توفيق المديني *


قبل بدء الحرب الأميركية العدوانية على العراق تحول كردستان العراق إلى قاعدة عسكرية خلفية للولايات المتحدة الأميركية، إذ وضع الحزبان الكرديان قوات البشمركة تحت إمرة القوات الأميركية من أجل مشاركتها في القتال ضد نظام بغداد. وبذلك شكل كردستان العراق البوابة الرئيسية الثانية بعد الكويت لغزو الأراضي العراقية، بعدما رفضت تركيا السماح للقوات الأميركية باستخدام أراضيها معبراً للغزو. ومنذ أواخر عام 2003، بدأت التقارير تتسرب وتتكاثر وتتراكم، وكلها تؤكد أن لاحتلال العراق زوايا استراتيجية في المشرو ع الصهيوني، ولأن الوجود الصهيوني أصبح ماثلاً بوضوح على الأرض العراقية. فالتحالف الأميركي الصهيوني حول تلك المسألة هو تحالف استراتيجي ومصيري من أجل هدفين استراتيجيين: الإمبراطورية الأميركية، والدولة التوراتية اليهودية.
لقد شاركت الصهيونية العالمية في رسم خرائط الحرب على العراق في غرفة عمليات مشتركة بين وزارتي الدفاع في واشنطن وتل أبيب، ووفّرت كل المستلزمات اللوجستية والإعلامية والعسكرية للعدوان على العراق. إذ إن كل دبابة أو طائرة أو سفينة حربية أميركية في العراق كان يقودها أميركي ومساعد صهيوني. وكانت صحيفة «معاريف» الصهيونية نشرت مقالاً للكاتب الصهيوني بوعز غاوون تحت عنوان «قواتنا في العراق»، أكد فيه حقيقة الوجود الصهيوني، وقال صراحة إن «إسرائيل» دخلت العراق لتأخذ حصتها. ولقد عبّدت الأحزاب الكردية الرئيسية المعروفة الطريق للتغلغل الصهيوني في العراق، برعاية وضمانات أميركية، لإقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق، وذلك بالانفصال عن الدولة المركزية في بغداد، وهذا ما يصبّ في مخطط تقسيم العراق إلى دويلات مذهبية وطائفية برعاية أميركية ــ بريطانية ــ صهيونية، حيث يقوم الصهاينة المتسللون خفية أو جهارة إلى العراق بالدور الرئيسي لتنفيذ هذا المخطط.
ومن ضمن الأهداف الأميركية التي تقف وراء احتلال العراق دعم الوضع الاستراتيجي لإسرائيل التي تحلم بإعادة أمجاد «الدولة التوراتية»، وهي أهداف معادلة في القيمة لأهداف المشروع الأميركي في السيطرة على الثروة النفطية العربية. وهذه الأهداف لن تتحقق إلا من من خلال تدمير دولة عربية كبرى، وفي هذه الحال دولة العراق. وقد أدى الصهاينة دوراً كبيراً في تدمير البنية العلمية البشرية من خلال الاستمرار في اغتيال العلماء العراقيين. وقد أكد جنرال فرنسي متقاعد ان فرق كوماندوز إسرائيلية توجد في العراق وتقوم بمهمة اغتيال العلماء العراقيين.
مع الاحتلال الأميركي للعراق، اعتقد الأكراد أن «موسم الاستقلال» قد حان، وأن الوقت أصبح يسير في مصلحة تحقيق الحلم، من خلال الحرب الأميركية العدوانية على العراق، التي دفعت الحزبين الكرديين، الديموقراطي والاتحاد الوطني، إلى الاعتقاد أن ترتيبات ما بعد الحرب ستسهم في تقريبهما من الحلم بعض الخطوات بحيث سيكون الهدف المعلن هو الفيدرالية، بينما يكون الهدف الحقيقي هو السير في اتجاه إقامة الدولة الكردية. من الواضح أن جلال طالباني ومسعود بارزاني يلعبان على حبال ربما ستنقطع بهم في منتصف البئر. إنها الحبال الأميركية والتركية التي قطعت في بئر (مهاباد) الإيرانية وسقط قاضي محمد في مياه مهاباد غريقاً، وعلى ما يبدو فإن الأكراد سيكونون ضحية تحالفهم مع القوات الأميركية المحتلة والصهيونية التي تريد استخدامهم ورقةً لتحقيق مآربها في العراق، ثم تتخلى عنهم. والوهم الكردي يتمثل في الرهان على الاحتلال الأميركي الذي قسّم العراق وعلى الدعم الصهيوني للأكراد، باعتبارهما سيقدمان لأكراد العراق ما يطمحون إليه من إقامة الفيدرالية العراقية كخطوة ضرورية نحو إقامة دولة كردية مستقلة.
وهذا النهج الكردي الانفصالي تعارضه دول الجوار الجغرافي للعراق: إيران، وتركيا، وسوريا، إذ أعلنت الدول الثلاث رفضها إقامة دولة كردية في شمال العراق، وتغيير الخريطة السكانية والجغرافية لمدينة كركوك، التي يطالب الأكراد بضمها إلى كردستان العراق، باعتبارها مدينة كردية حسب وجهة نظرهم، فيما أثبتت كل الدراسات التاريخية أن المدينة يقطنها العرب والتركمان وأقلية كردية، ولم تكن في يوم من الأيام مدينة كردية.
وإذا كان السفير الأميركي في العراق أكد يوم الخميس 22 آذار 2007 خلال حضوره مناسبة افتتاح منشآت مائية في أربيل، أن إقليم كردستان يمثل مثالاً ساطعاً لما يمكن ان يكون عليه العراق مستقبلاً إذا اتفق القادة السياسيون على العمل معاً، وأن الولايات المتحدة ملتزمة نجاح العراق الجديد، لكن الأمر يتطلب من القادة السياسيين في هذا البلد التوصل الى توافقات وحلول وسطى من أجل قطع الطريق على أعمال العنف، فإن وزير الخارجية التركي عبد الله غول وصف في أنقرة الوضع في العراق بالخطير والمأساوي. وقال إن احتمالات قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق سيؤدي إلى تقسيم العراق ويضع المنطقة وجهاً لوجه أمام تحديات خطيرة. وأضاف متسائلاً «هل يرضى العراقيون بتقسيم وطنهم؟»، وشدد على ان دول الجوار لن تسمح بتقسيم العراق أو قيام دولة كردية مستقلة. وتمنى ان يساهم المؤتمر الوزاري حول الأمن في العراق المقرر عقده في إسطنبول مطلع الشهر المقبل في إرساء الأمن والاستقرار في البلد المجاور.إن الحركة السياسية الكردية التي يشوبها التعصب القومي الشوفيني اختارت طريق البحث عن المغانم في ظل الاحتلال الأميركي ــ البريطاني للعراق، بدلاً من تقديم الأهداف الديموقراطية العامة على ما عداها، وربط همومها الخاصة وشعاراتها لرفع الظلم والاضطهاد اللذين عاناهما الأكراد من جانب القوميات الأخرى (العربية والفارسية والتركية) ــ إذ ليس القمع الديكتاتوري في عهد نظام صدام حسين الذي كان عادلاً في ظلمه بحيث لم تسلم من بطشه أي طائفة من طوائف العراق، استثناءً في ذلك ــ بحل المسألة الديموقراطية في العراق، أي بتبنٍّ صريح لا لبس فيه لبناء الدولة الوطنية الديموقراطية العراقية، أي دولة المواطنة والمؤسسات والقانون، التي يتساوى فيها كل أبناء الشعب العراقي على اختلاف انتماءاتهم الطائفية والعرقية والقومية، أمام القانون.
ولقد اختارت الحركة السياسية الكردية أيضاً طريق التحالف مع الإمبريالية الأميركية، وإسرائيل كجزء من الوجود الإمبريالي، وقدمت نفسها على أنها الحليف الأكثر إخلاصاً للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.. وها هم الأكراد يتحولون نحو التحالف مع إسرائيل التي لا أصدقاء لها في المنطقة، وهي سعيدة جداً بالاستجابة لهم. وقد تنكّرت الحركة السياسية الكردية تنكراً حاداً وعنيفاً لمصالح الأمة العربية ومصيرها ومستقبلها.
* كاتب تونسي