بالمعنى السياسي والإقليمي، ابتدأ عام 2016 يوم السبت الماضي مع تصريح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن "حاجة" اسرائيل الى تركيا واحتياج بلاده لاسرائيل في المنطقة؛ خاصة وأنّه قد أدلى بهذا الرأي الى الصحافيين الذين كانوا يرافقونه على الطائرة من الرياض الى أنقرة، وقد اجتمع لتوّه بالملك سلمان (اعتبرت صحيفة "جيروساليم بوست" الاسرائيلية أن سياق التصريح ورمزيته هما من الأهمية بحيث جعلت هذا التفصيل جزءاً من عنوان الخبر). كلام أردوغان (الموجّه الى الخارج والى الداخل، والى الحلفاء ايضاً، ليعلن وجهة الحكومة التركية في المرحلة المقبلة) جاء ليثبّت مقولة أنّ تفاهماً ثلاثياً قد جمع تركيا واسرائيل والسعودية حول سياساتها في المنطقة، وانّ هذا التحالف مصمّمٌ ضدّ ايران، وانّه ينوي المواجهة.

يقول صديقٌ أكاديمي تخصّص بدراسة الفكر الإسلامي إنّ هناك صفة ملفتة في التعامل الدولي لطهران (وهو يرجّعها الى نمط التدريب الديني للكثير من القادة الإيرانيين): الدبلوماسية الايرانية، مهما اشتدّت عداوتها ظاهرياً مع بلدٍ ما، واحتدم التنافس والاتهامات في الإعلام، لا تبادر ــــ من نفسها ــــ الى بتر العلاقات أو تخفيضها معه (اسرائيل استثناءٌ بالطبع، ولأسباب عقائدية وايديولوجية)، سواء كان بلداً جاراً أم قوة غربية. حتّى حين ارتفعت نبرة حكومات الخليج ضدّ ايران في السنوات الماضية، وصارت تطالب ــــ علناً ــــ بعقوباتٍ وحربٍ على البلد (وتعلن استعدادها لدفع كلفتها)، ظلّ الموقف الديبلوماسي الإيراني الرّسمي، من كلّ هؤلاء "الجيران"، يتكلّم على انفتاح للتعاون واستعداد لتوثيق العلاقات. أما حين تعلن السّعودية عن القطع النهائي للعلاقات مع طهران، وتحشد أتباعها وحلفاءها خلفها في حملة شعواء، فهي تفصح عن نيتها الاستغناء حتى عن الواجهة الدبلوماسية، وأنّها ــــ كما قال أكثر من خبيرٍ تعليقاً على الحدث ــــ مستعدّة للذهاب الى أبعد مدى.
بعيداً عن التأثيرات المباشرة لقطع العلاقات (وأوّلها أنّ كل من كان يراهن على تغيّرٍات أو تسويات في بلده تنتج عن "تفاهم اقليمي" بين الفاعلين، في سوريا أو اليمن أو لبنان وغيرها، عليه أن يعيد حساباته، اذ لم يعد لـ "جنيف" وأمثاله من فرصة)، فإنّ سؤالاً يجب أن يُطرح حول طبيعة هذه المواجهة وأسبابها، وهل هي ــــ فعلاً ــــ حربٌ طائفية، تجري على عقيدة ومكاسب وهويات، أم هي مجرد تدافع على مصالح ونفوذ، أو جزء من خطّة أكبر، خلفها ارادات ومصالح دولية؟ أيّ تفسيرٍ لأحداث السنوات الماضية على أنّها صراعٌ بين "ثورات" و"ثورات مضادة"، أو بين شعوبٍ وأنظمة، أو بين مذاهب ــــ السردية الأخيرة التي يلهج بها الإعلام الخليجي ــــ لن يترادف مع مسارات الواقع، بل هو يغطّي على الأجندات الحقيقية (على سبيل المثال، هل يمكن لأحد منظّري الطّائفية أن يشرح ما هي الأسباب الموضوعية والمادية التي تبرّر صراعاً مذهبياً في العراق؟ أو أن يتذكّر مطالب "ثورة العشائر"، حيث ابتدأ كلّ شيء؟).
الطائفيون العقائديون، على الأقل، يملكون منطقاً داخلياً، ولكن من يصرّ على تجاهل العدوان الذي يعصف بالمنطقة بغية الحفاظ على "نظامها القديم" (وهو بدأ بالترنّح قبل 2011 بسنوات)، والكلفة الهائلة التي حلّت بشعوبنا ومجتمعاتنا ودولنا من جرّاء عبثه، والحروب التي فرض علينا خوضها والانتصار فيها، يثبت بأنّه ــــ حتّى في أحلك ساعات الأزمة ــــ هناك من يعتاش على بيع الأوهام والأحلام (وهو ايضاً من تفاجئه التصريحات التركية عن التطبيع مع اسرائيل، وتصدمه ولا يفهم مغزاها). العبرة الأساس من "الحلف الثلاثي" الذي يعلن عن نفسه، ومن التصعيد الذي ابتدأ في الإقليم، هي أنّ المواجهة ذاهبة الى النهاية، وأنّ التسوية بشروط الماضي ليست احتمالاً، وأنّ بلادنا هي ميدان هذا النزاع. من ينطلق من فرضية أنّ أمامنا في هذه المرحلة تحديات تاريخية، وأنّ أساسها عسكريّ، وهي تبدأ بمواجهة الغرب واسرائيل، وانتزاع السيادة على بلادنا من وكلائهم وحلفائهم، يستنتج أنّ التجربة الايرانية والقوى التي تشكّلت على مثالها (من لبنان الى العراق وفلسطين) هي الوحيدة التي يمكن أن تؤدي هذه المهمة التاريخية اليوم، وأن ترفد مشروعاً كهذا، وتزوّده بالتقنيات والخبرات المناسبة، ومن مصلحتها نشوء قوىً مستقلة في الإقليم. وهنا يكمن عنصرٌ محوريّ في تفسير المواجهة القائمة وشراستها.
في وسع من شاء أن يحلّل المرحلة من منظورٍ طائفي أو مانوي، أو أن يستنتج، حتى، أنّ التحدي المصيري أمامنا اليوم يتعلّق بالانتقال الديمقراطي (هؤلاء، وهم ذاتهم من ينتقد من يرفع السلاح في وجه العدوّ، ويتّهمهم بأنّ خطابهم عن المقاومة وفلسطين نفعيّ و"أداتي"، لا تعكسه أفعالهم في الواقع وسياساتهم وتحالفاتهم، لا ينتبهون الى أنّ الحجّة نفسها تنطبق ــــ بشكلٍ أوضح وأكمل ــــ على ادّعاءاتهم الليبرالية). مهما يكن، فإنّ هناك مفارقتين ساطعتين في بداية هذه السنة الصعبة، لا يمكن تجاهلهما. الأولى تتعلّق بالفرحة العارمة التي عمّت الصحافة الاسرائيلية بعد اجراءات السعودية في الأيام الماضية، مع تعليقات لخبراء وكتّاب تتنبأ بمنافع كبيرة لاسرائيل؛ بل أنّ الأمر وصل بمصدرٍ اسرائيلي تحدّث الى "جيروساليم بوست" الى امتداح السياسة السعودية (في "سوريا وايران واليمن") ومزايدتها على البيت الأبيض في العداء لإيران. الحقيقة الثانية في بداية هذا العام، وهي أقوى من كلّ ما يُقال ويُكتب، هي أنّه بينما يعقد بعض العرب (وخلفهم جماهير معتبرة) العهود السرية والعلنية مع الصهيونية، ويخوضون حروبهم في المنطقة سوية، يتسلل عربٌ آخرون ــــ وهم في عزّ معركةٍ وجودية تحيط بهم ــــ ليفجّروا عبواتهم بدوريات الجيش الاسرائيلي.