسياسياً ووطنياً جراء ذلك. لكن لم يكترثوا بالشأن، بل كانوا يريدون ذلك. لكن عندما كشفت نيّاتهم، تراجعوا تكتيكياً وألقوا العبء على قيادة الجيش بشكل «احتيالي» حسبوه ذكاء. فقد كان القرار السياسي بمثابة الأمر الذي يحتمل التفسيرين والتأويلين. فإن قام الجيش بالعملية العسكرية ووصل بها إلى المبتغى (وهذا أمر ترك من قبل الخبراء تحت علامة الاستفهام الكبيرة)، يقول الفريق الحاكم: «أنا الذي أصدرت الأمر ونجحت، وأنا جاهز لتقبل التهانئ وفعل المزيد». أمّا إذا فشل الجيش في العملية وكانت الخسائر بشتى وجوهها أكبر من أن تحتمل، تنصّل الفريق الحاكم من المسؤولية وطالب الجيش «بما فعل خلافاً للترخيص الممنوح له». لقد عملت السلطة ضد جيشها بشكل إذا نجح قطفت هي من غير شريك وطلبت من الجيش الاستعداد لتنفيذ ما كانت التزمته أمام الخارج من تجريد لسلاح ينتظر الأميركي تنفيذ أمره، وإن فشل رمت الإخفاق عليه وقالت إن جيشنا عاجز وعلينا تلزيم الأمن إلى الخارج كما لزم القضاء الجزائي. لكن الجيش نجا حتى الآن من الفخ.
لقد قام الجيش حتى الآن بكل ما يمكن القيام به في إطار احترام الخطوط والمبادئ الرئيسية التي تستوحى من الأهداف والمصالح الوطنية العليا، سواء في ذلك الاستراتيجي منها أو الأقل من ذلك شأناً.
لقد استطاع الجيش أن ينفذ عملية عسكرية ذكية وفاعلة وضاغطة، وحصر المسلحين في مخيم نهر البارد. وهو يستطيع أن يبقيهم في هذا الوضع، الوقت اللازم لإقناعهم بالاستسلام أو توفير الفرص للوسائل الأخرى، من أمنية واستخباراتية وغيرها لتحقيق هذه النتيجة. ويكون الجيش قد ضرب ضربته التي أكدت قوته وفاعليته وهيبته، وحقق النجاح الذي يكفيه للقول بأنه مالك لزمام المبادرة، وليس ضحية تقوم بردات الفعل.
إلى ذلك، نجح الجيش في إعادة الأمن إلى محيط المخيم وفتح الطرقات بشكل يحصر الأذى في الحد الأدنى من الأرض هناك، وهذا نجاح آخر.
والأهم من كل ما تقدم هو نجاح الجيش حتى الآن في عدم المس بشكل جوهري ببنية المخيم، وهذا عمل ذو طابع استراتيجي يعد في الميزان الوطني العمل الأهم. لأن تدمير المخيم مطلب أميركي إسرائيلي، والقصد منه تشتيت الفلسطينيين وإذابتهم في المجتمع المدني اللبناني تمهيداً لإقرار التوطين الذي يحمل لارسن في جيبه مسودة مشروع القرار به.
إنّ ما حققه الجيش من نجاح حتى الآن يعد هاماً وكافياً للدخول في حلبة من العمل من غير الطبيعة النارية والعسكرية. ويمكن أن يكتفى من الأمر بما تم، وأن ننطلق إلى متابعة الحل بالوسائل السياسية والأمنية والقضائية، ولتبقَ قبضة الجيش جاهزة لمساعدة المساعي والتصرفات تلك من دون أن ندفعه إلى ما لا تحمد عقباه في المخيم المحاصر أو المخيمات التي تراقب. ولنتذكر أن كل ما تجاوز حدّه انقلب إلى ضده. ولنحذر الخسارة إذا ما أفرطنا بطلب ربح قد لا يتحقق. وكم من كلمة حجبت دماً، وصمّ آذان أسال الدماء أنهاراً. وبما أن خطة دعاة الفتنة، وسعاة التوطين، وناصبي الفخاخ للجيش، قد انكشفت وبات نجاحها متعذراً، فليكتفوا بما حصل وليعودوا إلى الصواب، لأن جيشنا لن يكون مطية لهم، فهو كان وسيستمر جيشاً للوطن، ولن يكون جيش فئة مهما عظم شأنها وكان حجم دعمها الخارجي. فليعودوا لتحقيق الصلح بين المنطق والمبدأ من جهة، وبين السلوك والتصرّف من جهة أخرى... وإلا كان الندم.
* عميد ركن متقاعد