علي السقّا*


لقد انعقد الكيان اللبناني قبيل وبعد نشأته في حدود جغرافية واضحة ومحدددة، على منظومة من العلاقات والسياسات القائمة على الأعراف حيناً، وتكيّف الإقطاعيات اللبنانية السياسية مع المتغيرات الحاصلة على الصعيد العالمي أحياناً أخرى، وذلك على إثر الصراع والتزاحم الاستعماري. فمع انطلاقة الثورة الصناعية في أوروبا وبداية رسم وتشكل الخرائط والخطط التوسعية لدولها ولا سيما فرنسا وبريطانيا، وسعيهما المحموم لإيجاد مساحات جغرافية رحبة، وذات كثافة سكانية عالية، تستوعب إنتاجها، تمثلت هذه المساحات في البلدان الشرق أوسطية بما هي إحدى أهم المنافذ البرية والبحرية للولوج الى كبرى الأسواق العالمية، أي القارة الهندية. وقد تميز المجتمع اللبناني بشكل عام، ومجتمعات البلدان العربية بوجه خاص، بكونها مجتمعات زراعية، بحيث تؤدي الزراعة فيها الدور الأبرز والقاعدة الأوحد في مسيرة التحولات البنيوية في اقتصادياتها، فيما تؤلف هذه البلدان بقدها وقديدها، صورة ذات تقاسيم جلية الملامح والمعالم، وتكشف النقاب عن وجودية اجتماعية ونمطية حياتية مشتركة، لشرائح وطبقات ريفية دنيا، كانت أفظع أساليب الظلامية والتبعية والاستغلال الإقطاعي.
ومن نافل القول أن بعضاً مما تناولته الدراسات من المجتمع الفلاحي والريفي قد أظهرت بما لا يقبل الشك، ان المجتمعات الزراعية وأنماط الحياة الريفية فيها، قد بيّنت تنوعاً لامحدوداً في المجالات الاجتماعية والحياتية، وانها في الوقت عينه قد نقضت الفكرة التي سادت سنيناً طوالاً عن جسم ريفي متماسك، لناحية عدم قابليته للقيام بتغيير ما في بنيته الاقتصادية والاجتماعية، وان جلّ ما قد يطرأ عليه من تبدل هو حصيلة نهائية لانصياع أتوماتيكي لبنى خارجية مفروضة عليه، ومن المجدي بمكان ان نقدم أحد الأدلة الساطعة على التحول المرتكز على ظروف موضوعية وداخلية بحتة بمجمل الدوافع والتوجهات. إن أهم وأبرز المحطات في تاريخ لبنان الحديث، هي الثورة الفلاحيّة التي نشبت عام 1858 بقيادة الفلاح البيطري طانيوس شاهين إبان حكم العثمانيين، أو ما اصطلح على تسميته في ما بعد «كوميونة كسروان». وقد أتت تلك الثورة الفلاحية تعبيراً صارخاً، ورد فعل ملحّاً، يبتغي تبديد طرائق من التعاطي الإقطاعي الذي كان سائداً مع الفلاحين آنذاك. وقد حاولت تلك الثورة ان تنتزع ولو بالقوة، وهذا ما حصل، بعضاً من حقوق الفلاحين المسلوبة، كامتلاك الأرض وإلغاء العمل بالسخرة، أو بالمواكرة الزراعية والمساواة في الضريبة، بالإضافة الى طلب توافر الأهلية شرطاً أساسياً في من يفترض به اعتلاء منصب المأمور، وقد دام حكم تلك الثورة مدة سنتين الى ان تبددت وانفرط عقدها بعد نشوب فتنة عام 1860. ولا بد من التسليم بأن الظروف الداخلية بالدرجة الأولى والصمت العثماني قد ساعدا على إيقاظها، وفي الوقت عينه حدّا من تأثيرها وامتدادها في ما بعد، ولعل العوائق التي حالت دون تكثير نجاح تلك الثورة هي:
أولاً غياب الفكر والأساس التنظيمي في المجتمع الريفي، وثانياً إعادة إحياء الإكليروس ولعبة دور الوساطة بين الثوار الفلاحين والإقطاع المسيحي بغية الحفاظ على الوحدة المسيحية، وثالثاً التعاون المستجد آنئذ بين الإقطاعين المسيحي والدرزي وذلك بهدف إحباط كل محاولات الضم الدرزي وسيره في ركب الثورة، وأخيراً استحضار هذا الأخير الروابط العائلية واللعب على الوتر الطائفي، بأسلوب براغماتي مفرط. وقد شكلت هذه العوامل الموضوعية مجتمعة عائقاً أفقد تلك الثورة هامشاً اجتماعياً واسعاً، كان يفترض فيما لو توافرت لها السبل ان تتحرك وتخطو سريعاً تبعاً لمضامينه وثوابته المشتركة، لتغدو بدورها انتفاضة فلاحية عارمة ذات طابع مطلبي شمولي، قاضية على الإقطاع ومرسية قواعد العدل والمساواة.
ينتمي المجتمع الزراعي اللبناني الى النموذج الأرسطوطالي أي طبقي ثلاثي، مع الإقرار بمحدودية دور الطبقة الوسطى فيه، وتقوقعها على نفسها، وذلك بخلقها نظاماً اجتماعياً معيناً يحكم سيرورتها، بحيث تكون القبلية والعائلية أحد أسسه وإحدى ركائز استمراريته، وبما ان التراتب الطبقي الاجتماعي لا يقوم إلا على تفاوت عام وشامل بين أبناء المجتمع الواحد، وفي ظلّ انعدام محوري لدور الطبقة الوسطى في المجتمع الزراعي، فقد أفسح المجال لانحصار نسبي في العلاقة والتبعية الصرفة، فاقتصرت على المستويين الأعلى والأدنى، ما أنتج بالتالي الطبقة الإقطاعية السائدة وطبقة الفلاحين المسودة، وإن الفردية الاجتماعية لا تحقق ذاتها وتؤدي دورها سوى بتوافر وامتلاك الحظوة أو المكانة، وبهذه المكانة فقط تتجلى أهمية الموقع الذي تشغله، وذلك يبقى وقفاً على مشروطية اعتراف الفرد بموقعه، واعترافه بموقع الآخرين، أضف إليها وجود القبول الإجماعي من المجتمع ككل بالدور والوظيفة التي يشغلها ذاك الموقع. ومن اللافت في المجتمع الزراعي اللبناني، وتشاركه في ذلك المجتمعات الزراعية العربية، ان الحظوة والمكانة لا تتوافران إلا عند السيد الإقطاعي دون سواه، فاجتماعه على المال والسلطة والأرض في آن واحد، قد جعل تلك العوامل من وجهة نظر الفلاح، مصدر القوة الوظيفية للموقع الذي يحتله الإقطاعي، فيما تفتقر شريحة المزارعين في الريف أو الطبقة المسودة إلى هذه المقومات، أقله لجهة اعتراف الإقطاع بدور الارتكاز الذي يؤديه الفلاح في اقتصاد الريف، والثورة الفلاحية. ومما فاقم الأزمة داخل المجتمع الزراعي اللبناني، وأبقاه رهينة العقد الطائفي، هو تفشّي الأمية، ومركزية التعبئة الدينية وتأصّل الدين في الوجدان الشعبي والريفي المؤمن بشكل عام، وذلك عبر رجال الدين ومشايخ القرى، وتمتّعهم بحصانة دينية ومعنوية أضفت على فعلهم وقولهم طابع القداسة، ما جعلهم في موضع الآمر الأول بعد الإقطاعي. ولا مناص من تأكيد وجود بعض الحالات الاستثنائية. وقد سمحت تلك العوامل لبعض رجال الدين بالشروع الحثيث في عملية استنباط الفوارق بهدف توكيد خلفية النزعة الكيانية لدى الطوائف اللبنانية، فانتقلت معها هذه النزعة من هدف ذات مسعى فردي لنيلها، الى مكانة لا تتحقق سوى باجتماع طائفي مرصوص البنيان، وعبور يحتمل كل أشكال الارتهان والذل، من خلال المرور بالإقطاع وقد حتّمت آلية العبور هذه، على الطبقة المسودة، الى التوجه نحو اندماج عائلي وعشائري، ليتبعه اندماج طائفي وقومي، وبذلك أضحت الطائفية المدخل الوحيد الى المكانة الاجتماعية والترقّي الوظيفي.
وهذا ما نتج من امتداد ظاهرة الطائفية حتى تاريخ تشكل الكيان اللبناني ونيله الاستقلال، وبذلك أُبقي على الطائفية كحلقة الربط الوحيدة بين مكونات كل مذهب وأهله والإقطاع السياسي الحالي والحديث، ما عرّض الأهلين لأبشع أنواع الاستغلال والتبعية ولا يزال، والتي لن تنتهي سوى بثورة خبز أخرى... لكن لبنانية ظاهراً وباطناً طبعاً.
* باحث لبناني