ليلى نقولا الرحباني *


إن المراقب الموضوعي، الذي لا تحجب الأمور السطحية والمواقف الآنية الرؤية عنه، لا بد له من أن يجد، عند العودة الى جذور الأزمات التي يعيشها لبنان اليوم، أن مصدرها الرئيس وإن لم يكن الوحيد، هو ما تعرضت له العملية الانتخابية الأخيرة عام 2005 من إفساد، وتزوير للإرادة العامة وتشويه، وما تفرّع عنها من نتائج أفسدت أيضاً العلاقة بين المؤسسات الدستورية وشلّتها بشكل كامل، فلم تعد لدينا مرجعيات دستورية تعمل وتؤدي واجبها، كما يقضي بذلك نظامنا الديموقراطي.
وإذا عدنا الى الظروف التي أقيمت في ظلها الانتخابات النيابية عام 2005، نستطيع أن نقول إنها تمت متأثرة بواقع سياسي وأمني وإعلامي، أدى الى حدوث خلط كبير في الأوراق الداخلية والاقليمية. ويمكننا بعد هذه المدة الزمنية التي انقضت التأكيد أن من استعجل حصولها في مواعيدها المقررة، لم يكن هادفاً قط الى احترام المهل الدستورية بقدر ما كان يريد الاستفادة من الأجواء العاطفية السائدة لدى الرأي العام اللبناني وخاصة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ما أدى الى إدخال لبنان في أكبر عملية تزوير للإرادة الشعبية الحقيقية.
لقد دخلت الطوائف اللبنانية الانتخابات عام 2005، متأثرة بأجواء طائفية وإعلامية واقليمية حاسمة. فالسنّة اقترعوا لشعار «الحقيقة» الذي رفعه تيار المستقبل، والذي اعتبر في حملاته الانتخابية «ان كل من يقترع للائحة المقابلة» فإنما هو يقترع لقتلة الشهيد رفيق الحريري، مع كل ما يترتب على ذلك من تلاعب بالغرائز الطائفية والمذهبية. أما الشيعة فدخلوا في تحالفات انتخابية، تحت شعور جامح بأنهم مستهدفون دولياً عبر القرار 1559، فخاضوا انتخابات مصيرية أرادوا فيها تأكيد وحدتهم الطائفية للتعبير عن استعدادهم للمواجهة، وأقاموا «التحالف الرباعي» مع من أغدق عليهم الوعود الرنانة بحماية المقاومة «كخيار استراتيجي»، ورفض القرار 1559، وهو ما أعلنه أحد نواب اللقاء الديموقراطي صراحة في تظاهرة 14 آذار 2005 الشهيرة، أو ما صرح به النائب وليد جنبلاط في مناسبات عدة قبل الانتخابات، الذي اعتبر ان «حماية المقاومة هي حماية للذاكرة»... و«ان سلاحها يجب أن يبقى حتى تحرير القدس»... وانه لا «يقبل بوصول برلمان معادٍ للسوريين».
وهكذا استعارت طائفة الموحدين الدروز بقسمها الأكبر شعارات الطوائف الكبرى أي «الحقيقة» عند السنّة و«مجابهة القرار 1559 وحماية سلاح المقاومة» عند الشيعة، فضمنوا بذلك لأنفسهم موقعاً متقدماً وفاعلاً في تأليف اللوائح الانتخابية، وفي فرض شروطهم على الطوائف الأخرى.
وضمن هذا الاصطفاف الطائفي العميق، وهذه الأجواء التي احتمت فيها كل طائفة وراء شعاراتها الخاصة والضامنة لحضورها في المرحلة الجديدة بعد الانسحاب السوري، وجد المسيحيون أنفسهم بحاجة إلى تثبيت موقعهم الفاعل في المعادلة السياسية، بعدما عاشوا مرحلة طويلة من الإحباط والتهميش خلال الحقبة السورية، وباتوا بحاجة إلى تأكيد حضورهم القوي بعدما تحقق المطلب الذي نادوا به طويلاً وهو عودة السيادة والاستقلال، وتبين أن هناك من سبقهم إلى قطف ثمار الإنجاز الذي حققوه، فعبّروا خلال الانتخابات عن رغبتهم في زعيم قوي يتكلم باسمهم، ويحمل همومهم ويرفع عنهم الحيف الذي لحق بهم خلال عقود عدة، وهذا يفسر التفويض الكبير الذي منحه المسيحيون تحديداً للجنرال ميشال عون ولوائحه في المناطق التي كانت للصوت المسيحي فيها القدرة على التأثير.
وقائع انتخابية تاريخية لا بد من استعادتها، للدلالة على ان مصدر الإفساد والفساد في لبنان قد يكون العملية الانتخابية، وبالأخص قانون الانتخاب بالتحديد، ولنؤكد أن الانتخابات النيابية، بما تجسده من منطلق أساسي في تكوين السلطة في أي نظام ديموقراطي صحيح يقوم على اعتبار «الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية»، هي الأساس في أي إصلاح حقيقي.
إن أي عيوب تشوب العملية الانتخابية تنعكس بالتأكيد على مجريات الأمور السياسية في ما بعد، والعيب الأساس الذي أصاب ديموقراطيتنا التمثيلية بعد انسحاب القوات السورية من لبنان هو قانون الانتخابات، قانون «غازي كنعان»، الذي جرت في ظله انتخابات 2005، والذي اعتمد تقسيم دوائر انتخابية أنجحت من خسر في طائفته وخسّرت من كان ناجحاً فيها، فأفسد التمثيل الصحيح وتكونت موازين القوى السياسية على خلل أساسي فاضح، هذا بالإضافة الى تجاوزات حقيقية رافقت عملية الانتخاب برمتها وفي معظم الدوائر وأدت الى طعون عدة، لو تسنّى للمجلس الدستوري العتيد بتّها لتغيرت بالتأكيد تركيبة مجلس النواب الحالية.
انطلاقاً من هنا، ومن خلال مراجعة الأزمات السياسية الخطيرة التي يعيشها لبنان وحيث كانت الانتخابات النيابية هي المسبب الأساسي لها، فمن الضروري أن يكون الاتفاق على قانون الانتخاب هو الأساس لأي تسوية سياسية بين المعارضة والموالاة اليوم. فقانون الانتخاب هو المعيار الحقيقي لتكوين سلطة سياسية منبثقة من الشعب، وهو الضامن للتمثيل الصحيح الذي لا يسمح بتهميش فئات من الشعب اللبناني ما يؤدي الى إثارة الفتن. وكلنا يدرك أن شعور التهميش والغبن، الذي ساد عند الطوائف في لبنان في مراحل مختلفة، كان وقوداً للأزمات والحروب الأهلية التي تعاقبت منذ الاستقلال.
ان ما يطرح اليوم من حلول للأزمة السياسية يبقى مجرد عمليات تجميل لا تؤدي الى استئصال سبب الأزمة وجذورها إذا لم يترافق مع قانون انتخابي عادل، يسمح لمكونات المجتمع المختلفة بالتعبير عن نفسها. فما يُحكى عن توافق على صيغ مختلفة لحكومة الوحدة الوطنية، وتزامنها مع حل لقضية المحكمة ذات الطابع الدولي، قد يكون مدخلاً للحل ولكنه بالتأكيد ليس الحل المنشود، إلا إذا ترافق مع اتفاق فعلي «مكتوب» على قانون الانتخاب.
تخطئ كثيراً الأطراف المسيحية سواء في المعارضة أو في الموالاة إذا ارتضت أي تسوية الآن، لا تتضمن قانوناً انتخابياً جديداً يضمن للمسيحيين القدرة الفعلية على إيصال ممثليهم الحقيقيين الى السلطة. لقد آن الأوان للخروج من «الاستتباع» الذي شهدناه عند «ممثلي الشعب» المسيحيين الذين دانوا بوصولهم الى الندوة البرلمانية للطوائف الأخرى. وتخطئ أكثر الطوائف الأخرى إذا ارتضت لنفسها العودة الى التحالف الرباعي على حساب المسيحيين مرة ثانية، فالتحالف الأول أدى الى ما أدى إليه من نتائج كارثية، ومن تداعياته التي ما زالت ماثلة للعيان «حرب تموز» التي لم تنته فصولاً لغاية الآن... فحذار التحالف الثاني الذي قد يضيّع لبنان الى الأبد.
آن الأوان للطوائف اللبنانية والقوى السياسية والحزبية أن تتخلى عن محاولات العزل والإلغاء للآخرين، التي تتكرر في كل مرحلة تجد فيها إحدى الطوائف نفسها في وضع إقليمي ودولي مؤاتٍ فتقوم بتهميش الآخرين والاستئثار بالسلطة، وطمس كل رأي مختلف، وكأن تجربة الحرب الأهلية وتجربة الاحتلالات، وتجارب الأزمات السياسية والاقتصادية التي لا تنتهي لم تكفها للاتعاظ... آن الأوان لإقرار قانون انتخابي عادل يعبّر عن إرادة الشعب الحقيقية. هذا ما نحتاج إليه وهذا هو المدخل الأساسي والصحيح لأي تغيير وإصلاح منشود في لبنان.
* باحثة لبنانية