زياد حافظ *


النظام الطائفي في لبنان كأي نظام فئوي في الوطن العربي هو نظام شمولي بامتياز حيث تغيب صفة المواطنة لتحلّ مكانها صفة الرعية. فالفرد في النظام الطائفي مغيّب دوره لمصلحة الطائفة ولمصلحة زعيم الطائفة وعشيرته. وحقه في التعبير مكبوت بحجة ثقافة عقدة الخوف أو عقدة الغبن أو عقدة الإحباط. فلا يجوز للفرد أن يعبّر عن رأيه إلاّ بمقدار ما يتلاءم خطابه مع مصلحة الزعيم. وبالتالي يصبح النظام الطائفي معطّلاً للديموقراطية إن لم نقل مناهضاً لها. من هنا يمكن وصف النظام اللبناني المنبثق من اتفاق «الطائف» بأنه نظام غير ديموقراطي. والبدعة المبتكرة، أي نظام التوافق الديموقراطي، ليس إلاّ وهماً لاستمرار عهد وصاية الزعيم الطائفي ونفي بناء الدولة الحديثة. وحتى ضمن نظام توزيع السلطات والمنافع بين الطوائف والمذاهب، هناك مشكلة «التمييز» بين الطوائف والمذاهب ما يخلق «تراتبية» في الأهمية المعطاة لمختلف الطوائف. فهــــــــناك بالفعل «ابن الست وابن الجارية» تحت السقف الواحد، وذلك غير مقبول تحت أي مقياس أكان وطنياً أم إنسانياً أم أخلاقياً. فهل اقتتل اللبنانيون طوال 30 سنة للوصول إلى تلك النتيجة الهزيلة والمهينة لإنسانية اللبنانيين؟
هذه القوى الطائفية ما زالت حتى الساعة تتحكم بمصير اللبنانيين. وإذا كانت موازين القوى في الماضي القريب والبعيد تفرض نوعاً من المحاصصة في توزيع مغانم السلطة، إلا أن قراءة بعض القياديين المتمثلين في «الأكثرية» المتسلطة للواقع السياسي القائم يقودها إلى تجاهل العرف الذي تحكّم بسلوك القيادات الطائفية السياسية حتى الماضي القريب. وبالتالي تتجاهل حتى أبسط مرتكزات نظام الطائف الذي من أجله عُدّل الدستور. لست في إطار الدفاع عن نظام الطائف فهو يمثل كل ما كنا في الحركة الوطنية نعارضه بالنسبة إلى الإصلاح السياسي. ولكن موازين القوة الإقليمية قبل الحرب الأولى على العراق أطاحت طموحات التغيير وأتت بتركيبة سياسية لمصلحة تحالف أمراء المال والحرب، وللأسف بتغطية وموافقة ومشاركة القيادات النافذة لما تبقى من الحركة الوطنية اللبنانية آنذاك. وإذا كانت هناك شعارات أو عناوين داخل اتفاق الطائف تقضي ببعض الإصلاحات السياسية كإلغاء الطائفية، فسرعان ما تبددت تلك الآمال عندما استتبّ الأمر لتحالف أمراء المال والحرب، بل حتى يمكن التكلم عن انقلاب على الطائف كما أشار إليه ألبير منصور في مؤلفه حول الموضوع. فكيف يمكن أن تلغى الطائفية السياسية من قبل من هم مدينون بوجودهم السياسي للتركيبة الطائفية؟ وبالتالي كان نظام الطائف وفقاً لمعادلة إقليمية ودولية عشية حرب الخليج الأولى، قد ألغى الحياة السياسية لمدة خمس عشرة سنة، إلى أن أتى الانقلاب السياسي بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. الانقلاب السياسي حصل بعد الانتخابات النيابية أو بسببها. فـ«الأكثرية» البرلمانية الجديدة لما قامت لولا التحالف الرباعي، وخاصة في المناطق التي كان فيها الناخب الأول هو جمهور حزب الله وحركة أمل، وكان في مطلق الأحوال اتفاق الخداع المتبادل. الانقضاض على التحالف أتى تدريجاً وتزامن مع الانقلاب داخل مجلس الوزراء حيث استُميل بعض الوزراء المحسوبين على الرئيس لحود إلى الحركة «الآذارية». فالخلل الجديد في المعادلة السياسية الداخلية أتاح الفرصة للانقلاب السياسي الذي ما زلنا نعيش تداعياته حتى الآن.
كل مؤسسات الدولة معطلة ولا ينفع تبادل التهم بالمسؤولية عن ذلك التعطيل. في مطلق الأحوال هناك تجاهل كامل لمعاناة المواطن اللبناني وليس هناك من مشروع مستقبلي يمكن التمسك به لتبرير وتمكين الصمود خلال الأزمة الراهنة. فلا الأكثرية مكترثة لشؤون المواطن ولا المعارضة معنية بإعطاء الخيارات البديلة. الأكثرية مكتفية بمشروع باريس 3 ومقرراته المبهمة، بينما المعارضة ساكتة عن تصوّرها لمستقبل لبنان. خلال الحرب الأهلية اللبنانية أقدمت القوى والأحزاب الوطنية عبر الحركة الوطنية على صياغة برنامج سياسي مرحلي للإصلاح السياسي. أما اليوم فيعيش اللبنانيون أزمة لا تقل خطورة عن تلك التي كانت سائدة عام 1975، ولكن المعارضة ما زالت عاجزة عن تقديم تصوّر مستقبلي يعطي بعض الأمل للبنانيين. فهل هناك من يسمع؟
المطلوب من قوى المعارضة في هذه المرحلة شيئان: أولاً، المحافظة على السلم الأهلي، ويسجل للمعارضة صبرها على التحديات والاستفزازات التي تلقيها بعض رموز الأكثرية في وجهها لجرّها إلى اقتتال داخلي. أما المطلب الثاني فهو الحفاظ على سلاح المقاومة الذي يتجاوز منبته الحزبي والمذهبي ليصل إلى يقينه الوطني والقومي، ما دام اللبنانيون لم يتفقوا على خطة دفاعية في مواجهة اعتداءات العدو الصهيوني. وهذه المرحلة قد تطول بسبب التدخل الخارجي في الملفات اللبنانية، وبالتالي على قوى المعارضة أن تفكر جدياً في مشروع مستقبلي تعرضه على اللبنانيين لبعث الأمل في هذا الوطن. فالهجرة المتزايدة للشباب والعقول قد تفقدنا أهم ثروة في لبنان.
إن مقومات الحفاظ على السلام الأهلي والحفاظ على المقاومة تكمن في تكريس الوحدة الوطنية أولاً. هذه الوحدة لن تتحقق إن لم تُحسم نهائياً قضية الهوية والانتماء القومي والوطني. والمقصود هنا عروبة لبنان من خلال التزامه قضايا الأمة التي تحددها الشعوب أولاً وأخيراً لا الحكومات، والانتماء إلى وطن لا إلى طائفة. هذا يعني من دون مواربة القضاء على كل مظاهر الطائفية. إن ما أتى به اتفاق الطائف من تحديد هوية لبنان بداية في الطريق الصحيح، ولكن أصبحت مبتورة بسبب تبنّي النظام القائم في لبنان وفي المنطقة العربية مفهوم السلام واستراتيجية السلام، خلافاً لرغبة الشعوب المتمسكة بالحق والعدل ومناهضة الظلم. إن استراتيجية النظام العربي هي عبر المفاوضة لا عبر إيجاد وقائع على الأرض تجبر العدو وحلفاءه على الإقرار بالحق العربي كما يريده العرب لا كما يريده الغير. إذاً قضية الهوية هي المدخل إلى الوحدة الوطنية والتفكير الجدي في إلغاء النظام الطائفي وبناء نظام ديموقراطي حقيقي يحفظ حقوق المواطن والوطن. أما الطوائف فلن يحميها إلا السلم الأهلي في ظل دولة القانون والوحدة الوطنية والمحافظة على الوطن والمواطن. آن الأوان أن يتجاوز اللبنانيون النظام الطائفي الذي لم يحمِ في يوم من الأيام الطوائف وأفرادها. تاريخ لبنان المعاصر مليء بالمغامرات «غير المحسوبة» للقيادات الطائفية التي أدت إلى اقتتال بين اللبنانيين لمصلحة الزعامات الإقطاعية الطائفية. آن الأوان أن ينتقل اللبنانيون من ثقافة القرن التاسع عشر إلى ثقافة القرن الواحد والعشرين. القضية ليست في النفوس، كما كان يردد بعض الزعماء، بل هي موجودة في غياب النصوص المؤسسة لنظام جديد والمغيّبة عمداً لمصلحة الطائفيين.
وإلغاء النظام الطائفي يترافق مع إصلاح اقتصادي واجتماعي. هناك ضرورة لتغييرات جذرية في البنية الاقتصادية المبنية على تقاسم الريع الناتج من قطاع الخدمات ومن الامتيازات الممنوحة من أرباب النظام على الأنصار والموالين. هناك من يدافع عن قطاع الخدمات ويعتبر أن القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة لا جدوى منها في إنتاج الثروة، وأن الدور التاريخي للبنان كان وما زال في قطاع الخدمات. هذه الرؤية غير دقيقة وتشوّه دور قطاع الخدمات. فذلك القطاع يُعرف أيضاً بالقطاع الثالث، أي بعد القطاع الأول وهو القطاع الزراعي والقطاع الثاني وهو القطاع الصناعي. وبالتالي نشأ أصلاً لخدمة القطاعين الأولين، ولكن مع الوقت أوجد لنفسه دينامية خاصة به تجاوزت المهمة الأصلية التي من أجلها وُجد. لست في إطار إعادة تكوين مفهوم دور قطاع الخدمات، ولكن ما أريد أن أشير إليه هو أن القدرة التنافسية لذلك القطاع في لبنان منوطة بإمكانية إيجاد قيمة مضافة لكل النشاطات الأخرى، أي إن قطاع الخدمات الذي يطمح إلى أن يستعيد دوره الريادي في المنطقة لا بد له من أن يتطوّر ويُدخل التكنولوجيا المتطورة ويبدع عبر إيجاد خدمات جديدة يقودها ويمكّن القطاعات الأخرى من التقدم والتطوّر. إن واقع الأمر هو أن قطاع الخدمات في لبنان كما في سائر الدول العربية، وخاصة في تلك الدول التي تتمتع بفوائض مالية بسبب ارتفاع أسعار النفط هو قطاع لتدوير تلك الفوائض الريعية لا لخدمة قطاعات منتجة. فالاتكال على قطاع النفط في الجزيرة العربية وفي الخليج أوجد ثقافة مناهضة للمجهود المنتج ما دام ممكناً استيراد ما هو مطلوب من دون تحمّل مشقة الجهد المنتج. هذا شأن الدول العربية النفطية، أما لبنان فعليه أن يفكّر منذ الآن في حقبة ما بعد النفط سواء نضب النفط أو اكتُشفت مصادر بديلة. في مطلق الأحوال وفي الحالة السائدة فإن قطاع الخدمات في لبنان محكوم بتكثيف الاستثمار في التقنيات وتأهيل العاملين بها وابتداع الخدمات الجديدة إذا ما أراد أن يستعيد ويحافظ على مكانته الريادية.
إن بناء القطاعات الإنتاجية وتطويرها وتوزيعها بشكل عقلاني بين المناطق اللبنانية بغية إيجاد نمو وتنمية متوازنين، هي مطالب اقتصادية وسياسية واجتماعية في آن واحد. إضافة إلى التفوق النسبي المكتسب عبر العقود السابقة في عدد من القطاعات في لبنان، إذ هناك تقنيات جديدة وتكنولوجيا حديثة تُمكّن القطاع الزراعي أن يتجاوز ضيق المساحة الجغرافية في السهول وصعوبة الزراعة في الجبال، بل يمكن أن نضيف إلى ذلك، الشروع في الصناعات الغذائية الزراعية فيما لو كانت كلفة إنتاج المزروعات تجعلها غير قابلة للمنافسة مع السلع الآتية من سوريا مثلاً. المقصود هنا أن تطوير القطاع الزراعي قد يكون منوطاً بتطوير الصناعات الغذائية التي يمكن تصديرها. والتركيز سيكون على الجودة المتفوقة بكلفة معقولة. في مطلق الأحوال، هذا ما يجب بحثه عند المسؤولين عن تطوير القاعدة الإنتاجية سواء كانوا من القطاع العام أو من القطاع الخاص.
أما في ما يتعلق بتطوير القطاعات الإنتاجية والخدماتية في آن واحد، فعلى لبنان أن يبني على ما أنجزه في العقود السابقة وما قبل الحرب الأهلية، سواء في قطاع التربية والتعليم أو في قطاع الخدمات الصحية والتطبيب، لما يتمتعان به من تفوق نسبي في نوعية الطاقة البشرية المتوافرة في لبنان. إن لبنان قد يستطيع أن يسترجع مكانته التربوية الريادية في الوطن العربي التي فقدها خلال الحرب الأهلية والتي لم يقدم على تطويرها بعد اتفاق الطائف. فمن جهة أقدمت دول الجزيرة والخليج على إنشاء بنى تحتية للتعليم تنافس ما كان لبنان يقدمه قبل الحرب. إلا أن المساحة الجديدة التي يمكن أن يسيطر عليها لبنان هي في التركيز على قطاع التعليم العلمي الذي ما زال مهملاً في الأنظمة التربوية العربية، كما أشار تقرير التنمية البشرية العربي لبرنامج التنمية للأمم المتحدة. القيمة المضافة للقطاع التربوي في لبنان تكمن في التوجه نحو العلوم. قد يقول البعض إن «السوق الوظيفية» في لبنان وفي الدول العربية قد لا تستوعب أعداداً كبيرة من المتخرجين في العلوم بسبب ضآلة البنية الصناعية المرشحة لتستوعب تلك الكفاءات، إلا أنني على يقين أن العرض الجديد هو الذي سيوجد الطلب الجديد لتلك الكفاءات، وأن مستقبل لبنان هو في قطاع الإنتاج والخدمات التكنولوجية المتقدمة. فالاستثمار الاستراتيجي هو في العقل اللبناني وتمكينه من الابتداع والاختراع. ولذلك الأمر تتمة في بحث آخر.
أما على صعيد الإصلاح الاجتماعي فلا بد من الضغط على النخب الحاكمة القديمة والجديدة لكي تفكر بجدية في إعادة توزيع الثروة بين الطبقات الميسورة والطبقات الوسطى والفقيرة. فالمطلوب هو توفير الشروط لإيجاد مجتمع الكفاية والعدل وتكافؤ الفرص. وقد يتمّ ذلك عبر هندسة اجتماعية تعتمد على إعادة التوازن في العبء الضريبي بحيث تتحمّل الفئات الميسورة العبء الأكبر في تمويل الإصلاح للضمان الصحي، وإيجاد برامج مستكملة للضمان الاجتماعي بما فيها تعويضات البطالة والشيخوخة، ومعالجة مختلف قضايا التربية من بناء المدارس إلى توفير الكتب بأسعار معقولة والحد من «تجارة» المدارس والمؤسسات التي تدّعي التربية والتعليم. وعلى تلك النخب إيجاد الحوافز لتوفير المزيد من فرص العمل لدى القطاع الخاص والمساهمة في رفع مستوى المهارات المطلوبة لجعل المؤسسات ذات قدرة تنافسية إقليمياً ودولياً.
إضافة إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا بد للنخب الحاكمة من أن تواجه مسألة الإصلاح الثقافي. فالقضاء مثلاً على الطائفية لن يقتصر على إصدار نصوص بل يستلزم إصدار برامج للتغيير في العقل اللبناني الذي ينخر فيه وسواس الطائفية حتى العظام. وإن ثقافة الفساد المتلازمة مع الفقر والطائفية جعلت من الفساد قيمة «محترمة» متجسدة في أدبيات المجتمع اللبناني كالقول عن فاسد بأنه «شاطر» أو «بيعرف يدبّر حاله». فثقافة المال طغت على كل الاعتبارات والقيم. وبالتالي لا بد من الحد من تفشّي تلك الثقافة إن لم نقل إلغاءها. فكل تلك المسائل مترابطة ومتلازمة، والمؤسف أنها مغيّبة كلياً عن الخطاب السياسي اللبناني، إذ يجب أن تكون محور اهتمامات اللبنانيين وأن تُفرض على القيادات اللبنانية. ربما هذه حال اللبنانيين الذين في آخر المطاف لن يحصدوا إلاّ ما يزرعون.
* كاتب وباحث لبناني
اجزاء ملف "لالخروج من المأزق: خطاب عصري شامل":
الجزء الأول | الجزء الثاني