محمد خواجه *


في 28 آذار 2007، الموعد الأول لمثول الجنرال غابي أشكنازي، رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية الجديد، أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست. يومها قدّم تقريراً بانورامياً، رسم فيه الخط البياني لشبكة الأعداء، وقدراتهم، والإجراءات المطلوبة لكبحهم. ووصّف حالة اللااستقرار الإقليمي الناجمة ــ حسب رأيه ــ عن المخاطر المحدقة بالدولة العبرية، بدءاً من «الانتحاريين» الفلسطينيين الذين يهددون استقرار الجبهة الداخلية، وصولاً الى الصواريخ البالستية الإيرانية التي تشكل تهديداً استراتيجياً، من دون أن ينسى البرنامج النووي الإيراني، وما يشكله من تهديد «وجودي» لإسرائيل. واعتبر أن حزب الله مشغول بشكل أساسي في بناء قدراته التسليحية، لاسترجاع ما كان يمتلكه قبل الحرب.
أما بخصوص سوريا فيؤكد أن «جيشها يسير في اتجاه تطوير جاهزيته»، وتحديث ترسانته في مجال الصواريخ المضادة للدبابات، وصواريخ أرض ــ أرض ووسائل الدفاع الجوي، مع إقراره بالطابع الدفاعي للجهود السورية. وأفرد أشكنازي مساحةً واسعة من تقريره لوضع الجيش الداخلي. فشخّص الأسباب المعوّقة لأدائه، والإجراءات الواجب اتخاذها، مستفيداً من خبرته في الحروب البرية كضابط ميداني، إذ سبق أن قاتل على الجبهة المصرية خلال حرب أكتوبر 1973، وأصيب بجروح في اجتياح لبنان 1978 (عملية الليطاني) عندما كان قائد كتيبة في لواء غولاني، وشارك في حرب لبنان الأولى (1982) مساعداً لقائد اللواء المذكور.
على الرغم من أن أشكنازي يعتبر نتيجة حرب لبنان ضبابية ــ إذ لم يُعرف المنتصر أو المهزوم ــ إلا أنه عملياً يسعى لفك عقدة حرب لبنان الثانية، ونفض غبار الهزيمة عن الجيش الإسرائيلي، لاستعادة ثقته بنفسه، وجهوزيته القتالية.
يمكن استقراء «نظرية» رئيس الأركان الجديد، من خلال تصريحاته المقتضبة، ونقاشاته الداخلية مع أركانه، فضلاً عن تقريره الأخير. وهي النظرية التي على أساسها سيقود الجيش الإسرائيلي في السنوات الأربع المقبلة، وتقوم على الركائز الآتية:
1 ــ أكد أشكنازي أمام ضباط سلك القيادة العليا، على ضرورة تفعيل نظام «الضبط والربط» داخل الجيش، الذي يقوم على الجهوزية الدائمة، والانصياع، وإبعاده عن وسائل الإعلام. وقد نجح في فرض هيبته في اجتماعات هيئة الأركان، والمراتب العليا، التي سادها جو من الصرامة العسكرية، بعدما تحولت تلك الاجتماعات الى «كرنفال»، في ظل قيادة الجنرال دان حالوتس، حيث كان يتم تبادل الشتائم والانتقادات اللاذعة.
2 ــ تخفيف الاعتماد المفرط على سلاح الجو، وتدعيم الذراع البري في الجيش الإسرائيلي، الذي عانى في السنوات الأخيرة تدنّياً في مستواه، ما انعكس سلباً على أدائه القتالي في الحرب الأخيرة.
3 ــ تدريب الوحدات العسكرية، ورفع مستوى التنسيق، وتعزيز نظام التعاون بينها، بعدما دلّت حرب تموز على خلل في هذه الأنظمة. ومنذ مطلع السنة الحالية تتناقل الصحف الإسرائيلية، أخباراً عن عمليات تدريب مكثّفة، تخضع لها القوات النظامية، بعدما تبين ترهّلها وتراجع مستواها القتالي. وألمح أشكنازي في تقريره الأخير الى إمكانية زيادة مدة الخدمة العسكرية للاحتياطيين لتتعدى الثلاث سنوات المعمول بها، بهدف سد فراغ الجنود النظاميين خلال تدريباتهم. وتطرق الى قضية إشكالية، حيث أشار الى ضرورة خدمة المتديّنين في الجيش.
في هذا السياق، تندرج المناورات الواسعة التي جرت في هضبة الجولان، وكذلك التدريبات التي شهدتها الجبهة الداخلية أخيراً، لمواجهة حرب غير تقليدية. وشملت 133 مدينة ومستوطنة. وكان المحلل الإسرائيلي ألون بن دافيد قد قال إن المهمة الأولى عند أشكنازي، هي تحسين جهوزية الجيش الإسرائيلي، استعداداً للحرب المقبلة.
4 ــ تعهّد أشكنازي «بالحسم السريع» في الحروب المقبلة، بالعودة الى لبّ الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، المرتكزة على الحرب الخاطفة، خلال تطرّقه إلى تقويم حرب لبنان الثانية، حين نجحت المقاومة في تحويلها الى منازلة طويلة ومفتوحة.
5 ــ الى جانب الاستعدادات الميدانية، تركّز القيادة الجديدة على تطوير برامج الصواريخ الاعتراضية، لإدراكها أن الأعداء يرتكزون في استراتيجياتهم على اقتناء الصواريخ المنحنية (أرض ــ أرض) ذات المدى المختلف، التي ستشكل محور الحروب المقبلة.
كان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «عاموس يادلين» قد أفاد في تقرير استخباري قدّمه الى الحكومة الإسرائيلية بأن: «سوريا وإيران وحزب الله لا يستعدون لحرب يبادرون إليها، بل يجرون استعدادات دفاعية لاحتمال نشوب حرب في الصيف المقبل، تبادر إليها الولايات المتحدة ضد إيران».
تزامن تقرير يادلين مع تصريح لرئيس هيئة الأركان الإيراني الجنرال حسن فيروز آبادي قال فيه «إن الصهاينة يعتزمون تنفيذ خطة انتحارية هذا الصيف»، ويرسم آبادي سيناريو الهجوم المحتمل الذي يبدأ من لبنان وسوريا ويمتد الى الأردن ومصر والسعودية.
طغى على تقرير أشكنازي الأخير الجدية والحزم، والكثير من الاعتداد بالذات، بقصد شدّ عصب المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي من جهة، ومن جهة أخرى توجيه رسالة قوية لأعداء إسرائيل، مفادها ان ما جرى في حرب تموز من هفوات وأخطاء لن يتكرر مطلقاً. وقد حصر أسباب الفشل في الحرب، بأسلوب إدارة الصراع، والإفراط في استخدام سلاح الجو، والتقصير في إعداد الوحدات العسكرية للحرب، ونقص التدريب، وضعف التنسيق، وإهمال صيانة المعدات و... إن هذه العوامل وغيرها ساهمت في صناعة الفشل الإسرائيلي، إلا أن السبب الأهم الذي تجاهله الجنرال أشكنازي، ومعه العديد من الخبراء والمحللين الإسرائيليين، هو أن إسرائيل واجهت قوة عسكرية من طراز جديد، تتميز بالكفاءة القتالية، والإرادة الصلبة، والعقيدة الإيمانية، وتمتلك السلاح المناسب، وتستخدم أساليب قتال غير تقليدية (حرب العصابات)، ما أربك الجيش الحديث وعطّل الكثير من قدراته التكنولوجية، وفرض عليه منازلة لا تتناسب مع أسلوب قتاله واستراتيجيته العسكرية. لقد اعتاد الجيش الإسرائيلي مواجهة جيوش دونه قدرة، وكفاءة، وتسليحاً، وتقاتل بأسلوب تقليدي، ما يجعل الغلبة ساعتئذٍ للطرف الأكثر تطوراً.
وتغاضى الجنرال المتمرس ــ في تحليله أسباب الهزيمة ــ عن الصدوع المجتمعية التي شهدها الكيان الإسرائيلي في العقدين الأخيرين. إذ لم يعد قلعة إسبارطية كما حلم بها «دايفيد بن غوريون». فإسرائيل اليوم تعاني أمراضاً بنيوية، كأي دولة حديثة، حيث تنجذب شرائح واسعة من مواطنيها الى الحياة الرغيدة والسهلة. ويستغل بعض قادتها مراكز نفوذه لجمع الثروات. ألم يبادر رئيس الأركان حالوتس الى بيع أسهمه في البورصة صبيحة يوم 12 تموز؟ ما يدل على الفارق الكبير بين جيل البناة من الصهاينة الأوائل الذين قدموا من أصقاع العالم الى فلسطين لتحقيق «الحلم التوراتي»، وبين الأجيال التي ولدت في الكيان الجديد. وكان الجنرال أمنون شاحاك ــ رئيس الأركان الأسبق ــ قد عزا الفشل في الحرب الأخيرة، الى خلل بنيوي يعتري مفاصل الدولة العبرية.
تكرر مصطلح «الحروب المقبلة» في تقرير أشكنازي، الذي بالغ في الاعتداد بالنفس، حين جزم بأن النصر سيكون الى جانبه، ما يطرح السؤال التالي: هل يعدّ الإسرائيليون لحرب مقبلة على لبنان وربما سوريا؟ أم سينتظرون الوجهة التي سينحوها الصراع الأميركي الإيراني؟ في ظل الأنباء والتحليلات التي تتنبّأ بضربة عسكرية أميركية لطهران في الصيف المقبل؟ تتزايد المخاوف من أن يعمد الجيش الإسرائيلي إلى افتعال حرب جديدة على لبنان، بهدف الانتقام وترميم هيبته الردعية، أو أن يبادر إلى مهاجمة سوريا، لقطع الطريق على سعيها لامتلاك قدرات دفاعية متطورة، مع تزايد تقارير أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي تفيد بأن الجيش السوري بحاجة الى ثلاث سنوات لاستيعاب الأسلحة الجديدة. لذا ما المانع من قيام القوات الإسرائيلية بعمل عسكري استباقي ضد الجيش السوري؟
إن التدريبات والمناورات المكثّفة التي يخضع لها الجيش الإسرائيلي، (في إطار تنفيذه «نظرية» رئيس الأركان العسكرية الجديد)، تجعلنا نتسائل: هل ينتظرنا صيف ساخن على غرار صيف 2006؟ أم الحريق، هذه المرة، أشد لهباً وأكثر اتساعاً؟
* باحث في الشؤون العسكرية