ورد كاسوحة *


إذا أراد المرء أن يرسم إطاراً محدداً، أو يضع معياراً معيناً لما يسميه البعض «المجتمع الدولي»، فلن يجد في أفضل الأحوال أكثر من عناوين واصطلاحات فضفاضة، لا تكاد لفرط عموميتها تعني شيئاً، أو تفضي إلى شيء.
والسمة العمومية لمفهوم «المجتمع الدولي» قد تعني في ما تعنيه انتفاء الحيز الخاص بالاشتغال السياسي «الدولتي» لمصلحة أطر ما فوق «دولتية»، أو ما فوق قومية، وهذا يعني ببساطة إقصاء السياسة بوصفها حيزاً تمارس فيه الدول سيادتها على أرضها، مع ما يرافق هذا الإقصاء من إعادة إنتاج لمعنى السياسة، وبالتالي موضعتها من جديد، بوصفها هذه المرة فضاء مفتوحاً للنفوذ الدولي المعبّر عنه خير تعبير في المؤسسات الأممية والدولية التي تم التوافق على جعلها إطاراً عاماً لإدارة الصراعات السياسية في العالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتحديداً تلك التي خصّها حلف المنتصرين في الحرب العالمية الثانية بنفوذ استثنائي، وأرادها تعبيراً حقيقياً وواقعياً عن ميزان القوى الجديد، الذي أفضت إليه تلك الحرب.
وهذه المؤسسات تتمثل بشكل أساسي في مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة بعدما تم ابتعاث هذه الأخيرة وإعادة إنتاجها لتكون نسخة منقّحة ومزيدة عن الطبعة الأولى التي رافقت ولادتها نهايات الحرب العالمية الأولى وعرفت وقتها باسم «عصبة الأمم».
ومما لا شك فيه هنا أن حقبة التوازن النسبي، التي طبعت عمل هاتين المؤسستين في فترة الحرب الباردة، قد أفضت مع انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، وتداعي منظومة الدول الاشتراكية إلى نقيضها تماماً، إذ بدأت تظهر منذ ذلك الوقت ملامح حقبة جديدة ومختلفة جذرياً، يمكن من دون كثير عناء وسمها بالحقبة الأميركية. لعل أشهر ملامح هذه الحقبة وأكثرها تداولاً هو ذاك السلوك الفظّ والانتقائي الذي اصطلح المراقبون على تسميته منطق «ازدواجية المعايير»، وهو المنطق الذي بات متعذراً معه الزعم لأي صدقية تذكر لقرارات مجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة في العقدين الأخيرين.
وإذا كان سلوك مجلس الأمن والأمم المتحدة محكوماً سابقاً بمنطق فض النزاعات بين الدول والتحكيم في ما بينها على نحو غير متحيز، فإنه بات مع تسيّد النزعة الأميركية المهيمنة في حلّ من هذه المعيارية، أي إنّه بات سلوكاً يخدم من دون لبس مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها في العالم، من دون اعتبار يذكر لمصالح الدول المتضررة حكماً من هذا السلوك، وخصوصاً تلك «العالمثالثية»، المعدمة والفقيرة وغير القادرة على انتزاع حقوقها السيادية المغتصبة منذ عقود من تحالف القوى المهيمنة. والمراقب أو المتابع لحزمة القرارات الدولية التي صدرت في العقدين الأخيرين سوف يلحظ من دون شك طابعها المنحاز وغير المتوازن طبعاً لغير مصلحة الدول المعنية بهذه القرارات، وإذا حصل وصدر قرار ينصف دولة بعينها، فإنه سيجد حتماً صعوبة بالغة في طريقة إلى التحقّق والتطبيق العملي، إما لطابعه غير الملزم، إذا كان صادراً عن الأمم المتحدة، أو لاصطدامه بحق الفيتو من طرف إحدى الدول العظمى المتضررة منه، إذا كان صادراً عن مجلس الأمن.
لعل من المفيد هنا عقد مقارنة بسيطة بين الحالتين اللبنانية والفلسطينية لتسليط الضوء على منطق «ازدواجية المعايير» الآنف الذكر، ولتبيان حال التناقض الجوهري بين نزاعين تم التحكيم فيهما على نحو يغلّب الاعتبارات الذرائعية ذات الصلة الوثيقة بـ«مبدأ» الصفقات الدولية المتنقلة هنا وهناك، إذ لم يستطع مجلس الأمن، على الرغم من الطابع الإلزامي لقراراته، أن يحمل إسرائيل على تطبيق حزمة القرارت الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، رغم مرور أكثر من عقدين على صدور هذه القرارات.
بينما في الحالة اللبنانية لم يحتج المجلس المذكور إلى أكثر من قرار واحد، هو القرار 1559
ـــــ خلال فترة زمنية لا تتجاوز العام الواحد ـــــ لإخراج الجيش السوري ومخابراته من لبنان، وإنهاء مفاعيل حقبة كاملة من الوصاية المشتركة الأميركية ـــــ السورية.
ليس من المبالغة في شيء القول إن التعامل المعياري غير المتوازن مع سوريا بخلاف إسرائيل، بوصفهما قوتين كرسّتا بالإخضاع العسكري والأمني نفوذهما على كلّ من لبنان وفلسطين، مع حفظ الفارق الجذري بينهما، لكون سوريا قوة شقيقة وصية فيما إسرائيل قوة عدوة ومحتلة. هذا التعامل مردّه أساساً إلى المصلحة الأميركية المباشرة التي ارتأت إنهاء مفاعيل الورقة السورية في لبنان بحكم طابعها البراغماتي المؤقت وغير الملزم «للأميركيين» على المدى الطويل، وذلك في مقابل الإبقاء على المفعول الرجعي للورقة الإسرائيلية في فلسطين، وهي الورقة التي تشكل، بخلاف تلك السورية استثماراً طويل الأمد للمصلحة الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، فضلاً عن الخلفية الأيديولوجية والسياسية المشتركة، التي تجعل من الحلف الأميركي ـــــ الإسرائيلي حلفاً عضوياً وقوة ضاربة ذات بعد غير مسبوق في تاريخ الأحلاف السياسية في العالم.
هذان المثالان يؤكدان أن الصيغة الراهنة للمؤسسات الدولية المنوط بها إدارة الاختلافات بين الدول باتت بحاجة إلى مراجعة جذرية تعيد الاعتبار إلى مفهوم «المجتمع الدولي» كدينامية ديموقراطية لإدارة الصراعات الدولية بما يحفظ سيادة الدول المعنية وقرارها السياسي والاقتصادي المستقل وهو الأمر الذي يعني عملياً قطع الطريق على أية محاولة لمصادرة قرار هذه المؤسسات وإخضاعها لمنطق الأمر الواقع، أي احتكار الولايات المتحدة الأميركية لمفهوم
التدويل وجعله مجرد حلقة جديدة في مسلسل هيمنتها المتوالية على القرار الدولي منذ عقدين وحتى الآن.
بات واجباً، والحال كذلك، دعوة الكثيرين في لبنان وفلسطين والعراق، وغيرها من الدول المبتلاة بالاحتلالات والوصايات المتعددة إلى الكف عن الاستعمال الشائع والمبتذل لمصطلح «المجتمع الدولي»، فضلاً عن التعويل البائس عليه، ورقةً «رابحة» في وجه ما تسميه هذه القوى:
النفوذ «التخريبي»، المتنامي والمتزايد للقوى الراديكالية والمتطرفة في المنطقة، وذلك في إحالة واضحة إلى الفصل «المدرسي» والساذج الذي أقامته الولايات المتحدة أخيراً بين معسكري «الاعتدال» و«التطرف» المزعومين.
فـ«المجتمع الدولي» الذي تراهن عليه هذه القوى لتعويم مشروعها السياسي وتثبيت ما تسميه هي «سيادتها» و«إقرارها المستقل» ما هو في حقيقة الأمر ـــــ أي «المجتمع الدولي» ـــــ إلا وصفة مثالية لتكريس منطق الوصايات المتعددة والمتنقلة، حسب ما تقتضيه مصلحة القوة المهيمنة في العالم.
وفي هذا السياق لا تعدو الحالتان، اللبنانية والفلسطينية، أن تكونا تفصيلاً بسيطاً في لوحة المتناقضات الشرق أوسطية التي دأب «المجتمع الدولي» «المتأمرك» على ترسيمها من حدود فلسطين ولبنان غرباً، إلى العراق وأفغانستان شرقاً.
* كاتب سوري