عبد الحسين شبيب *


انطلاقاً من القراءة المحلية، ثمة سببان يمكن اعتمادهما لتفسير ما يحصل في لبنان:
الأول يتعلق بالرغبة في توظيف المحكمة ذات الطابع الدولي أداة ابتزاز في الصراع السياسي الداخلي، أكثر من كونها وسيلة قانونية لكشف حقيقة من قتل الرئيس الحريري ومعاقبته. هناك الكثير من الوقائع التي تثبت هذه النية أحدثها الكلام الصريح للنائب وليد جنبلاط قبيل ساعتين من المؤتمر الصحافي لبري عندما قال انه «يقبل فقط بتعديلات شكلية على مشروع المحكمة»، أي إنه لن يسمح بتفريغها من إمكانية التوظيف السياسي وحصرها بوظيفتها الجنائية وفقاً لما تريده المعارضة لمصلحة لبنان والحقيقة.
الثاني يتعلق بالحكومة، وهي نقطة النزاع الثانية. فالفريق الحاكم لا يثق بأن تلتزم المعارضة بتعهّداتها حتى لو كانت خطية. فهو يقوم بعملية إسقاط تلقائي لطريقة تعامله مع الطرف الآخر، والقائمة على الخداع. حصل ذلك مع العماد ميشال عون قبيل عودته من فرنسا وأثناء المفاوضات الانتخابية، وحصل ذلك مع حركة أمل وحزب الله من خلال التنكّر للحلف الرباعي وفرطه أولاً، ثم الانقضاض على البيان الوزاري ثانياً، ثم التواطؤ على المقاومة ودسّ الدسائس لها وكشف ظهرها ومحاولة نزع سلاحها قبيل وأثناء وبعيد انتهاء حرب تموز ثالثاً، لا بل إن الخداع طال الراعي الإقليمي المفترض لأبرز تيارات فريق السلطة ــ تيار المستقبل ــ عندما تم التنكر لاتفاق الرياض الشهير مع حركة أمل وحزب الله، الأمر الذي استدعى اعتذاراً متلفزاً من النائب سعد الحريري من على شاشة قناة «الجزيرة».
إذاً هناك اعتقاد لدى هذا الفريق أن المعارضة ستتنكّر لالتزاماتها معه لتردّ له عملية الخداع والتحايل التي ارتكبها، وبالتالي تفرط عقد الحكومة التي هي أداة السلطة الوحيدة بيده حالياً، فضلاً عن تفريغ المحكمة من إمكانيات الاستثمار السياسي الداخلي.
وفيما لو كان تفسير مسار الأحداث اللبنانية يتم من زاوية محلية فإنه يكفي للاستنتاج بأنه لا أحد من الفريق الحاكم يمكنه حالياً أن يقدم على تسوية تجرّده من عناصر استقوائه، وخصوصاً أنه يصف الثلث الضامن بـ«الثلث القاتل».
لكن هذا الشق يبدو هامشياً أمام الإطارين التفسيريين الحقيقيين، الإقليمي والدولي، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المبادئ التي تدير بموجبها الولايات المتحدة سياستها الخارجية، وأبرزها أولوية المصلحة الأميركية على الأخلاق والالتزامات. بمعنى انه عندما تقتضي المصلحة الأميركية بيع «الحلفاء» (الأدوات) في سوق المقايضة فإن شيئاً لن يمنعها من ذلك.
وفي الواقع فإن هذا النمط من التعاطي هو الهاجس الأكبر الذي يقلق الفريق الحاكم في لبنان. فقد عبّر عن ذلك البطريرك الماروني نصر الله صفير في أول زيارة له لواشنطن بعيد «ثورة الأرز» عندما قال إنه ذاهب لمعرفة ما إذا كان الأميركيون سيتركونهم في منتصف الطريق كما فعلوا مراراً. وأيضاً عندما أُثير الأمر مجدداً بعيد إعلان عقد مؤتمر بغداد في العاشر من هذا الشهر، الأمر الذي استدعى «تطمينات» أميركية من وزيرة الخارجية كونداليزا رايس إلى أن بلادها لن تقايض على حلفائها في لبنان.
في أي حال، هناك فرضيتان تهيمنان على تحليل الموقف الأميركي:
أولاً، هناك من يقول إن الولايات المتحدة ليست في وارد عرض أدواتها اللبنانية للبيع في مؤتمرات الحوار الإقليمي مع سوريا أو إيران، لأسباب عديدة. فواشنطن التي أدارت مباشرة حرب تموز لتصفية حزب الله لن تمنحه وحلفاءه في المعارضة نصراً سياسياً بعدما كسبت المقاومة نصراً عسكرياً لا تزال اسرائيل وستبقى حتى أمد تتجرّعه هزيمة مُُرّة؟ ثم كيف توافق على ترييح حزب الله بعدما سعت لإنهاكه عسكرياً وسياسياً، وهو الذي من وجهة نظرها ونظر اسرائيل لا يجب ترييحه سياسياً، لأن أي تغيير حكومي فضلاً عن انه سيحسب انتصاراً له ولحلفائه، سيوفر بيئة محلية جديدة يستثمرها في تعزيز قدراته العسكرية والحد من فعالية القرار 1701 حسب التفكير الأميركي والإسرائيلي طبعاً. وفوق كل ذلك فإن استعراض خريطة النفوذ الأميركي في المنطقة يظهر كم يعاني جورج بوش وفريقه من القلق والخوف بسبب اختلال منظومتهم الإقليمية، فهل هم في حاجة الى مزيد من التفريط بأوراق النفوذ هذه، ولا سيما اللبنانية منها، مع ما يعنيه ذلك من تفعيل المخاطر المحيطة بإسرائيل؟
ثانياً، هناك من يعطي الأولوية للمأزق الأميركي في العراق الذي تزداد خسائره يوماً إثر آخر بشكل لم يعد يمكن تحمّله. وبالتالي فإن موافقة جورج بوش على الجلوس مع الإيرانيين والسوريين إلى طاولة واحدة في بغداد ثم في إسطنبول الشهر المقبل، يعني ان الرجل يتوسّل حلاً يتيح له خروجاً بأقل قدر ممكن من الهزيمة في هذا البلد. أي إنه يحتاج الى فترة من الاستقرار الأمني والسياسي في العراق يتوّج في ختامها عملية «تحرير» هذا البلد، ومن ثم يعلن الانسحاب العسكري منه مع ادعاء إنجاز ما، لأن الخروج تحت النيران لن يكون بمثابة خروج محض عسكري، بل سيعني زلزالاً للسياسة الخارجية الأميركية ومظاهر الإمبراطورية الحالية، وسيكون له انعكاسات مدمرة على الأمن الأميركي حسب آخر تصريح لبوش.
وعليه فإذا كان الاتجاه الأميركي يميل نحو هذا التفكير، فمن تقنيات التفاوض ان يعزز بوش أوراقه على الطاولة بانتظار المساومة الكبرى. لذا لن يكون من المنطقي ان يفرّط بالورقة اللبنانية قبيل إنتاج تسوية إقليمية، بل سيحتفظ بها الى حين يستحق أوان المقايضة، لا بل إن من وسائل التفاوض الناجح رفع سعر الأوراق لتحصيل أكبر قدر من المكاسب من الطرف الآخر.
لكن هناك مقاربة أشمل تصلح نموذجاً تفسيرياً عاماً يتجاوز الأزمة اللبنانية إلى فهم مسار كل أزمات المنطقة. فعندما يقال ان هناك مشروعاً أميركياً للمنطقة، فهذا الكلام ليس مجرد نص إنشائي أو حديث أيديولوجي أو استنساخ لهاجس المؤامرة، بل هذا حقيقة واقعة يُعمل عليها في إطار ما سُمّي «الشرق الأوسط الجديد» الذي بدأت آلام مخاض ولادته في حرب تموز 2006، وفقاً للتصريح الشهير لكونداليزا رايس. هل كانت تلك الحرب بقوتها النارية الاستثنائية في تاريخ الحروب الإسرائيلية ضد الدول العربية مجتمعة، لمجرد القضاء على تنظيم عسكري؟ لقد كان هذا هدفاً مركزياً يوازيه هدف آخر يتعلق بإعادة تشكيل المنطقة، لكن المقاومة الإسلامية نجحت في إجهاضه أيضاً كما أجهضت الهدف الأول. لكن الولايات المتحدة واسرائيل لم تتخلّيا عنه، لا بل أصبح مع تفاقم خطر كل قوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، وأيضاً سوريا كدولة، ومعهم جميعاً القوة الإيرانية الصاعدة، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
من الواضح ان موقع لبنان كان ولا يزال مركزياً في عملية تغيير وجه المنطقة، وبالتالي فإن انتظار حل للأزمة اللبنانية في سياق تفاعلات وحوارات محلية يقارب المستحيل في ضوء وجود مشروع كهذا. وتفعيل الأزمة اللبنانية واحدة من عمليات تفعيل الأزمات التي يُتوقّع أن تظهر تباعاً. وما حصل في الساحة الفلسطينية من محاولة جرّ إلى حرب أهلية بين فتح وحماس، أكد صوابية هذا التحليل. وإذا كان اتفاق مكة قد نجح في وأد الفتنة برعاية السعودية وتعاون إيران وسوريا، فهل سيسمح بتكرار التجربة لبنانياً برعاية وتعاون مثيلين وفقاً لما بدأ الرئيس بري به مؤتمره الصحافي؟ ولا سيما ان واشنطن تعتقد انه لم يحن الأوان بعد للسماح بأن تنتج التفاهمات الإقليمية البينية حلولاً لأزمات المنطقة.
* صحافي لبناني