يشكّل قتل الشيخ نمر النمر في السجون السعودية مفاجأة للجميع تقريباً، والحقيقة هي أنه يأتي في السياق السعودي الطبيعي. التعثر الذي تعاني منه سياساتها وعملياتها في بؤر الصراع في المنطقة، وفشلها في الالتفاف على مؤتمري فيينا ونيويورك، والضربات المعنوية الموجعة التي تلقاها «التحالف العسكري الإسلامي»، كل ذلك يشير إلى حال التخبط والفوضى التي تمر بها المملكة، من دون رغبة في إنجاز تسويات، بسبب رفضها تقديم تنازلات، خشية إثارة التيار السلفي التكفيري ضد نظامها، ولعدم قدرتها على فرض الشروط، فضلاً عن الشكوك في قدرة قيادتها على الإدارة.
الرياض باتت متيّقنة من أن تسعير الصراع السني ــ الشيعي وتوسيعه كفيل بإعادتها إلى مركز قيادة العالم السني. فكان توقيت اغتيال، الرمز الشيعي، الشيخ النمر مثالياً بالنسبة لها، بعد أيام من مقتل «الرمز السني» زهران علوش، فتظهر «مملكة الحزم» قيادة قادرة على رد الاعتبار، وتبدو، بعد حربها على اليمن، أكثر «حزماً وإقداماً». وهي ترمي إلى استدراج رد شيعي انفعالي، يرفع منسوب الاستقطاب المذهبي، ويوسع دائرة التعاطف معها، ما يمكنها من رفع سقف شروطها. كان قتل الشيخ النمر قراراً سياسياً تصعيدياً، هدفه إدخال المملكة مساراً جديداً يحميها من حالة الفوضى في المنطقة، من خلال تدعيم تحالفات ملتبسة تواظب على تشكيلها، لتزخيم وجودها في الساحة باندفاعة أقوى.

العناد السعودي واختراع
الأحلاف جزء من مخطط ما زال
مطلوباً استمراره

في سياق سعيها لفرض نظامها قائداً للعالمين العربي والإسلامي، سعت لإنشاء «الحلف العسكري الإسلامي» بعدما فشل العرب والمسلمون في هذا المسعى خلال العقود الماضية. لكن الحلف السعودي انفرط عقده لحظة الإعلان عنه، بسبب افتقاده الجدية اللازمة، وهي انتكاسة قد تساهم في تآكل ما تبقى من رصيدها و«مصداقيتها». معظم الدول الخليجية لم يبدِ استعداداً للمشاركة في مغامرة جديدة. في الدائرة العربية بدا الإعلان بلا معنى، والدول المدرجة على لائحته إما نأت بنفسها أو تحفظت، لعدم وضوح تفاصيل هذا التحالف. الدول الإسلامية الكبرى، نفت مشاركتها فيه. كل ذلك يشير، ليس فقط، إلى هشاشة هذا التحالف، بل إلى عمق مأزق النظام السعودي، والتداعيات الخطيرة لدوره في أزمات المنطقة، وإلى شكوك في مستقبله.
حاولت الرياض عبر التحالف تظهير مشهد مذهبي: أغلبية «سنية» (34 دولة) بقيادة الرياض، في مقابل أقلية «شيعية» (4 دول وحزب). لكن أبرز دوافع الإعلان عنه، كان دخول روسيا الحرب في سوريا الذي كشف التهديد الأخطر للسعودية، وهو تراجع الولايات المتحدة عن استعدادها القيام بنفسها، بحماية حلفائها وضمان استقرار دولهم. وامتناع واشنطن عن أي مبادرة لطمأنة حليفتها، إزاء تفاقم الصراع وتشعبه، وما يشكل من تهديد وجودي للمملكة، التي تواجه صعوبات في اجتراح حلول لأزمات مستعصية تهدد استقرارها. التدخل الروسي قلَّص، بشكل كبير، الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة أمام الرياض، التي أرادت للتحالف الجديد، أن يكون رداً على الانتقادات الغربية لتقاعسها في مواجهة الإرهاب والتطرف. وأرادته امتداداً لقوات التحالف في اليمن، للتغطية على فشله. فالحرب هناك بلا أفق، وتحولت إلى عامل انقسام بين أجنحة العائلة المالكة، يهدد بتصدع الجبهة الداخلية.
تراءى للرياض استغلال فشل التحالف الدولي في مواجهة «داعش»، لإقامة توازن مع الحلف الروسي الإيراني. ولأنه من الصعب رؤية السعودية في مواجهةً جدية ضد «داعش» والجماعات المسلحة، يصبح هدف التحالف تحجيم الدور الإيراني، وخنق حزب الله، وإسقاط النظام السوري. لكن يصعب الحديث عن سياسة سعودية أكثر «حزماً» في المنطقة، فغرقها في المستنقع اليمني، وما سببه من أزمات اقتصادية واجتماعية، يمنعها من فتح أي جبهة عسكرية جديدة.
حجم تورط السعودية كبير وممتد، وهي تسعى إلى تقصير مدة حربها في اليمن، لتحصين الجبهة الداخلية وترميم التصدعات. وتحاول عبر ابتداع الأحلاف، إبقاء الأزمة خارج أراضيها، فتواصل محاولةً استخدام الآخرين في خوض معاركها في اليمن، كما في العراق وسوريا، التي شكلت، ساحات نُفِسَت عبرها احتقانات التطرف في المملكة. وهي تحاول تسويق هذا التحالف لمنع أي حلول سياسية، يمكن أن تفضي إلى انفجارٍ، لقنبلة التكفير داخل السعودية، لا قدرة للنظام ولا لحلفائه على احتوائه.
تسود الرياض حال من الاضطراب، تعكس تضارب التقديرات والمصالح بين الممسكين بزمام السلطة. لكنهم يتمسكون بمشاريعهم، على رغم انتكاسها. فالعناد السعودي، واختراع الأحلاف جزء من مخطط ما زال مطلوباً استمراره، والتمسك بأمل نجاحه، في الرياض، وفي عواصم إقليمية ودولية، تسعى لتوسيع نفوذها بتفكيك دول المنطقة إعادة تركيبها وتقسيمها.
ليس للسعودية حلفاء ثابتون في اليمن، يمكن الركون إليهم. وتراجعت، بشكل حاد، قدرتها على التأثير في العراق، سياسياً وأمنياً. ولا تملك في لبنان، سوى إثارة العواصف الإعلامية والسجالات السياسية، ما لم تقرر عواصم كبرى أمراً آخر. أما في سوريا، فقد أربك اختلال ميزان القوة الرياض وحلفاءها، وفشلت حتى الآن في تعديله باستخدام الجماعات المسلحة. وهي تخشى تفاقم الصراع الذي بدأ يمتد ليحرق دولاً أخرى، بينها السعودية نفسها، وما لجوؤها إلى قرع طبول الحرب، إلا لتعزيز مكانة النظام، وحماية مصالح حلفائه في الداخل، وضبط حركة الشارع، وتعزيز سيطرتها على التيار المتطرف، ببطولات وأبطال وهميين.
لا ضوء في نفق الخطوات والمبادرات السعودية، فأي تقدم، لأي حراك سياسي، سيظل محكوماً بالتطورات الميدانية، التي لا يظهر ما يشير إلى قرب اختلال موازينها، الأمر الذي يحد من قدرة السعودية على الصمود في وجه التحولات السياسية والميدانية، الواسعة والعميقة، التي تعيشها المنطقة. الرياض تسعى إلى خلط الأوراق مجدداً، بانتظار متغيرات في سوريا، وربما فخ «أفغاني» جديد لروسيا، ووصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض. فشل الرياض، الغارقة في اللعبة الأميركية في المنطقة، في تجاوز التحديات الخطيرة والمعقدة التي تواجهها، سيعني تنامياً لحضور وقوة الجماعات المتطرفة وتهديداتها داخل السعودية، قد ينتهي بتفكك النظام وسقوطه.
* صحافي لبناني