شكّلت الحرب التي يشنها النظام الحاكم في السعودية على الجمهورية اليمنية بغطاء من بعض الانظمة العربية والاقليمية ودعم ومباركة أميركية مثاراً لسجالات ونقاشات في العديد من الاوساط العربية والقومية والاسلامية. فهناك من وقف ضد الحرب من البداية، وهناك من وقف الى جانبها وأوجد لها المبررات، وهناك من ارتبك واحتار في موقفه فوجد نفسه في الوسط لا مع الحرب ولا هو ضدها. وهذا ما يدفع الى ضرورة تشخيص ما يحصل لتحديد المصلحة الوطنية والقومية للأمة العربية وقواها التحررية، أين يجب أن تكون؟


من المعروف أن التحالف السعودي قد سارع الى حشد جملة من المبررات لشن الحرب ابرزها أن حركة أنصار الله نفذت انقلاباً ضد الحكم الشرعي برئاسة رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي، وأن ميثاق جامعة الدول العربية يسمح بالتدخل لوضع حد للانقلاب وإعادة هادي إلى الحكم، وأن الانقلاب جرى بإيعاز من الجمهورية الاسلامية الإيرانية، وأن اليمن بات خاضعاً للاحتلال الإيراني، وبالتالي فإن الأمن القومي العربي أصبح مهدداً، وبالتالي فإن الحرب هدفها إنقاذ اليمن من التفتيت والغرق في حرب مذهبية.
أولاً: إن أي متابع لما يجري في اليمن لا بد له من أن يلاحظ أن هناك ازمة اقتصادية واجتماعية ووطنية تفجرت في الشارع منذ سنوات عديدة سابقة على اندلاع ما سمي بالربيع العربي، وأن هذه الازمة ناتجة من سياسات النظام اليمني الذي تسبب بازدياد حدة التفاوت الاجتماعي وتهميش القطاعات الانتاجية وتحويل اليمن الى بلد تابع اقتصادياً وسياسياً وأمنياً يدور في فلك التبعية للولايات المتحدة الأميركية والنظام السعودي، وبسبب تعنت النظام ورفضه الاستجابة لمطالب المعارضة الواسعة في البلاد لإحداث تغيير في هذه السياسات اندلعت الثورة ضد النظام. ولهذا فإن ما حصل ليس انقلاباً بل هو ثورة شعبية ضد حكم تابع للنظام السعودي والدول الغربية الاستعمارية، وأن الرئيس هادي فقد شرعيته الدستورية، والشعبية، وما يؤكد ذلك أن الثورة التي قادتها حركة أنصار الله، جاءت تحت عناوين اقتصادية واجتماعية تطالب بالتنمية والعدالة الاجتماعية، واسقاط «الجرعة» المتمثلة برفع الأسعار من قبل الحكومة، وجاءت الثورة بعدما وصلت الأمور إلى مرحلة التهميش والإقصاء لقوى المعارضة الشعبية الأساسية ممثلة بأنصار الله، والحراك الجنوبي، ومحاولة الأنظمة الخليجية تعويم النظام القديم برئاسة هادي وتثبيت اقدامه، ورفض تنفيذ مخرجات الحوار الوطني لإعادة تكوين السلطة على أسس من الشراكة الحقيقية.


إن ميثاق جامعة الدول العربية لا يبيح التدخل في شؤون أي بلد عربي

وعندما رفض هادي التجاوب مع هذا الطرح، غادر صنعاء إلى عدن وأعلن من هناك، وبدعم سعودي، عودته عن الاستقالة وعن الحكومة اليمنية الموقتة، ما شكل تهديداً حقيقياً يقود إما إلى تقسيم اليمن، أو دفع البلاد إلى أتون حرب أهلية، ولهذا سارعت قوى الثورة بقيادة أنصار الله واللجان الثورية والجيش اليمني الذي انحاز بمعظمه إلى جانبهم إلى احباط هذا المخطط السعودي عبر الحسم الثوري، وتحرير المحافظات الجنوبية في غضون أيام معدودة، وهروب هادي إلى السعودية، بعدما تبين حجم التأييد الشعبي الذي تحظى به قوى الثورة، ولهذا فإن العدوان على اليمن جاء بعد انهيار النظام التابع للرياض، وسيطرة قوى الثورة على البلاد.
ثانياً: من هنا إن ما حصل في اليمن إنما هو ثورة شعبية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وهذه الثورة تتجسد بوضوح في مشاركة ملايين اليمنيين في التظاهرات المؤيدة لأهداف الثورة، الرافضة والمنددة بالعدوان. وبالتالي فإن توصيف ذلك بأنه انقلاب جرى بإيعاز إيراني ما هو إلا خداع وتضليل للرأي العام، تماماً كما هو الادعاء بوجود إيراني عسكري أو سياسي في اليمن. ولو كان مثل هذا الوجود فعلي، فإنه يصعب إخفاؤه، ولهذا فإن هذه الحجة للتدخل تحت عنوان تحرير اليمن من الهيمنة الإيرانية حجة غير صحيحة، وتهدف إلى تعمية الرأي العام وإحداث استقطاب مذهبي لمحاربة الثورة اليمنية وإجهاضها وإعادة إخضاع اليمن للنظام السعودي. ثالثاً: أما ذريعة أن هناك خطراً داهماً على الأمن القومي، مصدره سعي إيران إلى السيطرة على باب المندب، فإنها ذريعة واهية لمنع الثورة اليمنية من النجاح في بناء نظام وطني مستقل قادر على استغلال ثروات اليمن وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية بعيداً عن الهيمنة السعودية الأميركية. فهل يعقل أن تكون ثورة الشعب العربي في اليمن التي تنشد التحرر من التبعية والفقر والحرمان، هي التي تهدد الأمن القومي العربي، أو إيران التي تناصر قضايا العرب العادلة، ومقاومتهم ضد الاحتلال الصهيوني؟
إن من يهدد الأمن القومي العربي فعلياً، ومنذ عقود طويلة، هو العدو الصهيوني الذي يستبيح يومياً حقوق العرب ومقدساتهم في فلسطين المحتلة، وكذلك الإرهاب التكفيري الوجه الآخر للصهيونية، والاستعمار الأميركي المباشر، وغير المباشر للعديد من الأقطار العربية، والمعبر عنه بوجود القواعد العسكرية في السعودية وقطر والكويت وغيرها، والتي تتولى حماية الأنظمة التابعة، واستمرار الشركات الأميركية في القيام بعملية نهب ثروات الأمة النفطية وغير النفطية، وحماية أمن كيان العدو الصهيوني.
من هنا، فإن الأنظمة العربية لم تتفق هذه المرة لحماية الأمن القومي العربي كما تزعم، وإنما لحماية أمنها هي ولخدمة المصالح الأميركية عبر العمل على محاولة إحياء النظام اليمني القديم التابع لها، وهي لأجل ذلك لا تتوانى عن إثارة النعرات المذهبية للتفريق بين أبناء الشعب العربي في اليمن والعمل على تدمير بناه التحتية، وارتكاب المجازر ضد اليمنيين بهدف إجهاض ثورتهم التحررية على غرار ما فعله النظام السعودي في أوائل الستينيات من القرن الماضي عندما أرسل المال والسلاح لقتال الثورة اليمنية بقيادة عبد السلال، والجيش العربي المصري الذي أرسله الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لنصرة الثورة، وقد حارب النظام السعودي الثورة بالتنسيق مع كيان العدو الصهيوني والدول الغربية الاستعمارية وفي الطليعة بريطانيا التي كانت يومها لا تزال تحتل جنوب اليمن.
رابعاً: إن ميثاق جامعة الدول العربية لا يبيح التدخل في شؤون أي بلد عربي، فالمادة الثامنة من الميثاق تنصّ بوضوح على حظر ومنع التدخل في الشأن الداخلي لأي دولة عربية، لا سيما أن النظام السعودي يتدخل لنصرة طرف يمني ضد طرف يمني آخر. أما بخصوص معاهدة الدفاع العربي المشترك فهي لمواجهة أي عدوان خارجي على أي بلد عربي على غرار العدوان المستمر على ارض فلسطين والغزو الأميركي للعراق عام 2003. لهذا فإن العدوان يفتقد إلى أي مبرر شرعي قانوني، إلى جانب افتقاده أيضاً إلى المشروعية الشعبية. انطلاقا مما تقدم، إن العدوان على اليمن لا يستهدف فقط القضاء على الثورة اليمنية التحررية، وإنما يستهدف من خلال ذلك أيضاً قوى المقاومة والتحرر في هذه الأمة، فالحلف الاميركي ـ السعودي، المدعوم من بقية الأنظمة التابعة، يسعى إلى إدامة الهيمنة الاستعمارية ومنع الأمة العربية من التحرر والتوحد وتسخير قدراتها وثرواتها لتحقيق ازدهارها وتقدمها وتحررها من التخلف والفقر والحرمان، وبالتالي إبقاء هيمنة هذا الحلف على مضيق باب المندب ممر إمدادات النفط والسفن التجارية العالمية من الخليج إلى العالم، ولهذا فإن قوى المقاومة والتحرر العربية مدعوة لنصرة ودعم الثورة اليمنية لأن انتصارها هو انتصار لها، ولكل منظومة المقاومة والتحرر العربية. وبهذا المعنى ليس هناك من مبرر لأحد الوقوف متفرجاً محايداً في الموقف من هذه الحرب الجائرة، وبالتالي يجب أن تسمى الامور بمسمياتها وعدم مراعاة أي موقف أي نظام شارك في حلف الحرب ضد اليمن لا سيما النظام في مصر الذي كنا ننتظر منه العمل على استعادة الدور القومي لمصر الداعم لقوى المقاومة وحركات التحرر العربية كما كان ايام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وليس الوقوف الى جانب الانظمة التابعة للغرب ضد ثورة شعبنا العربي في اليمن التي تنشد التحرر ونصرة فلسطين ومقاومتها. فشتان بين موقف عبد الناصر الداعم لثورة اليمن في أوائل الستينيات من القرن الماضي، وبين موقف عبد الفتاح السيسي المؤيد للحرب ضد ثورة اليمن في عام 2015. واذا كان السيسي قد اقدم على ذلك تحت مبرر الحاجة الى الدعم المالي ومحاربة الاخوان المسلمين فإن هذا المبرر ساقط لأن عبد الناصر واجه مثل هذه الأوضاع بعد ثورة تموز عام 1952 برفض الخضوع لأي شروط أميركية أو سعودية والاتجاه الى بناء اقتصاد وطني انتاجي مستقل غير تابع أو مرتهن، والاستناد الى تحالفات عربية ودولية تدعم هذا النهج الوطني التحرري.
* كاتب لبناني