برزت العولمة بوصفها إطاراً يحاكي جملة من التحولات التي يشهدها العالم، والتي تنتج منها إعادة تشكيل الخريطة العالمية،

بسائر أبعادها... من هنا، لم تكن ظاهرة العولمة سوى انعكاس لاختلال موازين القوى العالمية، في المجالات كافة، من دون أن يعني ذلك أن هذه الظاهرة مسار ناجز ونهائي، بل ثمة إمكان لمواجهتها، أو الحد من آثارها، في حال التماثل معها لناحية عناصر القوة التي تتزود بها وفي زمن العـولمة، بات العالم العربي ساحة مستباحة بوصفه مــيداناً تراجعياً أمــــــام تقدمها، ما يدفع إلى التــــساؤل: مــــا هي تداعيات العولمة على العـــالم العـربي؟

العرب والاقتصاد المعولم: أزمة الإندماج




عبد الحليم فضل الله *

لا تزال المقاربة الأيديولوجية متقدمة على ما عداها في تحليل علاقة العرب بالعولمة. ولأنها كذلك لم تكن يقظة بما يكفي لتمييز التغيرات الدقيقة المتراكمة، ورصد التحولات التي تحصل سواء في طبيعة هذه الظاهرة أو في اتجاهاتها.
فقبل عقد ونصف عقد تقريباً، عندما كانت محرّكات العولمة ناشطة جميعها وبقوة، كان الاقتصاد العالمي يميل أكثر فأكثر إلى حركتيْ تمركز: الأولى حول التكتلات الصناعية الكبرى وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، والثانية حول الشركات المتعددة الجنسيات التي باتت أكثر سطوة وضخامة بعد ثورة الدمج والابتلاع الهائلة التي حدثت في التسعينيات. نجحت الرأسمالية العالمية آنذاك أيضاً في «خلق» كائنها العالمي الجديد أي منظمة التجارة العالمية، ليكون الركيزة الثالثة لنظام مؤسسي عابر للدول، فبات ممكناً الإشراف على تحرير حركة الرساميل والمبادلات الدولية، والتحكم من ثم باتجاه التجارة الدولية بعدما تولّت المنظمتان الأخريان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التحكم بالسياسات النقدية والمالية.
وبموازاة ذلك اعتمدت إدارة بيل كلينتون ممارسات أحادية حذرة، تجنّباً لأي تضارب بين المسار السياسي والعسكري وطموح الولايات المتحدة إلى امتصاص «خيرات العولمة» والفوز في التنافس مع المراكز العالمية الأخرى.
مع بداية الألفية الثالثة، خطت العولمة إلى طورها الجديد، لتواجه صعوبات عدة أبطأت تقدّمها السهل خلال التسعينيات، وقد كشفت التطورات السياسية والأمنية والعسكرية عن حجم المبالغات والأساطير التي حيكت حول مسائل عدة كتقلص دور الدولة، وتم تجاهل حقيقة مهمة وهي أنّ العولمة ليست تطوراً طبيعياً في مسار الرأسمالية العالمية بقدر ما هي نتيجة سياسات مقصودة ومدبرة وبرامج وطنية وتحالفات إقليمية ودولية، بحيث أن أي تطور يحصل في إحدى دول المركز ستكون له تداعيات حاسمة على مسار العولمة واندفاعها، وهذا ما حصل في في 11 أيلول 2001.ما هو موقع العالم العربي في هذا المسار المتعرّج للعولمة وللاقتصاد الدولي؟
خلال التسعينيات انقسمت الدول إلى ثلاث مجموعات: دول المركز المسيّرة لمنظومة العولمة والمسؤولة عن رسم توجهاتها الأساسيّة، والدول القادرة على الاندماج التي ازدادت أهميتها شيئاً فشيئاً في صنع القرار الاقتصادي الدولي، والبلدان غير المهيّأة للاندماج الواقعة على هامش الاقتصاد الدولي.
المجموعة الأخيرة عالقة في موقع لا تحسد عليه، فهي لم تتمكن من ركوب تيارات التجارة الدولية الجديدة فتستفيد من منافعها، لكنها في الوقت نفسه ملزمة بدفع الأثمان، بل إنها باتت الحقل الذي يتم فيه تبادل الضغوط والرسائل بين الفاعلين العالميين التقليديين والجدد.
لم تتمكن المنطقة العربية وهي مثال بارز على أزمة هذه المجموعة، من توظيف الأوضاع الجديدة في تحقيق أهدافها على صعد التنمية والتصنيع وتحقيق موقع أفضل في عالم اليوم، لكنها مضطرة إلى الالتزام بسياسات لن ترتدّ عليها بالنفع الكبير، فإن فوز الصين مثلاً بعضوية منظمة التجارة العالمية يمثّل اعترافاً بنموذج من السياسات مشبع بالاستقلال والتمرد على نمطية البيروقراطية الدولية، ويمكن اعتباره إشارة مشجعة إلى أن مقاومة الضغوط هي السبيل الأفضل للفوز بالمنافسات الدوليّة لا العكس. لكن ما الذي ستفعله دولة عربية نفطية وأخرى غير نفطية بعضوية ذلك النادي الدولي «الخطر»، فالأولى مستتبعة لأسواق النفط المعولمة أصلاً والثانية مرتبطة بإنتاج محلي لا يمكن مبادلته دولياً أو بقطاعات متأخرة لا يمكن تعريضها للمنافسة الخارجية، فيما تعتاش دول أخرى على المساعدات والتحويلات الخارجية التي لا يفيدها في شيء تحرير الأسواق.
إن الشرط الأول لتحقيق اندماج حميد في نظام العولمة هو تحقيق مستوى من التطور، تكون حصيلة الاندماج بنتيجته أعلى من التكلفة الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليه. بكلمة أخرى يبدأ طريق العولمة من اللحظة التي يتكلّل بالنجاح مسار التنمية فيها. إن رزمة سياسات تؤدي إلى النمو الطويل الأمد وتحقق التراكم في الرأسمالين المادي والبشري وتسمح ببناء صناعة حديثة وملائمة للطلب، تمثّل اليوم بوليصة تأمين على مخاطر السوق الدولية، التي تزداد حدّةً وانتشاراً.
وحيث إن الدول العربية فشلت في توفير شروط الاندماج الملائمة، فقد تراجعت الديناميات الإنتاجية في اقتصاداتها التي خسرت جاذبيتها وموقعها في الاقتصاد العالمي. فالصادرات العربية لم تعد تمثل مجتمعة أكثر من 5% من مجمل الصادرات العالمية بعدما كانت تزيد على 12.5% منها قبل عقدين تقريباً، وفيما قفزت قيم الاستثمار المباشر على الصعيد العالمي أكثر من عشرين ضعفاً من أوائل التسعينيات حتى اليوم، والتي تعد المقياس الأفضل لتقدم العولمة، تراجعت حصة الدول العربية من 1.4% في أوائل التسعينيات إلى أقل من 0.4% عام 2000، غير أنها أخذت بالارتفاع بعد ذلك ربطاً بارتفاع أسعار النفط، إلا أنّ حصة الصناعة من هذه التدفقات لم يتجاوز 9% والزراعة حوالى 1%.
مؤشر آخر إلى ضعف تكيّف الاقتصادات العربية مع العولمة، وهو تراجع الناتج القومي العربي الإجمالي من أكثر من 4.1% من مجموع الناتج العالمي في الستينيات إلى أقل من 2% عام 2000، ومع أن هذه النسبة قد تحسّنت مع ارتفاع أسعار النفط، فإن متوسط الدخل الفردي لم يتخطَّ ثلاثة آلاف دولار أميركي فيما يعيش ثلاثة أرباع السكان العرب تقريباً على دخل يراوح بين دولار واحد وخمسة دولارات يومياً. ليس هذا فحسب، فالاقتصاد العربي يفقد قدرته على استيعاب العمالة إذ يُتوقع أن ترتفع نسب البطالة بحسب منظمة العمل العربيّة خلال السنوات الثلاث المقبلة لتشمل ربع القوة العاملة العربيّة.
إن تفسير التراجع الذي أصاب مؤشرات التنمية العربية في ظلّ العولمة، يصبح ممكناً إذا أخذنا في الاعتبار أن مكانة دولة ما أو مجموعة ما داخل منظومة العولمة مرتبطة بامتلاكها التالي:
ــ القوة التفاوضية: ينبغي التنبّه إلى أن لعبة العولمة غير عادلة، فالقرارات داخل المؤسسات الدولية تتخذ على أساس سياسي، وفي إطار مزيج غريب من الإيديولوجيا والاقتصاد السيء، كما يقول ناقدون غربيون للتجربة. النجاح في خوض غمار هذه اللعبة يتطلب من الدول النامية العمل على فرض شروطها في المفاوضات العالمية وأن تتمتع في الوقت نفسه بالقدرة على الرفض. بخلاف ذلك، تعاني الدول العربية تراجعاً في القوة التفاوضية، فهي لم تقرر بعد الانضمام إلى نادي معارضي السياسات العالمية الحالية نتيجة وقوعها تحت تأثير الهيمنة الأميركية، وهي لا تستفيد من النفط في تحسين موقعها في المفاوضات المتعددة الأطراف. ويساهم في تراجع قوتها التفاوضية أيضاً ضعف الترابط الإقليمي بين الاقتصادات العربية، فالتجارة البينية لا تتجاوز 9% من مجموع تجارتها الخارجية، بينما تفوق التجارة الإقليمية البينية 50% في الدول المتقدمة، وما لا يقل عن 25% في الأسواق الناشئة. الجدير ذكره أن ظاهرة العولمة ترافقت مع انتشار لا مثيل له للتكتلات التي ارتفع عددها من 7 تكتلات في الثمانينيات إلى أكثر من 80 تكتلاً حالياً، يمر عبرها اليوم ثلث التجارة العالمية تقريباً. وتمثّل المنطقة العربية الحرة (الغافتا) تقدّماً في اتجاه التكامل الاقتصادي، لكن نجاح التجربة يتطلّب حل مشكلات عدة تهددها وعلى رأسها وجود تفاوتات غير مقبولة بين سياسات الدول الأعضاء فيها.
ــ القوة التنافسية: إن التكيف مع تحديات العولمة يتطلب وجود اقتصاد منافس، وهذا مرتبط إلى حد كبير بوجود هيكل متنوع وبالقدرة على الانتقال من الاقتصاد التقليدي المعتمد على المواد الأولية إلى اقتصاد المعرفة. وقد أورد تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، أن تجربة الدول العربية في نقل وتوطين التقانة/المعرفة لم تحقق النهضة التكنولوجية المرجوة، ومع أنها وظفت خلال الثمانينيات والتسعينيات أكثر من 2500 مليار$ في بناء المصانع والبنى التحتية فإن معدل الناتج المحلي للفرد قد انخفض «لأن ما تم نقله فعلاً هو وسائل الإنتاج لا التقانة».
ــ قوة السياسات: يجري التشكيك على نطاق واسع في قدرة الجغرافيا السياسية والحدود، على الصمود أو تأدية وظائف ذات معنى في مجال كوني مفتوح ومعولم، إلى حدٍّ يرى فيه البعض، «أن الدولة القومية تحولت إلى سلطات محلية للنظام الكوني، ويشبه دورها دورَ البلديات في الدول». وعلى أي حال فإن العالم العربي لم يستجمع بعد متطلبات الاندماج والانضمام إلى الاقتصاد الجديد، وإذا كان لا بد من نهضة فإنّ شروطها تبدأ ببناء المجال الحيوي المحلي العربي والإقليمي، وتمر بالبعد السياسي حيث تُظهر التجربة أن الاستبداد السياسي يتحول مع الوقت إلى استئثار اقتصادي والى مزج غير مشروع بين السلطة والثروة، ولا بد لها من أن تنتهي بإعادة النظر في سلّم القيم الذي يفسح في المجال أمام التقدم الشامل.
  • * كاتب لبناني


    السلطة والمجتمع ودول المركز




    وجيه قانصو*

    العولمة نتيجة طبيعية للتطور البشري في مجال تكنولوجيا الاتصالات وتدفق المعلومات، وتعبير عن واقع عالمي جديد يتمثل في الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين بلدان العالم، ولَّدته التدفقات الدولية لرؤوس الأموال وزيادة حجم وتنوّع الصفقات والتعاقدات عابرة الحدود للمواد والمنتجات والخدمات. هذا ما جعل من العولمة مشروع تعقيل (عقلنة) العالم، تتوحد في داخله العلاقات المتشابكة والمتزايدة، ويصير معها العالم نطاقاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً واحداً يجمع بين أفراد البشرية كافة.
    وليست العولمة، مجرد انعكاس آلي للتطور البشري، بل هي أيضاً برنامج ومطالب وسياسة تفرضها جميعاً دول المركز السياسي والاقتصادي، أي هي أشبه بإيديولوجية سياسية واقتصادية، تسعى إلى إطلاق يد الشركات العملاقة، عبر إزالة القيود الاقتصادية، لتستثمر وتسوِّق حيثما شاءت وكيفما شاءت، وإلى التقليل من تدخل الدول ورفع القيود التي تحدّ من حركة الأموال والبضائع والخدمات. وهي شروط ضرورية، بحسب أصحاب النزعة الليبرالية، لتوفير فرص العمل وتحقيق التنمية وخفض كلفة السلع وتوزيع عوامل الإنتاج. فحقبة هيمنة الدولة القومية أو الإقليمية، بحسب هؤلاء، قد ولَّت، ودخلنا حقبة انفصال التحكم على رقعة الأرض، لتقتصر مهمة السلطة السياسية على حماية النظام العالمي للتجارة الحرة،
    رغم طموح القوى الاقتصادية الجامح، وانكشاف ضرورة الدولة مهما كانت تقلبات الواقع الدولي، بل ظهور ضرورتها أكثر من أي وقت مضى، إلا أن المؤكد هو تغيّر ملامح ومرتكزات السيطرة والتحكم التي تقوم عليها الدولة، حيث أصبحت أقل استقلالاً ذاتياً من قبل، وأقل سيطرة حصرية على العمليات الاقتصادية والاجتماعية الجارية على رقعتها الإقليمية. بل أصبحت الدولة أقل قدرة على صون التمايز القومي والتجانس الثقافي. حيث شكلت وسائل الاتصالات الجديدة وتكنولوجيا المعلومات قاعدة لمجتمع مدني عالمي، أضعفت معها سيطرة الدولة الحصرية على رقعتها الإقليمية، وأضعفت كل محاولات الحفاظ على التجانس الثقافي بقوة الدولة، وقوضت الدكتاتوريات الإيديولوجية المحتكرة للمعنى والتفسير. بل غدت الثقافات القومية التي تستهدف الهيمنة على الأفراد عبارة عن مشاريع لمقاومة العالم وإدارة الظهر له، وأصبحت النزعة القومية أو الدينية الأصولية المنطوية على نفسها سياسة الخاسرين، التي لن تحقق سوى مزيد من تهميش لمجتمعاتها.
    هذا يعني حاجة الدول المعاصرة إلى البحث عن مرتكزات أخرى لولاء المواطن خارج نطاق التجانس الثقافي، إذ من المستحيل عملياً بعد الآن، الجمع بين الانخراط في السوق العالمي وبين تجاهل الثقافات العالمية التي ترافقها أو تتطلبها، أو الجمع بين وعي اختزالي للعالم وبين التعدد والتنوع الإنساني الخلاق.
    مشكلة العرب مع العولمة، كما هي مشكلتهم مع الحداثة، أنهم لم يصنعوا (ولو جزئياً) سياقاتها ولم يشاركوا في وضع سياستها، بل هم متلقون سلبيون، يعملون في لحظة الاتصال الأولى على مقاومة تسرباتها، وإنشاء تحصينات عَقَدِيَّة (عقائدية) تبرر العزلة وتعوض الضعف وتضخم الهوية. ثم يجهدون لاحقاً، بعد ضغط العولمة (أو الحداثة) المتنامي عليهم، في التكيف معها والاستفادة من مكتسباتها، ولكن هذه المرة بطريقة انتقائية وتوليفية، تساعد على ترسيخ الواقع السياسي واستقراره، وتقلل من قدرتها على خلخلة توازن القوى المحلي، وتُبعد تأثيراتها عن نظام أو بنية العلاقات الاجتماعية المتجذرة. بحيث نشهد عولمة شكلية، كما نشهد حداثة شكلية، تبقى تحت التحكم والضبط الرسمي، تستفيد منها قوى السلطة في تثبيت مواقعها وترويج إيديولوجية تسلطها لضمان مشروعيتها، وفي مراقبة قوى الاحتجاج وملاحقتهم. ليصبح لدينا شكل عولمي كاذب لمضمون تقليدي يستمر في تحييد نفسه، بمسوّغات سلفية وتبريرية، عن أي استحقاق تاريخي يستدعي بشدة إنتاج مقومات أو منطق علاقة جديد وبلورة أُطُر فهم للذات وللعالم تتجاوز التشكيلات المعرفية المغلقة.
    صحيح أن خيار التكيف مع العولمة الحالية (أو الحداثة) لم يكن حراً بالمطلق، بل هو استجابة قسرية لضغوط دول المركز وقوى الاقتصاد العابرة، تجعل من العولمة استراتيجية تحكم من قبل المحاور السياسية والاقتصادية في العالم ـــ وليس مجرد سياق عفوي للتطور البشري ـــ ترغم الدول الأطراف على إعادة هيكلية مشهدها الاقتصادي لتتسبب في تعطيل وتهميش الكثير من قوى الإنتاج المحلي، وعلى اعتماد سياسة تنمية لا تستفيد منها، وعلى فتح سوقها أمام منتجات وسلع رخيصة تزيد في نسبة الاستهلاك المحلي من دون تولد وفرة مقابلة، وعلى تماثل بناها السياسية لتكوينات دول المركز ودَوْزَنَة برامجها الداخلية لتتناسب مع استراتيجيات تحكمها بحركة إنتاج وتوزيع الموارد في العالم. هذا يعيدنا من جديد، إلى إشكالية تبعية دول الأطراف للمركز، وأزمة مستغِل ومستغَل، ومعضلة انقطاع السياقات التاريخية للواقع المحلي، والخلل الوظيفي الذي تولده محاكاة نموذج سياسي واقتصادي نشأ في تاريخ غريب عن المجتمع المحلي وينتمي إلى نصاب مجتمعي مختلف جوهرياً. بحيث وبدلاً من توليد العولمة لفعالية داخلية، فإنها تتسبب بتزعزعات بنيوية وتوترات محلية، لا تقتصر على نظام العلاقات السياسي والمجتمعي، بل تصل إلى سؤال الذات عن حقيقتها وهويتها.
    رغم كل هذه الاختلالات، فإنها لا تبرر حصر التعامل مع العولمة بروحية الاحتجاج، بل لا بد من التعامل معها كأفق تاريخي يطل على المستقبل، وبذهنية الاكتشاف لمستوى وجود إنساني جديد، وبروحية الانخراط في جدلها (أي العولمة) وصراعاتها، لغرض تحسين شروطها وتعديل موازين القوى فيها والعمل على أنسنتها وتخليقها. ليتحول التعولم بذلك من حالة تبعية بين مركز وطرف، أو من فعل انسلاخ عن ذاكرة ذاتية ومخيال جمعي ونظام قداسة (أو قيم) خاص، إلى فضاء تفاعلي وإمكانات أو فلسفة وجود جديدة، وأطر متطورة وعادلة في إنتاج وتوزيع الموارد بين البشر..
    قد لا يختلف إثنان في هذه الرغبة، إلا أن المعضلة تكمن دائماً في الحديث عن الإمكانات والشروط الذاتية، التي لا بد من استحوازها لتحقيق شرط الفاعلية أو التفاعلية في عولمة العالم، وللخروج من وضعية الاحتجاج والتبرير إلى وضعية المشروع الباحث عن توليد إمكانات وجود محدثة.
    فبالقدر الذي تتم فيه مقاومة عولمة التبعية المبرمجة التي تشرطها قوى المركز الاقتصادي والصناعي، لا بد وبالقدر نفسه، من تلقي العولمة بكامل مقتضياتها الفكرية والسياسية والعلائقية بل والدينية أيضاً. ليست العولمة شيئاً غريباً وافداً، بل هي شرط إنساني انبثق بعد تراكم تفاعلات إنسانية كبرى، لا لتهدد أي وجود إنساني بل لتطرح رهانات حياة مختلفة، مليئة من جهة بالتحديات والألم والكدح والتوتر، ومليئة من جهة أخرى بالتعدد الخلّاق والشمولية الإنسانية والسعة الأخلاقية.
    لذلك، لا معنى من تجزئة أو انتقاء عناصر من العولمة ونبذ أخرى، لأنها ليست شملة عناصر أو كمية معطيات، ولا قيمة لعولمة شكلية تعزل الذات عن مفاعيل الحدث العالمي وتنحصر ردات فعلها في الاندهاش بما يحصل في العالم. فالعولمة فضاء إنساني مختلف، لا بد أن يُتلقى بكامل مقتضياته القيمية والمعرفية والعلائقية بل والدينية أيضاً. ليست العولمة أداة أو آلة، بل هي مجال وجود علائقي وفهم إنساني جديد لمعنى الحياة. بهذا، وكما نحتاج للعمل على إعادة إنتاج العولمة على الشرط الإنساني الأوسع لا على مصالح الدول والشركات الخاصة، نحتاج أيضاً إلى إعادة إنتاج واقعنا على شرط العولمة، وإلى دخول الذات الفردية والجمعية في تجربة التعولم الصعبة، مع كل ما تتطلبه من قلق وخوف وخسارة، وتفكك للكثير من أطر التضامن التقليدية، وزعزعة لقواعد الولاء المألوفة.
    من هنا، فإن عولمة السلطة أو الدولة لا تكون بتجاوزها أو إلغائها، فهذا وهم روّجته قوى الاقتصاد الكبرى لتبرر لامحدودية سيطرتها على الموارد ونظام الإنتاج والتوزيع، بل تكون بإعادة ابتكار شروط سيادية جديدة وقواعد ولاء وتضامن مرنة، تضبط التداخل بين الخاص والعام، بين الخصوصية والكونية، وتكون أيضاً، بنسج مبادئ قيمية، تدفع الفرد إلى الاندماج بالآخرين في العالم، ويكون في الوقت نفسه قادراً على تعريف نفسه.
    آن أوانُ المصالحة مع العالم، الذي لا يقتصر على عقد العهود والمواثيق الدولية، بل هي عملية تصل عميقاً إلى موقفي من الآخر وعلاقتي به. هي سلوك، يستدعي الاعتراف بمكونات العالم وتنوعاته واعتبارها أصيلة وحقيقية بنفس حقيقة الإنسان والوجود. إنها اعتراف بآخر في العالم، لا كحقيقة إنسانية وحضارية وتاريخية وسياسية فحسب، بل كحقيقة دينية وإيمانية أيضاً.
    العولمة ورشة ذات قبل أن تكون مشروع سوق.
  • * استاذ في الجامعة اللبنانيةdiv align="center">العولمة والدين: ضرورة المواجهة الخلاصيّة