نجيب نصر الله *


يطرح استحكام الأزمة وتعذر «الحلول» قولاً مختلفاً. المسؤولية في تظهيره تقع بالدرجة الأولى على عاتق الفريق «الأكثري»، وأحرفه الأولى تبدأ من ضرورة «التواضع» والاعتراف بأولوية الأسباب الداخلية في مُفاقمة الاشتباك الحاد القائم.
المواقف الأخيرة التي أعقبت خطاب السيد حسن نصر الله لم تضف جديداً لافتاً. اللافت الوحيد أنها تفضح بعض ما كان كامناً، أو تشير ــــــ وهنا الخطورة ــــــ إلى الوجهة المرسومة. فالمضمون الفعلي للردود ينطوي على ملامسة رغبة الشطب المادي والفيزيائي، من بعد تعذر الشطب السياسي أو العسكري. وقد بيّن الواقع لامعقولية هذه الأفكار، بل واستحالة تحقيقها.
وإذ يسجل للمُعارضة تأكيدها شبه اليومي على أولوية الأسباب الداخلية في النزاع القائم، فإن الطرف المقابل يمضي في تجاهلها، مستعيناً بخطاب، بات مكرَّراً، ينسب الأزمة المستفحلة إلى الأيدي الخارجية حصراً. بل وصل به الأمر إلى التنصل غير الأخلاقي من كل ارتكابات الماضي الذي تلا وقف الحرب الأهلية وألصقها بشريكه السوري.
الحاجة إلى الاعتراف الأكثري بوزن الأسباب الداخلية تُمليه أسباب كثيرة، من بينها أن الفكرة الأساسية التي تُمسك بخطاب هذه «الأكثرية» تقفز فوق الأسباب الداخلية، وتقف عند لازمة القول بتخوينية، أو أبلسة، تقطع مع السياسة، تصور الفريق السياسي المعارض مُجرد دُمية لا حول لها، في الأيدي السورية، أو اللجوء إلى ما هو أخطر، عبر سلخ بُعد الهوية السياسية عن هذا الفريق واختصاره ببُعد الهوية الطائفية أو المذهبية لأفراده.
فكان «السؤال الشيعي» الذي هو اختراع «أكثري»، ولا علاقة له بأصل أو طبيعة الصراع المحتدم، والمتركز على موقع البلد من الهجمة الأميركية الاستعمارية. وقد بينت حرب تموز هذه الحقيقة بأسطع ما يكون.
نفي «السؤال الشيعي»، أو نزعه من الصراع، لا يعني أبداً نفي الحقيقة اللبنانية القائمة شكلاً وجوهراً على اجتماع طوائف، بل هو تأكيد لها. فالمشكلة القائمة في البلد اليوم لا علاقة لها أبداً ببنية «حزب الله» الشيعية، بل هي محصورة في خيارات هذا الحزب السياسية، وموقعه المتقدم في المعركة ضد الهجمة التي تستهدف المنطقة، ولبنان جزء عضوي منها.
وبسبب من هذا الدور، تعمد «الأكثرية» أيضاً، في محاولات نفيها للأسباب الداخلية المتأتية عن النظرة إلى المواقع والأدوار، إلى إغفال حقيقة الاجتماع اللبناني الطائفي، والقول بما يؤسس، للتشكيك بالمحتوى السياسي الوطني لطائفة الحزب، وهي طائفة كبرى وأساسية، في نسيج البلد. أو في أقل الأحوال تصويرها خارجة على الاجتماع اللبناني الواهي، ما يستوجب بالتالي مُحاربتها. فلدى هذه الأكثرية ثابتة لا تقبل النقاش، تقول بأن التدخل الذي يمارسه النظام السوري هو السبب الوحيد في ما يعانيه البلد من أزمات.
قد يكون ثمة ظل من الصحة في هذه النظرة، وقد لا يكون. لكن العيب الأكيد الذي يلابسها هو الخلط المتعمد الذي تعتمده بين الحقيقة السياسية التي تقول بوجود مصالح متداخلة بين أي بلدين متجاورين. بمعنى آخر، لا يُمكن أي بلد مجاور أو مُلاصق للآخر، أن ينعم بالأمن السياسي أو الاجتماعي إن لم يأخذ في اعتباره المشهد السياسي في البلد الآخر، وبالتالي فإن التأثر والتأثير متبادلان.
غير أن العيب الثاني، وهو الأكبر الذي يشوب هذه النظرة ويجعلها فاقدة للمعنى وللصدقية، هو أن القول بالأسباب الخارجية سبباً وحيداً للصراع اللبناني المحتدم، يستبطن الإصرار على شطب رأي أكثر من نصف اللبنانيين، واعتبار ما ينطقون به من آراء أو مواقف مجرد رجع صدى للصوت الخارجي. وفي هذا القول تعسف لا يقبله العقل ولا المنطق، وخصوصاً أن موقع هذه الشريحة السياسية أو الطائفية المتهمة من أسئلة المنطقة، لا يقل وطنية عن غيرها، إن لم يضاهها.
لنسلم بوجود انقسام يخترق كامل البنية السياسية اللبنانية، ولنسلم أيضاً بأن هذا الانقسام ليس جديداً، وهو يتصل بالدور والوظيفة وبطبيعة النظام وهويته الاجتماعية. إن البدء من هذه النقطة الواضحة يمكنه أن يُساعد في تحسين مستوى الصراع وشروطه. بمعنى آخر لنعترف بحقنا في الاختلاف السياسي المشروط بعدم تجاوز الثوابت الوطنية لجهة تحديد الأعداء الحقيقيين، وتمييزهم عن الخصوم.
لبنان الراهن هو ــــــ إذا شئنا بعض المجازفة ــــــ إقطاعات ودويلات طائفية غير معلنة، وإن كانت مسورة. وما يمنع إعلانها ليس بقية من حس وطني أبداً. ما يمنع الإعلان الرسمي عنها هو تعذر تسويقها واستحالة ديمومتها.
من هنا، من الضروري أن تكف «الأكثرية» عن ادعاءات «الدولتية»، أو الوطنية، فهذه «الأكثرية» في حقيقتها ليست أكثر من ائتلاف مؤقت لطوائف تلهث هي الأخرى خلف مصالح قادتها، وهم حصراً من أصحاب الثروات الطائلة.
يدخل لبنان طوراً جديداً من الأزمة. رفض «الحوار» يفتح على دورة تصعيد لا مفر منها، وخصوصاً أن الرهانات التي تمليه لم تتغير.
* كاتب لبناني