حسن المصطفى *


أنهى المؤتمر القومي العربي دورته الثامنة عشرة في العاصمة البحرينية المنامة، مسدلاً الستار على شجارات، وانقسامات، وتباين في الأفكار بين الأعضاء، دون المقدرة على صياغة خطاب موحد، يكون معبراً عن الحدود الدنيا المتفق عليها بين تشكيلاته وقواه الفاعلة.
التعدد، الاختلاف، سمات ديموقراطية أصيلة. لكنها أتت في المؤتمر دلائل على وصول الخطاب القومي لأفق مسدود، ووقوعه في فخاخ الطائفية، وغياب الوعي المؤدي لرؤية باصرة.
لك أن تتساءل، ما الذي يجمع عزمي بشارة بحارث الضاري، أو محمد الــــــــدوري وسليم الحص، أو سميرة رجب جنباً إلى جنب مع أسامة حمدان؟! هل هـــــــــــو التــــــعدد ذاته الذي يجمع اليسار مع التـــكنوقراط، والإسلاميين بالليبراليين تحت قــــــــــــــــــبة برلمان منتخب؟ بالتأكيد لا، وإلا فما شاهدنا كل هذا الخطاب الطائفي المتشنج يصدر عن أناس يصفون بـ«التقدميين»، ويدعون «العلمانية»، ويتغنون بـ«الحرية»، فيما مفرداتها مفخخة بالاستحواذ، والتمذهب، وتبجيل الطاغية.
في الوقـــــــــت الذي يطالب فيه أحدهم بتوجيه تحية مباشرة إلى «المقاومة وسيدها» السيد حسن نصر الله، يطــــــــــــالب فيــــــــــــها بعده مباشرة أحدهم بتوجيه تحية مشابهة إلى المقاومة العراقية وسيدها «الشهيد القائد الرئيس صدام حسين». يعلو التصفــــــــــــيق احتفاء بنصر الله، ويعلو التصفيق احتفاء بصدام، وكأن الرجلين وجهان لعملة واحدة، في مفارقة عجائبية صنعها الكره الأعمى لأمريكا.
غياب المشروع النهضوي العربي، وعدم قدرة المؤتمرين على اجتراح أطر وأساليب لحل مشكلات الشعوب العربية مع أنظمتها، دفعهم إلى الهروب إلى الأمام، واتخاذ إسرائيل وأميركا شماعة لتعليق الأخطاء والخيبات، والتشبث بـ«المقاومة» طوق نجاة وحيد.
المقاومة تحضر في أدبيات المتحاورين عبارة لا معنى محدداً لها. كلفظ فضفاض لك أن تلبسه لأي عمل مسلح، ما دامت البندقية تصدح بصوتها في وجه «أعداء الأمة». وبدورهم هؤلاء الأعداء لا وصف لملامحهم وصفاتهم، فهم أجمع في سلة واحدة، تضم الأميركان والإسرائيليين وعملاءهم. ليصبح بذلك المفهوم واسعاً، تدخل فيه من تشاء من باب العمالة المتسع سعة السماء.
الانقسام الشيعي ـــ السني الحاد في العراق وجواره، حضر بقوة في النقاش، لا للبحث عن حلول، بل كرة نار يقذفها كل واحد باتجاه الآخر. والصراع العربي ـــ المجوسي المفتعل، استحضره مداخلون بديلاً من الصراع العربي ـــ الإسرائيلي، لتصبح طهران هي العدو، لا تل أبيب.
الغائب الأكبر كان «الإنسان العربي»، ذاك الذي سرقته الأنظمة، ومعها مدَّعو الدفاع عنه. فلا انتهاكات لحقوق الإنسان، وتزوير الانتخابات، وتأخر الإصلاحات، وغياب الإعلام الحر، وتدني مستوى الأجور، والبطالة، وحرية التعبير وسواها من القضايا اليومية المعيشة، التي تؤثر على الحياة اليومية للفرد العربي. كل هذا النقاش لم يأت إلا عرضاً، ولم يعط حقه من الجدل الفاعل والحقيقي.
كل ذلك لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة طبيعية لغياب دور المثقف العربي، واكتفائه بالشعاراتية الرخيصة. شعاراتية لا تستحضر إلا الشتيمة والهجاء دون أن تمارس فعل تغيير، ولا تعمل على تجديد خطابها، أو نقد ذاتها، أو مساءلة تجربتها، أو التواصل مع العلوم الحديثة والمثاقفة معها، مكتفية بنفسها، معتقدة أنها قادرة بحنجرة صادحة ترفع الصوت عالياً بـ«الموت لإسرائيل» أن تحرر القدس، أو تطرد أمريكا من العراق.
فاقد الشيء لا يعطيه. والقوميون العرب طالما بقوا رهينة الخطابات الجماهيرية، والجري خلف لافتات «المقاومة» المخطوفة من الأصوليين والإرهابيين، سيتحولون إلى جلادين، وسيعززون الخطاب المتطرف والتكفيري. ساعتها، لن تفرق بين الزرقاوي وغيفارا.
* كاتب من السعودية