عبد الحسين شبيب *


تشكل استراتيجية «الغموض البنّاء» واحدة من التقنيات الفعالة في إدارة الصراعات، سواء الديبلوماسية أو العسكرية. وتعد أبرز التطبيقات الراهنة لها تلك التي تعتمدها اسرائيل في شأن قدراتها النووية، والتي صاغتها ضمن نظريتها الأمنية القومية، ولا تزال تعتنقها منذ عشرات السنين، ولم تصدر حتى الآن أي توصيات بالتخلي عنها على رغم المراجعات التي جرت للنظرية. وتظهر وقائع المواجهة بين اسرائيل وحزب الله ان الأخير أدار مقاومته ضمن نظرية أمنية عسكرية. لا يوجد نصوص أو وثائق مكتوبة وحتى تصريحات رسمية تتحدث عن تقنيات الحزب في الحرب مع اسرائيل وتفصح عن عناصر نظريته، لكن يؤدي تحليل مجموعة من المعطيات المنشورة الى تكوين تصور «غير رسمي» عنها.
ربما تكون المرة الأولى التي تخوض فيها قوة شعبية ــ ليست دولة ــ صراعاً مفتوحاً مع دولة تستخدم أساليب تفكير الدول. وعلى رغم انها مهمة شاقة نجح حزب الله مع مرور الزمن في مأسسة عمله والمزج بين نمطي الدول والتنظيمات، وأصبحت لديه مجموعة من المفاهيم العسكرية والأمنية التي تشكل بمجموعها عناصر نظرية «قومية» خاصة يدير بموجبها مواجهته مع اسرائيل حصراً، لأنها هي العدو الأول والوحيد الذي صاغ الحزب له تقنيات المواجهة هذه.
أتقن حزب الله بمستوى ممتاز استخدام استراتيجية «الغـموض البناء»، وساهم توافر شروطها في تحقيق نتائج باهرة. أبرز هذه الشروط هو «السياج الأمني الحديدي» حول المعلومات. لا يوجد إمكانية عملية لتطبيق هذه التقـــــــــنية إذا كان هناك تسيّب أو تسرّب معلوماتي أو اختراق أمني. التكتّم الصارم هو العنــــــــــصر الأول في تحقيق الغموض. وإلى جانب الانضباطية العالية والسرية التي تحيط بها المقاومة الاســـــــلامية حركتها اللوجستية الداخلية، فإن إحباط النشاط الاستخباري الاسرائيلي المعلوماتي هو العمل الوقائي الضروري لتوفير بيئة فاعلة للغموض.
فقبيل اندحار عام ألفين خارت قوة الاستخبارات الاسرائيلية بعدما سددت لها قوة المقاومة الأمنية ضربات مؤلمة أفقدتها القدرة على التنفيذ فضلاً عن التقصّي والاستعلام. كان ذلك أحد الإنجازات البارزة للمقاومة الاسلامية وساعدها كثيراً على تطوير أدائها العسكري.
الشرط الثاني هو الإدارة الذكية والمنضبطة لاستراتيجية «الغموض البناء»، إذ ليس هناك فوضى في التصريح عن الموضوعات العسكرية للمقاومة. وإذا اقتضى الأمر يتم ذلك عبر بيان مكتوب صادر عن جهة مختصة أو عبر شخص واحد هو الأمين العام لحزب الله. هذه الدائرة الضيقة لإخراج المعلومات تختار عباراتها بعناية فائقة، وتختار التوقيت المناسب لبثّ المعلومات التي تكون عادة محدودة وذات مغزى وتساهم في زيادة منسوب الغموض وفعاليته في آن، ما يعني أن الغموض ليس قائماً على التكتم فحسب، بل أحياناً يؤدي التصريح المدروس الى غموض بنّاء أكبر.
هناك نموذجان في هذا المجال: الأول هو الخطاب الذي ألقاه الأمين العام السيد حسن نصر الله في احتفال الخامس والعشرين من أيار ألفين وخمسة في بنت جبيل، وكشف فيه بعض المعطيات العسكرية المتعلقة بالمقاومة الاسلامية، ليقدم جرعتين من «الغموض البناء» أعطاهما للاسرائيليين: في الأولى عدد صواريخ الحزب أكثر من 12 ألفاً، وفي الثانية مداها على الأقل يشمل مساحة الشمال الفلسطيني بجميع المنشآت الحيوية الاسرائيلية العسكرية والمدنية.
معنى ذلك أن الحد الأدنى لكمية القوة الصاروخية هو 12 ألف صاروخ، وان الحد الأدنى لمداها هو شمال فلسطين، لكن هل ما كانت تبحث «اسرائيل» عنه هو الحد الأدنى؟
الثاني هو خطاب النصر الإلهي الذي ألقاه في الثاني والعشرين من أيلول عام 2006 بعيد الهزيمة الاسرائيلية في حرب تموز. قال السيد نصر الله ان المقاومة باتت بعد الحرب تملك أكثر من عشرين ألف صاروخ. أما المدى فلم يتحدث عنه لأن الحد الأدنى لمدى هذه الصواريخ اكتشفه الاسرائيليون طوال ثلاثة وثلاثين يوماً من العدوان.
هذان هما الخطابان الحصريان للحزب اللذان يكشف فيهما عن معطيات عسكرية تزيد من جرعة الغموض لدى الاسرائيليين بدل ان تبدده. يوجد كلام ثالث ومقتّر يتعلق بقدرة عسكرية جوية للمقاومة عندما أطلقت طائرة «مرصاد 1» الاستطلاعية فوق الشمال الفلسطيني وعادت الى قواعدها سالمة.
كانت تلك الخطوة رسالة ميدانية بليغة، وبمعزل عن أن الطائرة كانت حينها رداً على الانتهاكات الاسرائيلية للسيادة اللبنانية وأسلوباً جديداً وغير متوقع في الرد عليها، فإنها نقلت التخبّط الاسرائيلي حول قدرة حزب الله الى مجالات أخرى. كان البحث عن القوة الصاروخية فأُضيف إليه سلاح آخر لديه قوة تدميرية أيضاً، ما فتح نقاشاً اسرائيلياً جديداً حول بحث حزب الله عن أسلحة إضافية تزيد قوته العسكرية. فبين الصواريخ والطائرة الاستطلاعية سيعتقد الاسرائيليون لا محالة ان هناك جهداً غير عادي للمقاومة في تطوير قدراتها.
هذه هي الحالات الثلاث (خطاب بنت جبيل 2005، وخطاب الضاحية الجنوبية لبيروت 2006، وطائرة الاستطلاع) التي تشكل نصوصاً رسمية لحزب الله حول قدراته العسكرية، وتعد نموذجاً لتغذية استراتيجية «الغموض البناء» عبر التصريح الموقت والمدروس.
الشرط الآخر لنجاح هذه الاستراتيجية هو عدم الانفعال والوقوع في فخ الاستدراج. وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي تبقت لدى الاسرائيليين لتحصيل المعلومات عن إمكانات المقاومة القتالية والتجهيزية بعد فشل شبكاتهم الأمنية. حاولت اسرائيل طوال السنوات الماضية ان تستدرج حزب الله الى الكشف عن ترسانته، وبثّت لهذه الغاية تقارير استخبارية وتصريحات مكثفة لكبار المسؤولين عن صواريخ الحزب: عددها ونوعيتها ومداها ومصدرها، وأسهبت في الحديث عن خطوط جوية بين طهران ودمشق وبيروت وسيناريوهات لا تعد ولا تحصى، لكنها لم تقدم يوماً صورة أو وثيقة تؤكد صحة ما تسرّبه. على سبيل المثال، بين ما نقلته الإذاعة العامة الاسرائيلية في تموز 2004 تصريح لرئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية آنذاك الجنرال أهارون زئيفي فركش «ان حزب الله يمكنه ان يطلق صواريخ على منطقة تل أبيب وانه يمتلك عشرات الصواريخ التي يبلغ مداها 105 كيلومترات أو 205 كيلومترات».
أحدث تقرير في هذا الشأن ما ذكرته صحيفة «يديعوت» الاسرائيلية في شباط الماضي نقلاً عن أجهزة استخبارات غربية، من ان الحكومة الايرانية (لا حزب الله هذه المرة) تعتزم ان تنصب صواريخ أرض أرض من طراز «فاتح 110» الذي يحتوي على جهاز توجيه يجعله أكثر دقة ويراوح مداه بين 170 و250 كلم.
يوجد عدد كبير من التصريحات الاسرائيلية الموجهة إليه والتي يمكن ان تصيبه بالغرور من خلال المبالغة في تصويره وكانه أصبح قوة إقليمية لا محلية. وهناك أيضاً تصريحات تهوّن من هذه القوة وتحاول التقليل من أهميتها وتسعى لإصابة الخصم بالإحباط. كلا الأمرين لم ينفعا مع الحزب: لا المبالغة ولا التهوين. على العكس استثمر حزب الله جيداً هذه التسريبات ولم يصدر منه أي تعليق نفياً ولا تأكيداً، رافعاً وتيرة القلق الاسرائيلي الى منسوبه الأعلى، فأوقع حزب الله اسرائيل في الفخ الذي نصبته له.
حرب الاستدراج هذه أصابت الاسرائيليين ما أصاب جحا في المثل الشعبي. أطلقوا بعض التكهّنات فأوقعوا أنفسهم ضحيتها من دون ان يكون هناك من يطمئنهم؟ بعض التقارير والتصريحات الاسرائيلية كانت تقول ان حزب الله يدرّب الفلسطينيين إبان الانتفاضة الثانية على تصنيع صواريخ وأسلحة هجومية ويتواصل معهم بطرق مختلفة. ربطاً بذلك، فإن نجاح الفلسطينيين في تصنيع صواريخ محلية يبلغ مداها أكثر من خمسة عشر كيلومتراً ولها قوة تدميرية جيدة على رغم أنهم محاصرون وورش الحدادة خاصتهم تُستهدف يومياً بالغارات الاسرائيلية في قطاع غزة، سيجعل من البديهي وفق التفكير الاسرائيلي ان يقوم حزب الله الذي يسرح ويمرح على طول الأراضي اللبنانية حسب التعبيرات الاسرائيلية، بهذه المهمة لنفسه ويعزّز قوته؟
هكذا نجح حزب الله في صياغة الجهل الاسرائيلي لقدراته ضمن نظرية أتقن تطبيقها بشكل لربما لم تستطع اسرائيل ان تطبق النظريات الاستراتيجية التي صاغتها على مدى حروبها. طبعاً، «الغموض البنّاء» لا يصلح في مجال اختراع إمكانات وهمية لأغراض الدعاية والتهويل. بهذا المعنى فإن المقاومة تتكتّم على قدراتها الحقيقية، من أجل ان تكون فعالة أكثر، ولا تدّعي قدرات دعائية. على ان الشرط التطبيقي لهذه الاستراتيجية هو ان يكون هناك «بنك أهداف»، غير معلن طبعاً، تطاله نيران المقاومة وتلحق به الخسائر المادية والمعنوية المستهدفة.
كانت حرب تموز الأخيرة مجالاً حيوياً لاستثمار حزب الله «غموضه البناء» في حرب مفاجآت شكلت عنصر قوة أساسياً في إدارة المعركة مكّنته من اللعب بأعصاب العدو. وبالتأكيد لم تكن هذه الاستراتيجية وليدة ساعة حشر، بل تبين انها مفهوم متجذّر في العقل العسكري للمقاومة.
المشكلة التي واجهت الاسرائيلي منذ الأيام الأولى للحرب أنه في ذروة محاولاته استدراج حزب الله للكشف عن قدراته التسليحية، فإنه لم يكن يتوقع يوماً ان أهم بارجة حربية له ستصاب بصواريخ يمتلكها حزب الله. كل الكلام الاسرائيلي على الحزب طوال السنوات التي سبقت حرب تموز 2006 لم يتطرق بجدية الى إمكانية ان يحوز هذا التنظيم سلاح أرض ــ بحر من طراز «سي 802» المتطور، كما حُدِّد طرازه من جانب الاسرائيليين، حيث ان الحزب لم يقدم أي تعليق على نوعية الصواريخ التي استخدمها على رغم ما حققه من إنجازات. لم تجد القيادة الاسرائيلية وسيلة للتخفيف من وطأة الصدمة سوى الزعم أن خبراء إيرانيين هم الذين أداروا منظومة الصواريخ أرض ــ بحر هذه، باعتبار انها من اختصاص جيوش عالية التدريب ولديها مهارات لا يمكن قوة عسكرية غير نظامية ان تحوزها وتتعامل معها. لكن حتى هذا الكلام لا يصدقه الاسرائيليون في قرارة أنفسهم، فهو للاستهلاك المحلي للحد من أهمية إنجاز حزب الله.
كرّت سبحة المفاجآت من الصواريخ أرض أرض ومداها الذي تجاوز ما بعد حيفا، الى الصواريخ المضادة للدروع، وغيرها من المفاجآت، بحيث كانت التطبيقات الميدانية لاستراتيجية «الغموض البناء» ذات فعالية استثنائية في تسديد الضربات المؤلمة والقاتلة للجيش الاسرائيلي ولجبهته الداخلية وللعقل العسكري والأمني الاسرائيلي.
ولئن كان حزب الله قوة منظمة وممأسسة ويعرف ماذا يفعل، فإنه فاجأ الاسرائيليين أيضاً بأن تقنياته في إدارة الصراع تعمل حتى تحت النيران. فكثافة الغارات والقصف المتعدد الجبهات والعمليات العسكرية البرية أخفقت في دفع حزب الله إلى رمي أوراقه دفعة واحدة. وورد في الصحافة الاسرائيلية ان «الجيش الاسرائيلي أدار معارك استخبارية تكتيكية وراء الكواليس هدفت إلى استدراج السيد حسن نصر الله بشكل استراتيجي ليعطي قواته أوامر باستخدام ما لديهم من أسلحة متطورة»، لكن هذه المعارك لم تفلح في دفع المقاومة إلى الكشف عما تخبئه وبقيت تحتفظ بزمام المبادرة في مفاجأة العدو، وانتهت الحرب والاسرائيلي على قناعة بأن حزب الله لم يستخدم كل ما لديه من مفاجآت، لأنه يعمل بموجب قواعد صراع يحتل «الغموض البناء» مرتبة متقدمة في تقنياته، وهو ليس في وارد التخلّي عنها، لا بل انه كما غذّاها في أثناء السلم فإنه كذلك حافظ على تماسكه وغذّاها بمزيد من الإشارات التي يعتقد الاسرائيلي ان الحزب تقصّد إرسالها إليه أثناء الحرب لإشغال مخيلته وإشعال هواجسه ومخاوفه.
* صحافي لبناني