مشير باسيل عون *


كثيرةٌ هي الإشارات التي تُنبئ عن هبوب العاصفة اللبنانيّة المدمّرة. وقلّةٌ هي البيّنات التي تدلّ على نضج اللبنانيّين السياسيّ في إدارة هذه الأزمة الوطنيّة البنيويّة التي أدرك العالم كلُّه طبيعتَها وأسبابَها ونتائجَها، فيما اللبنانيّون وحدهم ما انفكّوا يتخاذلون عن استيعاب آثارها الخطيرة. ولشدّة ما تعاظم الاصطفافُ السياسيّ الوجدانيّ أو المنفعيّ في لبنان، تقهقرت طاقاتُ التفكير الفلسفيّ السياسيّ الحرّ الصافي الخلاصيّ، حتّى أنّ المرء لم يعد يقع، إلاّ في النادر، على مقالة سياسيّة رفيعة المستوى، منعتقة من قيود الانتماء الحزبيّ أو الإيديولوجيّ أو المصلحيّ. وقد يستغرب الآخرون هذا الخضوع السياسيّ للفكر اللبنانيّ، في حين أنّ اللبنانيّين يوقنون في ضميرهم أنّهم قومٌ مفطرون على ابتغاء المصلحة الذاتيّة.
بيد أنّ أغلب اللبنانيّين يعلمون أيضاً أنّ الفكر الإنسانيّ الصافي هو وحده الذي ينقذ لبنان من عمق محنته. وما دام هذا الفكر لا يُسمَع له صدىً في منتديات القرار السياسيّ المحلّيّ، فإنّ اللبنانيّين قد يستمرّون على تنازعهم المقلق إلى حين اندلاع النار. ومع أنّ مثل هذا التنازع دليلُ عافيةٍ ديموقراطيّة في معظم مجتمعات التمدّن الغربيّة، غير أنّه يحمل في لبنان مخاطرَ الصراع الدمويّ لأسباب بات يعلمها الداني والقاصي. وإذا ثبت أنّ اللبنانيّين قد انعتقوا من زمن الوصاية السوريّة، فإنّهم ما استحقّوا بعد أن يذوقوا حرّيّتَهم الوطنيّة في سياق الإجماع على صيغة وفاقيّة جديدة تراعي على مشارف الألف الثالث طبيعةَ الواقع السياسيّ الكونيّ وحالَ الوعي الفكريّ اللصيق به، وطبيعةَ الواقع السياسيّ العربيّ وحالَ الوعي الفكريّ اللصيق به، وطبيعةَ الواقع السياسيّ اللبنانيّ وحالَ الوعي الفكريّ اللصيق به.
وحين يسلك الفكرُ الإنسانيّ الصافي في مضايق الفعل السياسيّ اللبنانيّ، يدرك سريعاً أنّ الكلام إمّا أن يسقط في هوّة العقم، وإمّا أن ينكفئ إلى صوامع المثُل العليا، وإمّا أن ينأسر في قيود الاستغلال الإيديولوجيّ الحزبيّ. وعلى الرغم من هذه المخاطر، فإنّ الفكر يجب عليه أن يقول قولتَه السياسيّة الخلاصيّة في الشأن اللبنانيّ، من غير أن يصيبه دوارُ الاقتدار التاريخيّ أو يُغلق عليه وهمُ السموّ التنزيهيّ. وإنّي أحسب أنّ من أعظم الأقوال السياسيّة أثراً في تقويم الواقع السياسيّ اللبنانيّ أن يفتضح الفكرُ الإنسانيّ الصافي استغلالَ أهل السياسة للوجدان الدينيّ اللبنانيّ في حشد التأييد الجماهيريّ. والجميع يعلم أنّ المرجعيّات الفكريّة التي يستنجد بها أهلُ الموالاة وأهلُ المعارضة في لبنان إنّما تتوزّع في دوائر ثقافيّة ثلاث لا وجود لسواها في لبنان، عنيتُ بها مرجعيّة الفكر الدينيّ المسيحيّ، ومرجعيّة الفكر الدينيّ الإسلاميّ، ومرجعيّة الفكر العَلمانيّ. وفي هذه المرجعيّة العَلمانيّة تنسلك سائرُ التصوّرات اللبنانيّة القوميّة والعروبيّة واليساريّة.
فإذا كان أهلُ الموالاة وأهلُ المعارضة يستلهمون إحدى هذه المرجعيّات الثقافيّة في توطيد صحّة الخطاب السياسيّ الذي ينطقون به، وفي تبرير الممارسة السياسيّة التي يحرّضون عليها، فإنّهم يُخطئون خطأً جسيماً حين يؤثِرون في لبنان المحاذرةَ على المخالطة، والمنازلةَ على المحاورة، والمناكفةَ على المناصرة، والمقاتلةَ على الموادعة، والانتحارَ على الحياة. وممّا لا شكّ فيه أنّ جميع أصناف التطرّف هذه لا تعتمدها إطلاقًا المرجعيّاتُ الثقافيّة الثلاث التي تستوطن الوعي اللبنانيّ. والأغلب في الظنّ أنّ أهل الموالاة وأهل المعارضة الذين ينهجون سبيلَ التطرّف في الانتصار لقضيّتهم إنّما يستندون في تصرّفهم السياسيّ إلى دائرة رابعة لا يجرؤون على الإفصاح عنها، عنيتُ بها دائرة الأنانيّة الفرديّة والجماعيّة، ودائرة المنفعيّة الرخيصة، ودائرة الشرّ الأدبيّ. لذلك لا يستكين الفكرُ الإنسانيّ الصافيّ في لبنان إلاّ حين يندّد تنديداً شديداً بانحرافات أصحاب الدائرة الرابعة من أهل الموالاة وأهل المعارضة. وقد ينتفض أهلُ الصدق من وسط الموالاة وأهلُ الصدق من وسط المعارضة ويعترضون على مثل هذا الحكم الفكريّ القاسي. وفي ظنّهم جميعاً أنّ موقف الفكر المحايد لا يحقّ له أن يحكم من علٍ على الموالاة والمعارضة. ولا يحقّ له أن يدّعي النزاهة في الحكم لأنّه فكرُ الانتماء إلى دائرة من الدوائر الثلاث، شاء ذلك أو أبَى، ولأنّه فكرُ التنظير الأثيريّ الذي تفوته تعقيداتُ الواقع السياسيّ اللبنانيّ وملابساته التاريخيّة المتراكمة في اللاوعي الطائفيّ الجماعيّ. ويعلو على هذه الانتقادات كلّها الاعتبارُ التصديقيّ الذاتيّ الذي يُفضي بأهل الموالاة وبأهل المعارضة إلى اعتبار الفكر الروحيّ المحايد إنكاراً للحقّ ومناصرةً للضلال، وفي يقين هؤلاء جميعاً أنّ الحقّ هو الحقّ الذي يدافعون عنه، وأنّ الضلال هو الضلال الذي يتصدَّون له.
وفي هذا الموضع عينه من الإعضال السياسيّ اللبنانيّ تتجلّى خطورةُ الأزمة العاصفة. ذلك أنّ أهل الموالاة وأهل المعارضة يدّعون جميعُهم العصمةَ في تشخيص الشرّ. وقد فاتهم أنّ تشخيص الشرّ في تضاعيف الوجود التاريخيّ إنّما هو مسألةٌ نسبيّة. وبما أنّ الحقل السياسيّ هو أخطر حقول الوجود التاريخيّ إهلاكًا للحقّ، ولا سيّما في لبنان، فإنّ تشخيص الشرّ السياسيّ يغدو من أعسر المهمّات على الإطلاق. ولذلك قال فلاسفةُ الفكر السياسيّ المعاصرون بضرورة الشورى الجريئة في شؤون تنظيم المدينة الإنسانيّة المتنوّعة في انتماءاتها الروحيّة والثقافيّة. ولذلك أيضاً قامت الصيغةُ اللبنانيّة على حكمة التوافق بين التراثات الثقافيّة اللبنانيّة، عوضاً من أن تقوم على ديموقراطيّة الاقتراع العدديّ البحت. وربَّ معترض على هذه الديموقراطيّة الطائفيّة. بيد أنّ التاريخ الاجتماعيّ العربيّ ما أنتج لنا إلى الآن إلاّ مثلَ هذا الإمكان السياسيّ القابل للتوتّر الدائم، في حين أنّ المثال السياسيّ الأعلى هو ديموقراطيّة الأفراد في مجتمع العَلمانيّة المحايدة.
وإثباتًا لمثل هذا المنطق في الشورى الجريئة، ينبغي لأهل الموالاة وأهل المعارضة في هذا الزمن اللبنانيّ الرديء أن يدركوا أنّ الشرور مراتب، وأنّ أقصى الشرور على الإطلاق في لبنان إنّما هو إهلاك الإنسان اللبنانيّ. وينبغي لهم أن يدركوا أنّ في إهلاك الإنسان اللبنانيّ أيضاً مراتبَ شتّى. فالإهلاكُ الروحيّ هو أخطرُ أنواع الإهلاك على الإطلاق. ومن ثمّ، يأتي الإهلاكُ الخلُقيّ، والإهلاكُ الفكريّ، والإهلاكُ الوطنيّ، والإهلاك المعيشيّ، حتّى يبلغ الإهلاكُ إهلاكَ الجسد وإماتته بالقتل المتعمَّد. ومع أنّ جميع أصناف الإهلاك هذه مترابطةٌ متداعيةٌ متلاحقةٌ، فإنّ ملَكة التمييز في النضج السياسيّ تقضي بأن يبني أهلُ الموالاة وأهلُ السلطة فعلَهم السياسيّ على أساس التحسّس الصادق لمخاطر الإهلاك التي تنطوي عليها هذه الأصنافُ في تراتبيّة أثرها العميق المنحجب عن الأنظار. ومن أسباب العثار الخلُقيّ الجسيم أنّ بعضاً من أهل الموالاة وبعضاً من أهل المعارضة لا يتورّعون عن تبرير إهلاك بعضٍ من أفراد الإنسان اللبنانيّ في معركة الصراع على لبنان. ولمثل هذا التبرير طرائقُ شتّى في الإفصاح عنه قد تصل إلى حدود المناداة به جهاراً.
وقبل أن يتخاصم أهلُ الموالاة وأهلُ المعارضة ويتقاذفوا التهَم في أيّهما يُهلك الإنسانَ اللبنانيّ الإهلاكَ الأشدّ، يجب عليهم أن يدركوا أنّ الاستقامة الوطنيّة تقضي بضرورة تفضيل الإنسان اللبنانيّ على الوطن اللبنانيّ، وتفضيل الوطن اللبنانيّ على الحزب اللبنانيّ، وتفضيل الفكر السياسيّ النيّر على الفكر الحزبيّ الضيّق، وتفضيل مصلحة الجماعة على مصلحة الزعيم السياسيّ، وتفضيل موقع الخادميّة السياسيّة في الوطن اللبنانيّ على موقع الاستخداميّة السياسيّة. فالسياسيّ اللبنانيّ الصالح هو خادم الوطن اللبنانيّ، لا مستخدم الوطن اللبنانيّ. وليس صحيحاً القول بأنّ خدمة الوطن اللبنانيّ لا يستقيم فعلُها إلاّ عندما يسيطر السياسيُّ على مقاليد الحكم. فلكم تألّقت في تاريخ الأوطان خدمةُ الخادمين المتواضعين الزاهدين في السلطة. ولكم استقبحت أوطانُ الشرق العربيّ خدمةَ المستخدمين لأوطانهم المستكبرين الطامعين في السلطة طمعَ الشبق والعمى والانحراف. فالانتماء السياسيّ لا معنى له في لبنان على الإطلاق إذا انقلب وسيلةً لترقية الزعيم السياسيّ، وأداةً لتوطيد منافع الحزب الحاكم، وذريعةً لتسخير موارد الدولة في سبيل الاستئثار بالحكم والتأبّد فيه.
وممّا لا ريب فيه أنّ مثل هذا القول الفكريّ الخالص لا يستحسنه أهلُ الموالاة وأهلُ المعارضة الذين يتشبّثون تشبّثاً مرَضيّاً بأحقّيّة فهمهم للأمور وإدراكهم للوقائع وتبصّرهم في طبيعة الصراع السياسيّ الناشط في منطقة الشرق العربيّ. وقد يرَون فيه تأنيباً أخلاقياً للضمير الإنسانيّ الفرديّ، وعجزاً عن فهم رهانات الواقع الجيوسياسيّ المحلّيّ والإقليميّ والعالميّ. فلا ضير على الإطلاق في هذه المقاربة الاختزاليّة لرسالة الفكر الإنسانيّ الصافي. غير أنّ هذا الفكر لا يُقصي من اجتهاداته الفكريّة مسؤوليّةَ الانصراف الصادق إلى فهم الألعوبات السياسيّة المتواجهة في لبنان وفي المحيط الإقليميّ. وهو يروم أن يضرب بسهمه في استجلاء أثر هذا الفهم السياسيّ العميق. غير أنّه لا يرضى بسذاجة القائلين بأنّ تواجه الموالاة والمعارضة في لبنان إنّما يبرّره صراعُ القوى الإقليميّة والعالميّة على الأرض اللبنانيّة، وبأنّ المسألة اللبنانيّة تتجاوز حدودَ الحضّ على مكارم الأخلاق في العمل السياسيّ المحلّيّ.
صحيحٌ هو القول بأنّ لبنان ضعيفٌ في بنيته، هشٌّ في تنوّعه، منعطبٌ في انسيابه المتفاقم في قوالب الآخرين ومقارباتهم الإيديولوجيّة والمنفعيّة. ولكنّ التنوّع اللبنانيّ الذاتيّ هو جوهر الكيان اللبنانيّ. وما من أمر أشدَّ إفساداً لهذا الجوهر من فساد الطبقة السياسيّة اللبنانيّة في أغلب وجوهها، موالاةً ومعارضةً. والقلّة الصادقة في الموالاة وفي المعارضة يجب عليها أن تنهض إلى مسؤوليّتها التاريخيّة. فاللبنانيّون عادوا لا يُطيقون أن يلعب بهم الآخرون من غير اللبنانيّين، وأن يستغلّهم أهلُ الفساد من اللبنانيّين، وأن تمنع تلاقيهم الإنسانيّ العفويّ الاعتباراتُ الطائفيّة المنحرفة التي يوظّفها معظمُ أهل السياسة في لبنان أبشعَ توظيف.
* أستاذ الفلسفة والحوار في جامعة الروح القدس