إخراج المخبوء الطائفي الى العلن لم يتطلب أكثر من مواجهة في بلد ذي تنوّع مذهبي، حينئذ تتلاشى خطوط التباين السياسي والايديولوجي داخل المكّون المذهبي الواحد، فيصبح التواطؤ جمعياً، وهنا فحسب يتحقق الاجماع ولكن في صورته المشوّهة.

بعد احتلال «داعش» الموصل في 10 حزيران من العام الماضي، كنا أمام مشهد غير مسبوق، فقد تحوّل مقاتلو التنظيم «ثوّاراً» ومدافعون عن «أهل السنّة» في العراق. المشهد يتكرر مجدداً في اليمن حيث تحوّلت «القاعدة» الى «مقاومة شعبية» في مواجهة الشيعة «الحوثيين»!

إعادة إدماج «القاعدة» و»داعش» في المجال الوهابي تشرعنه الخصومة مع «الروافض»، تماماً كما أن شيطنة حزب الله في لبنان/ سوريا والحشد الشعبي في العراق يراد منه في الجوهر «أنسنة» التنظيمات الارهابية المحسوبة مذهبياً على الوهابية. المقارنات ذات الطبيعة السجالية بين ارتكابات «داعش» و»الحشد الشعبي» لا تهدف سوى إلى تحقيق المساواة في الفعل الارهابي، ولسان حالهم «كلنا شركاء في الإرهاب». لسنا بصدد تقييم تجربة أي من التنظيمات السلفية أو الشيعية، ولكن لا ريب أن الارتكابات التي تقع من أفراد «الحشد الشعبي» هي من دون غطاء من المرجعيتين الدينية والسياسية في العراق، بخلاف «داعش» التي تستند الى فتاوى علنيّة وسريّة أقّلها تكفير الخصوم بما يجيز قتالهم وقتلهم.

منذ بدء «عاصفة الحزم»
مرّ الإعلام السعودي الرسمي بمنخفض أخلاقي وثقافي حاد

المفتي العام للمملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أطلق خلال خطبة صلاة الجمعة في مسجد جامع الإمام تركي بن عبدالله بمنطقة قصر الحكم وسط مدينة الرياض في 10 نيسان الجاري دعوة للتجنيد الاجباري، وقال: «لا بد من تهيئة شبابنا التهيئة الصالحة؛ ليكونوا لنا درعاً للجهاد في سبيل الله ضد أعداء الدين والوطن». المفتي كان قد اعتبر في مقابلة مع صحيفة «عكاظ» نشرت في 10 نوفمبر 2009، أي إبان الحرب السادسة التي شاركت فيها السعودية ضد حركة «أنصار الله»، وصف فيها عقيدة الحوثيين بالفاسدة وقال بأن «من يقاتلون الحوثي إنما هم مجاهدون». هو المفتي نفسه الذي حرّم التظاهرات التي انطلقت في العديد من الدول العربية والإسلامية لنصرة الفلسطينيين في قطاع غزة إبان العدوان الاسرائيلي في آب 2014، ووصفها بأنها «مجرد أعمال غوغائية لا خير فيها، ولا رجاء منها».
في تشرين الثاني 2014 أطلق زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي خطابه التحريضي الثاني وجعل شيعة المنطقة الشرقية في المملكة السعودية هدفاً لتنظيمه، وخاطب أتباع العقيدة الوهابية بـ «أهل التوحيد»، وقال: «سلّوا سيوفكم وعليكم بالرافضة حيث ما وجدتموهم».
على مدى الاعوام الثلاثة الماضية، ساهم الخطاب الطائفي المرتفع في المملكة السعودية على وجه الخصوص والمنطقة عموماً في تقريب المسافة بين المعتدل والمتشدّد في المجال الجغرافي الذي نشأت فيه الوهابية، حتى باتت أدوات التحليل متطابقة بين العلماني اللاديني والسلفي المتشدّد داخل المجال الوهابي السعودي.
ومنذ بدء «عاصفة الحزم» ضد اليمن، مرّ الاعلام السعودي الرسمي بمنخفض أخلاقي وثقافي حاد، من خلال سلسلة مقالات في الردح الطائفي يشارك فيه كتّاب وأدباء حظوا بتقدير جمهور قرّاء الصحف الرسمية، إذ راحوا يتناولون شخصيات دينية وسياسية شيعية بطريقة تهكمية وازدرائية تفتقر الى الحد الأدنى من الضوابط الاخلاقية والعقلية (دع عنك الدينية) ومنهم كتّاب أعمدة يومية، وأكاديميون، وأدباء، وروائيون... في حفلة غرائزية غير مسبوقة. مثال في الإسفاف: الكاتب في صحيفة «المدينة» محمد الرطيان كتب مقالاً في 13 نيسان الجاري حول «لثغة» السيد حسن نصر الله، واستخدمها متكئاً للنيل الشخصي بطريقة مبتذلة وهابطة، وهناك عشرات الأمثلة على السقوط الاخلاقي الذي تفيض به الصحف السعودية اليومية. تناسل الفوبيات بأشكالها المختلفة التي تبدأ بإيران فوبيا ومتوالياتها المذهبية والسياسية والتاريخية والحضارية، ألغت الفواصل بين الأشد إلحاداً والأشد سلفية، فصار الجميع يعتنق مقاربة نمطية معلومة الخاتمة. أن تقرأ مقالة عن ايران ـ الدولة أو عن الشيعة ـ المذهب لكاتب ينتمي للمجال الوهابي (السياسي والمذهبي)، فإنك أمام نموذج فريد للعقل الجمعي في مقاربته وفهمه واستخلاصاته.
العقل النمطي الوهابي مسؤول عن توحيد الرؤية إزاء الآخر، فلا فرق بين إيران ـ الدولة والتشيّع ـ المذهب والشيعة ـ الجماعة. أمير المنطقة الشرقية سعود بن نايف (شقيق وزير الداخلية وولي ولي العهد)، وفي لحظة انكشاف غرائزي خاطب زائريه في مجلسه الاسبوعي في 6 نيسان الجاري، وكان بينهم من وجوه الشيعة في المنطقة: «نجد أحفاد عبدالله بن سبأ المتلوّن الصفوي، من يخرج بوجهه البشع محاولين شق الصف...». كان بإمكان الأمير أن يكتم طائفيته، فيصبح كلامه من أمانات المجالس الخاصة، ولكن ما ظهر أن ثمة إصراراً على تظهير الموقف الطائفي على وجه الخصوص، وهذا ما ترجمته بأمانة الصحف السعودية. فقد جاء مانشيت صحيفة «المدينة» في 8 نيسان: أمير الشرقية: شرفاء الوطن لن يسمحوا لشرذمة «ابن سبأ الصفوي» بشق الصف. فيما جاء مانشيت صحيفة «اليوم» الصادرة في الدمام في اليوم نفسه على هذا النحو: أحفاد «عبدالله بن سبأ» يحاولون شق الصف... أمير الشرقية: الشرفاء لن يسمحوا لـ«شرذمة» قليلة بالإخلال بأمن بلادنا. فيما نشرت الصحف السعودية كافة مقتطفات من الكلمة. الجدير بالذكر أن اختيار صحيفتي «اليوم» و»المدينة» لمانشيت يتضمن عبارات طائفية وتحريضية بدا مقصوداً لأن الصحيفتين تصدران في مناطق تقطنها غالبية شيعية.
أسوأ ما في العدوان السعودي على اليمن أن مستوى الحماسة لدى جمهور النظام مرتفع بما لا يمكن تخيّله أو مقارنته بأي صور الحماسة في العدوان الاسرائيلي على غزة في 2008 أو 2014.
حضور العقيدة الجهادية في المنازلة المذهبية وغيابها في أي مواجهة مع الكيان الاسرائيلي لا تقتصر على المجال الوهابي الداخلي، بل تحضر بسطوة في الخطاب الوهابي الداعشي.
شعب اليمن بكل فئاته ضمن دائرة الاستهداف المشروع لا فرق بين المقاتل والطفل، فثمة تعريف مستحدث لهذا الشعب يتناسب وقواعد الاشتباك المفروضة من المعتدي، إذ لا بد أن يكون من تهوي عليهم صواريخ «عاصفة الحزم» مقاتلين وإن كانوا أطفالاً، وحوثيين وإن كان الضحايا في محافظات ليس فيها حوثي أو زيدي واحد.
التوتّر حد الهذيان بلغ ذروته في السعودية، وبات جمهور السلطة عامل ضغط إضافي على القيادة السياسية، وأصبح شريكاً في صوغ خطاب طائفي موتور، بل يظهر ما تبطنه تلك القيادة بما في ذلك الحديث عن تشكيل «حلف سني» الذي يضم الى جانب دويلات الخليج في مجلس التعاون مصر وتركيا وباكستان. وحين تباينت مواقف هذه الدول مع آل سعود فقدت الصفة «السنيّة» ووصمت بالتخاذل والخيانة، كما كشفت عن ذلك تغريدات إعلاميين سعوديين. جمال خاشقجي، رئيس إدارة تلفزيون العرب لصاحبه الوليد بن طلال، وصف مصر بالحليف «الذي يبطن ما لا يظهر». وتحدّث عن «تفاصيل واجتماعات وطلبات وأدوار تدخل في دائرة العيبة والمحاسبة» ستتكشف يوماً ما. وهناك إعلاميون سعوديون تبنوا الموقف ذاته بصيغ أخرى.
خليجياً، انتقد وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش في تصريحات له نشرت في 11 نيسان الجاري ما أسماه «الموقف الملتبس والمتناقض لباكستان و تركيا» من «عاصفة الحزم» واعتبر في تغريدة أن الخليج في مواجهة خطيرة ومصيرية، وأن «لحظة الحقيقة هذه تميّز الحليف الحقيقي من حليف الإعلام والتصريحات». ضاحي خلفان وصف أردوغان بـ «تاجر حروب»، في إشارة الى الاتفاقيات التي وقّعها مع ايران في زيارته الأخيرة. أما الدكتور عبد الخالق عبد الله، مستشار حاكم أبو ظبي، فقال بأن «تركيا باعتنا بصفقة ٢٠ مليار دولار مع ايران وباكستان تخلت عنا بصفقة غاز ونفط إيراني. حلفاء أقوال. يبدو في لحظة اللحظة ما لنا غير ماما أمريكا».
كان ولا يزال المحرّض الطائفي نشطاً في «عاصفة الحزم» في وقت يكاد يغيب فيه المحرّض الوطني، إذ غابت الدولة وحضرت الطائفة بسطوة «من ليس معنا فهو ضدنا» وسوف نحارب لوحدنا حتى لو تخلى العالم بأسره. وحتى القوة العربية المشتركة التي جرى الاعلان عنها بطريقة احتفالية، أسبغ عليها طابعاً طائفياً، وغذّت أحلاماً مندّسة في اللاوعي الجمعي، الى حد أن هناك من وهبها تفويضاً مفتوحاً بـ «إنقاذ» الامة واستكمال مهمتها في سوريا وربما العراق!
لا أحد يفحص المبررات القانونية للعدوان السعودي على اليمن، لأن ثمة مبررات أخرى خارج القانون والأخلاق بدت أكثر جدارة، فهناك معركة معنوية ومذهبية يراد خوضها ولا بد من الانتصار... ببساطة، هناك إصرار على تصوير العدوان على اليمن بأنه حرب سنيّة شيعية!
ايران تغزو العواصم العربية، وتجتاح الأراضي. هكذا دون حاجة الى دليل، هي تجتاح وكفى. فقد استنكر الملك عبد الله ذات لقاء مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم سماح حكومة بلاده لثلاثة ملايين إيراني بدخول العراق عبر الأراضي السورية. الجغرافيا وكل العوامل الأخرى تتوارى حين تستحوذ عفاريت المؤامرة على المنطقة المسؤولة عن فهم الاشياء على حقيقتها.
بدا أن مفعول الطائفية أشد من أي حق عربي وتاريخي في فلسطين، وهناك من تندّر على سوء حال هذه الامة بأن تحرير فلسطين يتوقف على وقوعها تحت الهيمنة الشيعية الصفوية لتستفز عرب الخليج، والسعوديين منهم على وجه الخصوص، ليهبوا بعدها من أجل تحريرها.
* باحث وناشط سياسي