زياد سعيد


كما أن هناك، في البلد، من لديه أن السلطة تعلو على الدولة، بدليل هذا الاستئثار الفظ الذي تبديه المجموعة الحاكمة، فإن هناك أيضاً من لديه أن الشعار يعلو على المعنى، أو يتجاوزه، وهو ما تظهره اللافتات البيروتية العملاقة التي تحمل عبارة «أنا أحب الحياة». وهي عبارة إعلانية تبدو قريبة من السياق الإعلاني العالمي السائد، الذي ينسب إلى نفسه قدرة الاختراع. اختراع المعنى تحديداً.
«أنا أحب الحياة» عبارة مجانية أخرى. تضاف إلى كم العبارات التي سبق لها أن راجت وهيمنت، والتي لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والثقافي الهجين نفسه، الذي أطبق على البلد طوال سنوات الوصاية السورية ــ الأميركية المشتركة، ويراد له اليوم أن يحكم زمن ما بعد انكسار هذه الوصاية.
«بيروت مدينة عريقة للمستقبل» عبارة تافهة سبق لها أن هيمنت، ولم تفعل، على رغم ما امتلكته من قوة الذراع الأمنية، غير أنها أسست لتزوير إضافي استكمل التزوير الأصلي الذي ارتدى قناع «إعادة الإعمار» فصادر المدينة وتاريخها، وأعمل في جغرافيتها الهدم والتقطيع، الذي عجزت عنه سنين الحرب الأهلية المديدة نفسها.
عبارة اليوم الصادرة عن العقل نفسه، تحاول التزوير نفسه مع فارق وجود الصعوبات الناجمة من انكسار ميزان القوى السياسي والأمني الذي منح لسابقتها إمكان الرواج، أو الهيمنة المطلقة.
مجانية العبارة واضحة ويمكن القول إنها تستوي مع مجانية الزمن السياسي اللبناني الراهن، الغارق في بحر صراعات يخيّل أنها بلا أفق، أو يراد لها أن تكون كذلك.
يحاول الشعار القول ببراءة ما، إلا ان هذه البراءة الواهية التي لا تملك المسوّغ الواقعي لتماسك تحتاج إليه، سرعان ما تتهاوى، وخصوصاً إذا ما عُرفت هوية الجهة التي تقف وراءها. وهي الجهة نفسها التي أمعنت من مواقعها الراسخة في السلطة، في تبديد معنى الحياة، وإحالته الى حق مكرس وخاص بفئة اجتماعية محظوظة، وإن تجاوزها فإنه يأخذ شكل الفتات. ليست الحياة أهم من نوعها ويصعب ان تكون كذلك، بل هي أغلى وأغنى من أن تقولب أو تحصر في معنى واحد، وهو المعنى الذي تحاوله العبارة المذكورة آنفاً. الحياة شكل ومعنى. ومعناها لا يقل عنها نفسها. يصعب جداً الفصل بين حب الحياة ونوع هذه الحياة. الفصل فعل قسر لا يتم، وخصوصاً انه ينزع عنها المضمون الغني الذي تنطوي عليه. وهو ما يتعذر حصره في شعار أو عنوان مهما كانت درجة بلاغة هذا الشعار. فكيف الحال ونحن بإزاء عبارة قوامها الوحيد الإنشاء التافه الذي لا يقول شيئاً.
المعنى والنوع عنصران ضروريان لتحقق الحياة. ويمكن الإضافة والقول إن من يملك أسباب الحياة هو وحده من يستطيع المجاهرة والقول بحب الحياة.
يقوم الشعار في اختياره العمومية على لبس يريد من ورائه احتلال حيز الفعل السياسي والثقافي المؤثر. ويغيب عن واضعيه أن كل لبس أو التباس يحمل بالضرورة شبهة التزوير. وهي بالتأكيد حال وعود «الورقة الإصلاحية» المعدة لمؤتمر «باريس 3»، والتي تحاول هي الأخرى التزوير والقفز على واقع المسؤولية المباشرة وغير المباشرة عن الواقع الاقتصادي والسياسي المزري.
يكاد الانسداد السياسي الناتج من تعنّت الفريق الحاكم أن يذهب بالبلد. ومع ذلك فاللامبالاة التي يتسلح بها فؤاد السنيورة وفريقه، هي سيدة الموقف. «المبادرات» القليلة التي أتت بعمرو موسى، وغيره من «سعاة» العرب، لم تكن كذلك أبداً. كانت مجرد مناورات مدروسة، هدفها الأول والأخير تمرير الوقت، أملاً في حصول متغيرات تتيح حقن «الخسائر»، التي تتالت منذ سقوط العدوان العسكري المباشر، وقد نجحت نسبياً في تحقيق هذا المراد الغالي. من المهم أن لا يغيب عن البال أن من يروّج للحياة سواء بالوعود، وهي حال السنيورة، أو بلافتات حب الحياة، يتعمّد الاستئثار بالحياة ومقوماتها الحقيقية المعروفة.