اعلان الهند عن شراء سربين من طائرات "رافال" بعدد 36 مقاتلة، مباشرة من الحكومة الفرنسية، يأتي اثر جهد عمره أكثر من عشر سنوات لاختيار وحيازة "طائرة متوسطة متعددة المهام" لسلاح الجو الهندي.

الفكرة الأساسية كانت أن تشتري الهند 126 طائرة "رافال"، منها 18 فقط مصنّعة في فرنسا وجاهزة للطيران، فيما يتمّ تجميع الباقي في الهند عبر شراكات مع مصانع محليّة. الّا أن عمليّة الاستحواذ، الشديدة البيروقراطية والتعقيد، امتدّت وطالت حتّى وجدت الهند نفسها مضطرّة لعقد صفقة جزئية من أجل البدء باستبدال أسراب الـ "ميغ-21" لديها، وهي أصبحت متقادمة وغير صالحة للخدمة.

منذ ما يقارب العقدين، تحاول الهند بناء قوة عسكرية تتناسب مع حجمها الديمغرافي والاقتصادي، وهي، بمعنى القوة التقليدية، تجاوزت المنافسة مع باكستان منذ زمن (بسبب فارق الموازنة والامكانات) وعينها على مجاراة القوة الصينية. عقدت الهند، في هذا الاطار، عدداً كبيراً من الصفقات لادخال معدات وتكنولوجيا من الصف الأول الى جيشها، خاصة مع روسيا ودول غربية واسرائيل (التي أصبحت من الموّردين الرئيسيين للتكنولوجيا العسكرية الهندية وهي حازت، بالمقياس النسبي، حصة الأسد من العقود)؛ ما جعل الهند اليوم، الى جانب الخليج، أهم أسواق السلاح في العالم.
ولكن، بينما تتوسع القوة البحرية والصاروخية للهند بشكلٍ سريع وحثيث، كان وضع سلاح الجو أكثر تعقيداً. منذ عقدٍ ونصف، تعاقدت الهند على شراء حوالي 270 طائرة "سوخوي-30"، هي من أكثر النماذج تقدماً للمقاتلة الروسية وتتفوق على أي منافس يملكه سلاح الجو الباكستاني أو الصيني اليوم. وهي تخطط لمشاركة روسيا، مستقبلاً، في انتاج طائرة الجيل الخامس: الـ "باك ــــ فا" الخفية.
غير أن تأخّر انتاج المقاتلة الهندية الوطنية، وعدم جاهزية الـ "باك ــــ فا" قبل سنوات من اليوم، خلق "ثغرة" في خطط سلاح الجو، كان من المفترض بالـ"رافال" أن تملأها. ولأنّ الهند، على عكس امارات الخليج، لا ترمي أموالها في البحر، فهي كانت مصرّة على استعمال هذه الصفقات كمدخل لبناء صناعة عسكرية وطنية ضمن سياسة "صنع في الهند".
أما الـ"رافال"، وهي قد تكون، من حيث الشكل، "أجمل" مقاتلة في العالم، فانها لم تجد أسواقاً لها منذ انطلاقها في الأجواء (باستثناء الجيش الفرنسي، زبونها الوحيد)؛ ومعمل شركة "داسو"، القادر على انتاج أكثر من ثلاثين مقاتلة في السنة، يشغّل بثلث طاقته لا أكثر. لهذا السبب، كان العقد المصري منذ أسابيع (24 طائرة) والصفقة الهندية انقاذاً فعلياً للشركة، وضماناً لاستمرار خط الانتاج.
تقول التقارير إن الهند قد تقوم بالفعل بانتاج أسرابٍ اضافية من الـ "رافال" محلياً؛ الا أن هذه الصفقة، كسابقاتها، تثبّت موقع الهند كقوّةٍ صاعدة، تبني قدراتها العسكرية بشكلٍ فريد، مازجةً التقنيات الشرقية والغربية، لتصبح، الى جانب اميركا وروسيا والصين، فاعلاً دولياً يحسب له حساب.