كامل فاعور *


تتخبط إسرائيل في أزمة وجودية عنيفة ومعقدة. لعل أهم وأبرز دليل على ذلك هو الفشل المتكرر للمستوى السياسي ـــ العسكري، قيادات مدنية مسؤولة وجنرالات، في إدارة «قوة الردع» في الحرب وكسبها. وكانت هذه الحقيقة في ذهن شيمون بيريز، أحد القلائل الأحياء من تلامذة «الآباء المؤسسين» للدولة الصهيونية عندما قال أثناء الحرب الأخيرة على لبنان إن هذه مسألة «حياة أو موت».
دعونا إذاً نراجع باختصار المحطات الكبرى لهذا الفشل، وما حدث، حتى أصبح الجيش الإسرائيلي، قياساً على الأسطورة التي نسجت حوله، آلة عظمى، لكنها منخورة بعناصر الضعف والترهل والفساد على المستوى المعنوي والمناقبية المهنية، ومادة للهزء والسخرية من الإسرائيليين أنفسهم.
والقصة بدأت في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973. يومها استيقظت إسرائيل من نومها على حرير الانتصارات والأمجاد، وهي مذعورة لا تصدق ما تراه. كان العرب يهاجمون على الجبهتين المصرية والسورية، يطلقون النيران ويقتحمون التحصينات ويدمرون مواقع العدو بحركة واحدة متناسقة وبسالة منقطعة النظير.
في الأيام الأولى للحرب، اجتاز الجيش المصري قناة السويس أحد أهم الموانع المائية في العالم، واخترق خط بارليف الشهير ودمره، ومن الجانب الآخر اكتسح الجيش السوري مرتفعات الجولان المحتل وقمم جبال الشيخ ووصلت طلائعه إلى حدود خط المياه عند بحيرة طبريا. وفي الحالتين عاش الجيش الإسرائيلي أياماً قاسية تفوق الوصف. فقد زعزع الهجوم المفاجئ تماسكه وكبده خسائر فادحة وشاهد صورة للجندي العربي لا تشبه الصورة التي كونها عنه واقتنع بأنها أبدية بعد سلسلة من الحروب الخاطفة التي خاضها وحسمها بسرعة، متجاهلاً الفارق الكبير في ميزان القوى وأن الجندي العربي كان يقاتل وهو في أسوأ حال ومن جميع النواحي التسليحية والتدريبية والإنسانية والسياسية.
لكن عندما توافرت لديه إرادة القتال، وحقق قدراً من التكافؤ في الميدان، تغيرت قواعد اللعبة وواجه الجيش الإسرائيلي خصماً عنيداً حشره في وضع غير مسبوق بحيث بدت الدولة وليس الجيش وحده وهي تترنح وتوشك على الانهيار لولا أن الولايات المتحدة الأميركية سارعت إلى نجدتها ورمت بكل ثقلها في الميزان لإنقاذها من الورطة التي وجدت نفسها فيها، وكان ما كان مما يعرفه القارئ ولا حاجة لاستعادته والخوض فيه الآن.
هنا يجب التذكير بأنه في أعقاب الحرب أُلِّفت لجنة للتحقيق في الكارثة التي تعرضت لها الدولة لأول مرّة، هي لجنة أغراقات. من الذي توجهت إليه أصابع الاتهام بالمسؤولية عن «التقصير» بحسب التعبير الذي استخدم يوم ذاك وعدم تدارك الموقف قبل وقوعه وإتاحة الفرصة للمصريين والسوريين للمبادأة في الهجوم وحرمان الجيش الاسرائيلي عنصر المفاجأة؟
ليس بالتأكيد رجالاً من أمثال إيهود أولمرت وعمير بيرتس، بل قيادات تاريخية ونجومية مشهود لها، ولا يمكن التشكيك في قدراتها وخبراتها وإبداعها إذا شئتم أمثال غولدا مائير رئيسة الحكومة التي قيل إنها كادت تلجأ للسلاح النووي لضرب مصر وسوريا، وموشى دايان وزير الدفاع الذي فكر بالانتحار، فضلاً عن ديفيد بن اليعازر رئيس الأركان.
وماذا كان بعد؟
لم يمض وقت طويل على هذا الزلزال حتى تطايرت الرؤوس الكبيرة الواحد تلو الآخر. وواجه حزب العمل الذي يعود إليه الفضل في إنشاء الدولة وقيادتها حتى ذاك الحين حرباً سياسية داخلية ضارية عكست نتائجها لاحقاً في انتخابات الكنيست عام 1977.
وبالفعل إن شريط التفاعلات يومذاك يكاد يكون هو نفسه الذي نراه اليوم في الجوهر، وحتى في التفاصيل. وبكلام آخر خسر حزب العمل الانتخابات وهو الذي ظل في الحكم منذ 1949 وقفز إلى الواجهة حزب الليكود بزعامة مناحيم بيغن الذي كان ديفيد بن غوريون يسخر منه ويكن له كرهاً عميقاً.
وعندما تسلّم هذا الإرهابي الموصوف الحكم لم يتأخر كثيراً، وعيّن أرييل شارون بطل ثغرة الدفرسوار في حرب 1973 وبطل الفرقة 101 التي تخصصت في القتل والإرهاب خلف الحدود وزيراً للـــــــــــــدفاع، ورفـــــــــــــائيل ايتان رئيساً للأركان. وهكذا احتلت المسرح عصابة من العتاة الذين لا تنقصهم المواهب والخبرة والإرادة، وكان في أذهان الجميع شيء واحد، هو مسح الآثار النفسية والسياسية التي تركتها حرب يوم الغفران في أذهان الإسرائيليين واستعادة الثقة بالجيش الذي تعرض لنكسة معنوية خطيرة وتلقين العرب الذين تجرأوا وهاجموا إسرائيل درساً لن ينسوه أبداً.
وبدأ العمل. في عام 1978 احتل الجيش الإسرائيلي منطقة جنوب الليطاني الحدودية في لبنان. وفي عام 1981 أعلن الكنيست قراره ضم الجولان السوري المحتل لإضعاف الرئيس حافظ الأسد وإظهاره أمام شعبه بمظهر العاجز، وخصوصاً أنه تلقى أخبار الثورة الإسلامية في إيران (1979) بارتياح، وقرر التحالف معها لتعويض غياب مصر عن دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بحكم المعاهدة التي وقعتها مع تل أبيب. وفي هذا العام دمر الطيران الحربي الإسرائيلي المفاعل النووي العراقي تموز. وكلها إجراءات ورسائل رسمت الإطار العام للمنازلة الكبرى التي راحت تعد لها الحكومة الإسرائيلية بدأب وثبات.
كان الهدف غزو لبنان الضعيف الممزق الذي أنهكته الحرب الأهلية لإحداث حركة تغييرات استراتيجية فيه وفي المجال الإقليمي الواسع وضرب عدة عصافير بحجر واحد. وعلى ذلك وضع شارون الخطة التي اتفق بشأنها مع الولايات المتحدة، دائماً الولايات المتحدة، وكانت ترمي إلى: أولاً تدمير منظمة التحرير الفلسطينية عسكرياً وسياسياً، فلا تقوم لها قائمة للاستفراد بالضفة الغربية وقطاع غزة، وضمهما للسيادة الإسرائيلية على غرار ما حدث بالنسبة إلى الجولان. ثانياً طرد القوات السورية من بيروت لتوفير الظروف الآيلة إلى تنصيب بشير الجميل قائد القوات اللبنانية الحليف لإسرائيل رئيساً للجمهورية. ثالثاً توقيع الأخير على معاهدة صلح مع إسرائيل تكون الثانية بعد مصر، وكان من المفروغ منه بعد تحقيق هذه المكاسب وهضمها دعوة الأردن للتوقيع على معاهدة الصلح الثالثة. أما سوريا فتصبح معزولة تماماً، ويجري التعامل معها بالترغيب والترهيب إلى أن تستسلم للأمر الواقع وينتهي الأمر.
على خلفية ما تقدم، دارت جنازير الدبابات في صيف 1982. وفي غضون أيام قليلة على بدء العمليات كانت القوات الإسرائيلية تحاصر أول عاصمة عربية وتمعن فيها دكاً وتدميراً. ثم خرج عرفات وآلاف المقاتلين الفلسطينيين من بيروت بالبواخر إلى المنافي، وخرجت القوات السورية منها أيضاً، وانتخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية. وكما نرى فإن جميع الأهداف التي اشتغل عليها شارون منذ اللحظة التي تسلم فيها وزارة الدفاع وأقنع بها بيغن الذي ما كان إلا ليقتنع نظراً للسمعة الهائلة التي كان يتمتع بها وزير الدفاع أصبحت في متناول اليد، ولم يبق سوى الاحتفال بالنصر الذي كان الإسرائيليون يتابعون وقائعه بابتهاج شديد ويترقبون بفارغ الصبر عودة البطل إلى أورشليم القدس ورؤوس الأعداء على أسنة الرماح لتتوجه ملكاً على «بيت إسرائيل».
لكن مهلاً... فالقصة لم تنته ولم تكن على هذا النحو من البساطة. فجأة اغتيل بشير الجميل وفقد شارون ورقة ثمينة كانت بيده. ومع أنه بادر فوراً واحتل بيروت الغربية وضاحيتها الجنوبية لاحتواء الموقف لئلا يخرج عن السيطرة، وأشرف بنفسه على تنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا بحق الفلسطينيين العزل الأبرياء، فإن ما كتب كان قد كتب ووقع شارون في الفخ الذي نصبه لأعدائه.
في تلك اللحظة الدراماتيكية البالغة السخونة والدقة والحرج دوت أولى رصاصات المقاومة في بيروت وتلاحقت العمليات على إيقاع صراخ قوات الاحتلال وهي تقول بمكبرات الصوت: يا أهل بيروت لا تطلقوا النار على جيش الدفاع الإسرائيلي لأنه سينسحب. وبالفعل انسحب من بيروت واشتعلت نيران المقاومة أكثر فأكثر، وهي قصة طويلة وحافلة تعاقبت فصولاً منذ جبهة المقاومة الوطنية وحركة أمل إلى المقاومة الإسلامية (حزب الله) التي كتبت أكثر صفحاتها إشراقاً وإثارة ودحرت قوات الاحتلال وأجبرتها على الفرار من جنوب لبنان في آيار (مايو عام 2000) دون قيد أو شرط. ومرة أخرى على خلفية الفشل الذريع للحملة على لبنان، شكلت لجنة للتحقيق بالفضيحة الاستراتيجية هي «لجنة كاهانا». وبوسعكم التخمين ماذا كانت النتيجة. لقد وجهت الاتهام مباشرة إلى أحد أبرز الجنرالات في تاريخ الدولة وهو بالطبع شارون الذي استقال من وزارة الدفاع ومثله فعل رفائيل ايتان، أما بيغن فقد اعتزل السياسة ولازم بيته ممتنعاً عن استقبال أيٍّ كان من السياسيين والتحدث معه ثم مات من الكآبة وهو يردد: خدعني شارون!
كانت هذه التفاصيل ضرورية للقول بأن اليد الطويلة للجيش الإسرائيلي والقدرة على الردع وفرض المعادلات السياسية على الأرض... هذه كلها لم تعد فعالة، وكفت منذ زمن بعيد عن أن تكون في مستوى الآمال المعلقة عليها. وقد رأينا بوضوح كيف أنه في كل مرة يذهب الجيش للحرب وهو في ذروة الاعتزاز بالنصر المحتوم، بسلاحه الأكثر تطوراً وقادته (قارنوا 1973 و1982) وأهدافه والدعم الممنوح له، ثم يعود إلى «البيت» منفوخ الرأس من الضربات، ينزف وذيله بين فخذيه كالكلب الأجرب.
في الآونة الأخيرة وضعت لجنة فينوغراد وهي الثالثة في غضون أربعة عقود (تصوروا) تقريرها عمّا يسمى إخفاقات الجيش في الحرب الثانية على لبنان. حسناً... ما الجديد فيه؟ لا شيء سوى أن حزب الله هو الذي كسر أنفه مرتين: مرة في حرب التحرير ومرة في حرب تموز ـــ آب الماضيين. وهل هي إخفاقات فعلاً؟ وبالتالي سوء تقدير وتدبير وتخطيط وافتقار إلى الرجال المبدعين على ما يقال ويشاع أيضاً؟ كلا. القضية أقدم من ذلك، كما رأينا، وأسوأ، لكن الجميع لا يريدون أن يصدقوا وأن نصدق نحن خصوصاً أن الجيش الإسرائيلي فقد امتيازه في الميدان كقوة ردع لا تقهر، ومني بهزيمة نكراء مدوية، وإن هذا «العجل الذهبي» المدلل الذي يرعاه «المجتمع الدولي» كله للبطش بالعرب وتكسير عظامهم لم يعد صالحاً للنطح كثيراً والقيام بالوظيفة التي صنع لأجلها.
لماذا؟ لأن المشهد كله تغير ويتغير منذ أربعة عقود في المنطقة وفي إسرائيل أيضاً. وكي لا أطيل على القارئ لن أتحدث عن إيران القوة الإقليمية الصاعدة أو عن الانتفاضة الفلسطينية المتقطعة، ولكن المستمرة منذ نحو عشرين سنة، ولا عن المقاومة في العراق التي أوقعت الإمبراطورية الأميركية في مأزق بحيث تبدو اليوم بحسب ما قال زبغنيو بريجنسكي في الواقع الذي كانت عليه الإمبراطورية البريطانية بعد حرب السويس عام 1956، أي إمبراطورية، لكن على طريق الزوال.
إن ما أريد قوله هو أن المواطن العربي تغير، واستيقظ في عمق وجدان الأمة عهد جديد لا يراه الغافلون والمغفلون على السطح، لأن الدخان الذي تصنعه المطابخ الإعلامية والسياسية كثيف جداً ويحجبه عن أعيننا، لكنه رغم ذلك يضيق الخناق أكثر فأكثر على العهد الموروث من حقبة الاستعمار المباشر والحروب الخاطفة برجالها وتداعياتها التي كرّست في الأذهان «ثقافة الهزيمة» التي يطيب لبعض اللبنانيين تسميتها «ثقافة الحياة».
ومن عجينة هذا العهد الجديد ولحمه ودمه ولدت المقاومة في لبنان، بل تخطت بتضحياتها وإبداعها حقاً النمط التقليدي للمقاتل العربي، وبرهنت بالملموس أثناء الحرب الأخيرة على لبنان أن ذلك «العجل الذهبي» لم يعد حراً في التعدي على أملاك الآخرين ساعة يشاء والتهام العشب، وفوق ذلك العبث بالمزروعات وتكسير عظام الناطور.
لا... هذا انتهى الآن، وقد رأينا في الحرب الثانية على لبنان رجالاً أشداء أعدوا عدتها بالقليل القليل مما يملكون بالمقارنة طبعاً مع العدو الذي يملك كل شيء إلا الروح القتالية.
هنا أصل للقول إن إسرائيل تغيرت أيضاً، لكن باتجاه مختلف. وما نراه هو أن روحها باتت مليئة بالثقوب وقلبها ينبض بالرعب من الغد والمستقبل، وعقلها تنخره الشكوك والأسئلة التي لا جواب عنها.
وبكلام آخر، إن العناصر التكوينية للدولة، وهي الأرض والأمن (قوة الردع) والنقاء العنصري والنزوع إلى التوسيع والسيطرة على المجال الإقليمي بقوة العصا الغليظة... هذه كلها تتهاوى تباعاً. خذوا مثلاً مسألة «أرض إسرائيل» من النهر إلى البحر، أي مجنون يمكنه التفكير بعد في هذه المسألة بعد الانسحاب من سيناء وغزة وجنوب لبنان، وغداً بالتأكيد طال الوقت أو قصر من الضفة الغربية والجولان؟ ومن المفارقات التي يجب التوقف عندها، هي أن جميع اليهود في العالم يعيشون الأمن والاستقرار إلا اليهود في إسرائيل.
وزاد الطين بلة التراجع المستمر في مفهوم استقلالية الدولة وتحولها من حليف استراتيجي للولايات المتحدة والغرب عموماً وقادرة على اتخاذ قرارها بنفسها، إلى مجرد وكيل أعمال «وقبضاي» إرهابي وقاتل أو إذا شئتم إلى «جمهورية موز» مع فارق أنها عنصرية ومدججة بالسلاح الأكثر تطوراً.
وأقرب دليل على ذلك الحرب الأخيرة على لبنان بمقدماتها ونتائجها وتداعياتها. وليس دون مغزى الضغوط التي مارستها واشنطن لإطالة أمدها بهدف تدمير حزب الله رغم إدراك الجميع أن الأيام العشرة الأولى منها كانت كافية لاستخلاص النتيجة والقول إن الخطة الموضوعية فشلت.
وها هو إيهود أولمرت في قفص الاتهام، وقد حاصرته الفضائح ومرّغ القاضي فينوغراد سمعته بالوحل وفقد التأييد الشعبي بصورة غير مسبوقة، ومع ذلك لا يجرؤ على الاستقالة لأن واشنطن ترفض هذا الخيار لاعتبارات تتعلق بمصالحها الإقليمية، ولا تأبه للأكثرية الساحقة من الإسرائيليين الذين يطالبونه بالرحيل.
وإذا أضفنا أخيراً أن الجيش الإسرائيلي هو في الواقع جيش شعبي وقوته الضاربة الاحتياط من الطلاب والعمال والموظفين وغيرهم الذين لا يعيشون في جزيرة معزولة، فالتطور الاقتصادي للبورجوازية اليهودية لم يلبث حتى ألقى بذيوله ومضاعفاته في كل الاتجاهات وعلى مستوى الوعاء الذي تتفاعل فيه العناصر التكوينية للدولة وتضطرب. والإشارة هنا إلى الفساد والركض وراء الأضواء بالنسبة إلى طبقة الجنرالات والنزوع وراء الفرص والمنافع الشخصية وأحياناً الصفقات. وهذا كله أدى إلى تراخي الحوافز العاطفية والمناقبية والمهنية التي تصنع الجندي. وليس عجباً افتقاره إلى الروح المعنوية والاستعداد للتضحية. وبالنتيجة لم يعد بوسعه الانتصار، وخصوصاً أن الميدان ليس ساحة خالية له، بل هناك من ينتظره للمبارزة ولو باللحم العاري وتدفيعه الثمن.
* كاتب لبناني