إبراهيم حيدر *


صورة الإعلام في الحرب هي نفسها صورة اللبنانيين الذين يعلقون آثامهم على مشجب الخارج. 13 نيسان 1975 شرارة الحرب الأهلية لم تدخل الصحافة في حرب إعلامية، بل حولتها الى إعلام حربي بمتاريس إيديولوجية وطائفية على وقع الانقسام اللبناني الشامل.
32 سنة على ذلك الحدث الأسود في تاريخ لبنان، والصحافة تعيش الأزمة. هي تروي الحرب ولا تتجاوزها. لم تستطع بلورة حقوق على أساس المسلّمات: الحقوق الإنسانية القائمة على ثقافة السلام والمسامحة، فعجزت أن تنقل نفسها الى ضفة قادرة على تطهير الذاكرة واستقطاب أهلها.
في النص يبدو الإعلام جزءاً عضوياً من الأزمة. يغالب من دون أن يتمكن من إخراج نفسه من الحروب المستمرة في لبنان. هو شارك في محو الذاكرة ولم يساعد على تطهيرها بالانطلاق الى كل الحقيقة والمصالحة.
غابت أو غُيّبت النصوص التي تقول الحقيقة وتخترق السائد. هي النصوص التي تعترف ولا تسوّغ. فبقيت صحافتنا بعيدة من قول الحقيقة، وتلبّست محو الذاكرة وتسويغ نصوصها، من العفو الى التجاوز طريقاً ملتبساً لوقف الحرب، لكن مع استمرار مقوّماتها.
دخلت الصحافة الحرب من باب الانقسام اللبناني ولا تزال فيها. تماهت مع رعاية أطراف إقليمية وتأجيج مشاريع دولية. توزعت بين مشارب إيديولوجية وطائفية. ومنذ ذلك الوقت لم يعد جائزاً الحديث عن صحافة معارضة وأخرى موالية بعدما التصقت النخب بالطائفة والمرجعية والخارج مسوغة استمرار وجودها من الإمكانات المتاحة.
في المحصّلة الإجمالية أن الحرب أفرغت الصحافة من طاقاتها وقذفتها الى مواقع متعددة في الانقسام الإجمالي المستمر فصولاً بأشكال مختلفة. وما عاد الحديث ممكناً عن تمايز حر ديموقراطي مستقل بعدما عاد غالبية الصحافيين والكتّاب الى انتمائهم الأصلي متسلّحين بقوة الغرائز السائدة.
وعلى رغم الممانعة التي أبداها صحافيون وصحافة، انخرط الإعلام في العصبيات اللبنانية واصطفافاتها الطائفية، ما أفقدها موقع الحصانة. والكلام هنا ليس بصيغة الجمع. لكن، لا شك في أن السنوات الماضية لا تزال ماثلة بتداعياتها، حين التحقت غالبية النخب ومن بينها أهل الصحافة بهياكل الهيمنة الإقليمية، وما بقي خرج الى مسار آخر. فلم يعد الحديث ممكناً عن تنوّع وتمايز داخل المكونات المدنية كما حصل داخل الطوائف نفسها. ففقدت الصحافة أهم مقومات وجودها وتمايزها. قليلة هي النصوص التي تنأى اليوم أو تخرج عن الاصطفاف القائم. هناك نص الهوية المهجوس والمتوتر والعصبي والمقاتل. هو خطاب جاهز للانقضاض على الآخر بتضخيم إيديولوجي. خطاب الهوية دموي بامتياز، يتسلّح ببعض الماضي المشحون إيديولوجياً ليقرأ التاريخ لمصلحة طائفة معينة بإسقاطه على الحاضر، فعكست الصحافة أيضاً هويات متصارعة متقابلة وثنائيات متعارضة لا مشترك بينها، واستمرت في ثناياها.
استحوذ على النص الإعلامي أيضاً، خطاب المؤامرة. وهو لا يزال سائداً حتى اليوم. يفسر هذا النص الحرب بالمؤامرة الخارجية ليظهر نقاء الطائفية اللبنانية التي تستطيع التعايش إذا تركها الخارج سالمة نقية. ويستمر هذا النص في الدوران، القائم على فكرة الأساطير المؤسسة والأوهام الرسالية. وغاب في المقابل ذلك النص الذي يشد الى قدر من العلمنة غير المهجوسة بالأساطير، والتي مثّلتها محاولات ظهرت في عدد من الصحف اللبنانية بأقلام كتّاب وصحافيين في فترات مختلفة، لكنها لم تتمكن من بلورة خط دائم وعابر للطوائف واصطفافاتها.
صحافتنا صورتنا، هذا ما تعكسه النصوص الإعلامية اليوم، في واقع تبدو الدولة فيه مفترسة. الصحافة باتت في مقلب الأزمة بعدما كانت في الأصل مأزومة حتى في عز نهوضها. ولا يبدو أن الخروج من سيطرة المال الكاسح ممكناً، بعدما استُلب الإعلام من وحوش المال، وبات الإعلاميون رهائن لا حيلة لهم، وأكثرهم مقتنع بالأمر الواقع. ولا مناص في هذه الحال من عدم ذكر مؤسساتنا التربوية التي تخرج الى سوق مقفلة في ظل سيطرة الفضائيات واتساع دائرة الوصول السريع. الحرب أضعفت قدرة الإعلام على الفعل. أدخلته في القلق. فيما أن تراجع المساحات بين اللبنانيين وتقطّع الأوصال والجسور قذف بالنص الإعلامي الى المجهول. فهل يمكن أن تكون ديموقراطياً في الصحافة. إذ لا مجال لإدانة الحروب إذا لم نعتبر من حروبنا السابقة، ونسعى الى تطهير ذاكرتنا، ونكون أحد جسور التواصل. لكن الصحافة ليست بخير، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة!
الجسم الصحافي في قلب الأزمة، فمن يملك الجرأة على قول ما يقال؟ والحقيقة أنه لا معنى للحديث عن دور متمايز للصحافة بإسقاط تجارب سابقة أو باستعادة دور ملتبس. لقد دخلنا في صلب الأزمة، وبتنا جزءاً من الحرب التي لا تزال حاضرة... وربما مشتعلة.
* كاتب لبناني