زياد حافظ *


أعود مرة ثانية لأعبّر عن قلقي وقلق العديد من المثقفين القوميين والوطنيين حول مستقبل المقاومة. كنت قد عبّرت عن هذا القلق في مقال نشر في صحيفة «الأخبار» في أيلول 2006. وعند كتابة هذه السطور ــ أي في أوائل شهر كانون الثاني 2007 ــ أجد نفسي مضطراً إلى إعادة ما أتيت به آنذاك من قلق وتوصيات لأن الظروف مؤاتية لمراجعة الأداء والمواقف السياسية.
عبرّت عن قلقي آنذاك من باب الحرص على المقاومة. فهي بالنسبة إلي وبالنسبة إلى جميع أبناء ثورة يوليو الناصرية وجيل الحركة الوطنية اللبنانية التي أنا منها وفيها وأنصار حركات التحرر العربية ــ هي وجه المشروع الوطني في لبنان والمشروع العربي النهضوي الوحدوي للأمة العربية. وإذا كانت الحرب على لبنان هي أولاً وأخيراً ضد المقاومة وسلاحها وما تمثله من ثقافة الممانعة ضد المشاريع الأميركية والصهيونية في المنطقة فإن الصراع السياسي القائم اليوم في لبنان ليس إلاّ امتداداً لتلك الحرب. فلا الحديث عن المحكمة الدولية على رغم أهميته بسبب ارتباطه بالقضية السياسية الكبرى ولا عن إخفاقات الحكومة اللبنانية في معالجة قضايا المواطنين وإن كانت في منتهى الأهمية في قضية الصمود ولا عن أدائها خلال العدوان الإسرائيلي وبعده هو جوهر النزاع السياسي الداخلي بل هو، بالنسبة إلى «الأكثرية» الحاكمة بما تمثله من امتداد لسياسات الإدارة الأميركية والفرنسية، القضاء على المقاومة سياسياً وشعبياً أولاً وأخيراً. كنت أيضاً قد طرحت سؤالاً اعتبرته مركزياً وما زال، وهو كيف نحمي المقاومة؟ والمقصود بـ«نحن» كل من يحمل ويؤمن بمشروع التحرر العربي والوحدة القومية والوطنية وكل من يريد بناء مجتمع عربي في لبنان يوفّر لأبنائه الحياة الكريمة. هكذا أفهم المشروع العربي النهضوي وهكذا أفهم حماية المقاومة وإقرار السلم الأهلي في لبنان كأولوية للعمل السياسي ضمن الصف الوطني والقوميمن هذا المنطلق عبّرت عن خشيتي من أن تنزلق المقاومة عبر عمودها الفقري حزب الله وسيّدها في وحل السياسة الداخلية. فإذا كانت حماية الجبهة الداخلية من الطعن بالظهر كما تجلّى في سلوك رموز الحكومة ومن يدعمها قبل وخلال وبعد العدوان سبباًَ وجيهاً يبرّر الالتفات إليها إلا أن التعاطي بالشأن الداخلي له مستلزمات لم تكن قيادة المقاومة أعدتها قبل المعركة وبعدها بالعناية نفسها التي أعدّت للمعركة العسكرية مع العدو. ويبدو لي أن قيادة المقاومة أحسنت بل أبدعت في إدارة الشأن العسكري مع العدو إلاّ أنّ إدارتها للمعركة السياسية كانت وما زالت حتى هذه الساعة دون المستوى التي كنت أنا ومن معي في هذا المعسكر نتوقعه من الذي استطاع هزم جيش العدو وكسر هيبته ودحره إلى مستنقعات التساؤل والتشكيك الوجودي. فضخامة الإنجاز العسكري الذي حققته المقاومة لبنانياً وعربياً لم يوازه إنجاز سياسي داخلي. وربما ذلك الإخفاق كان حتمياً بسبب الاجتهادات غير الموفقة التي ارتكبت من جانب قيادة المقاومة وحلفائها. وإذ أسمح لنفسي بتوجيه هذه الملاحظات فلأنها نابعة من صدق ومحبة وحرص على المقاومة التي أصبحت مسؤولياتها تفوق الساحة اللبنانية لتشمل الساحتين العربية والإسلامية.
أولى هذه الملاحظات هي عدم الإقدام على ما أوصيت به في مقالي في شهر أيلول وهو إنشاء مجلس وطني للمقاومة يضّم كل القوى المناصرة للمقاومة والمؤلفة من كل أطياف النسيج الوطني التي لا تستطيع الالتحاق بحزب الله، ويكون مسؤولاً أولاً عن التصدي للهجمات السياسية الموجهة إليها، وثانياً عن ترويج ثقافتها بين المواطنين اللبنانيين وغيرهم، وثالثاً عن التصدي للخطاب المذهبي التحريضي الذي تبثه وسائل إعلام قوى السلطة والذي يهدف إلى تحقيق عدة أهداف منها نزع الهالة عن المقاومة وحصرها في منبت طائفي مذهبي بغيض وتغييب النصر العسكري والسياسي الذي تمّ تحقيقه.
فالخطاب المذهبي لقوى الأكثرية ــ والمقاومة ليست مسؤولة عن ذلك مباشرة ــ أدخل خطاباً جديداً تمّ فيه استبدال هوية العدو الذي يريد الفتك بلبنان ومقوماته بـ«عدو» وهمي هو بعيد جغرافياً ألا وهو «الخطر الفارسي». ويمعن ذلك الخطاب المذهبي العنصري في احتقار سوريا وتهميشها عبر اعتبارها دولة تابعة لإيران. وأذكّر هنا بأن الجمهورية الإسلامية في إيران قدّمت بالفعل خلال الحرب وبعدها كل الدعم للبنان بكل أطيافه ومقاومته وحتى لحكومته عندما عرضت عليها تزويد الجيش اللبناني كل المعدات الدفاعية الجوية لردع الانتهاكات اليومية للعدو الإسرائيلي للسيادة اللبنانية الحاصلة تحت أنظار القوات الدولية «الصديقة» التي أتت مبدئياً لحماية لبنان ولكنها بالفعل كانت وما زالت موجودة لحماية العدو. وإن تجاهل دور سوريا في فرض الاستقرار والأمن وتحقيقهما في لبنان رافقته حملة نكراء تتنكر لتلك الإيجابيات الأساسية التي أصبح لبنان يفتقدها اليوم في عهد الوصاية الغربية الداعمة للكيان الصهيوني. فالسلبيات التي ارتكبها بعض رموز القيادات الأمنية السورية في لبنان لا تبرر الموقف المتشنج من سوريا لرموز ما يسمى الأكثرية. وعلى رغم خروج الجيش السوري بالشكل الذي تمّ فيه فإن سوريا أعربت عن تضامنها مع الشعب اللبناني خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان خلال الصيف الماضي عبر إيواء النازحين ما يؤكد أصالة ذلك البلد واستمراره في دور الشقيق الأكبر وبالتالي هناك ضرورة ملحة لترميم العلاقات بين القطرين الشقيقين اللذين لن يفيد فراقهما إلاّ العدو. ولكن «العدو» اليوم وفقاً لذلك الخطاب المذهبي التحريضي التفتيتي للأكثرية الحاكمة أصبح المحور «الشرّير» الذي تكوّنه كل من إيران وسوريا والذي تروّج له أصلاً الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني وحلفاؤها في المنطقة العربية بينما يتمّ تغييب كليّاً الخطر الصهيوني على لبنان وعلى المنطقة، وكأن المقاومة وحلفاءها أقدموا عن سابق تصور وتصميم على القيام بعمل عسكري ــ أعتبره بطولياً وهو أسر الجنديين الإسرائيليين ــ لتدمير لبنان خدمة لإيران وسوريا. والكلام على «المغامرة غير المحسوبة» الذي تروّجه الأكثرية الحاكمة تبين بطلانه عبر كشف نيّات الإدارة الأميركية وحليفتها بالتخطيط المسبق للحرب على لبنان.
من جهة أخرى، استطاعت قوى الإفساد والفساد المالي من تجنيد من أمضى حياته الفكرية والنضالية يكافح ضد قوى الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية ــ فما أشبه الأمس باليوم! هذه النخب تتكلّم اليوم من دون أي حرج على «تجاوزها لـ» عقدة «إسرائيل» وضرورة «الالتحاق» بالشرعية الدولية التي تساند الكيان الصهيوني. وإنّ منهم من يبرّّر من دون خجل ضرورة «الانحراف بعض الشيء» لكي «نستطيع التعاطي مع دوائر القرار». فالانحراف الأخلاقي يتماشى مع الانحراف السياسي بل يبرّره بكل ما لديه من وسائل. في مطلق الأحوال أصبحت المعركة الإعلامية و«الفكرية» لا تقلّ شراسة عن المعركة العسكرية بل هي بالفعل أخطر منها لأنها تهدف إلى إلغاء ثقافة الممانعة واستبدالها بثقافة الهزيمة وأشكالها المختلفة وتدمير النسيج الوطني ووحدة أبناء الوطن. وللأسف استطاع ذلك الخطاب المذهبي التفتيتي لقوى «الأكثرية» الحاكمة أن يستهوي فريقاً كبيراً من اللبنانيين كانوا تاريخياً الوعاء الوطني للحركة العروبية والقومية في لبنان وفي المنطقة العربية ــ فالآن أصبحوا ضحايا الخطاب المذهبي التحريضي وبعيدين من الموقف القومي. وكنت أتمنى أن يقوم المجلس الوطني للمقاومة ــ الذي لم ينشأ حتى اللحظة ــ بمخاطبة أولئك اللبنانيين الذين وقعوا تحت تأثير التضليل الإعلامي والشحن المذهبي البغيض بغية استرجاعهم إلى الصف الوطني والقومي الذي كانوا هم بالأمس روّاده.
الملاحظة الثانية هي ضرورة تعبئة كل القوى الشعبية والمثقفة التي لا تستطيع لأسباب عديدة الانخراط في صفوف حزب الله. لقد أثبتت وقائع الحرب على لبنان التفاف اللبنانيين حول المقاومة التي لم تخذلهم يوماً ما في الإيفاء بما وعدتهم وتعدهم به، والتي كانت دائماً صادقة في ما تقوله. لكن اليوم هذا الالتفاف الشعبي أصبح أضعف مما كان عليه أيام الحرب وهذا شيء طبيعي إذ تطغى المشاغل اليومية والبحث عن لقمة العيش على الاعتبارات الوطنية المحقة. من هذا المنظور يبدو أن المقاومة لم تعط الانتباه الكافي لهذا الأمر وإن أسرعت بعد إعلان وقف إطلاق النار إلى مباشرة إعادة ترميم وبناء ما هدمه العدوان الإسرائيلي تسريعاً في عودة النازحين إلى ديارهم ورفع ثقل الاستضافة القسرية على إخوانهم المستضيفين في مختلف المناطق اللبنانية. والجميع يشهد للحزب ولجمهوره وللنازحين بشكل عام الانضباط واللباقة اللذين أبرزوهما خلال تلك الأيام الصعبة واللذين ساهما في المزيد من الاحترام والتقدير عند الجميع. وبغض النظر عن ذلك الموضوع فلا بد من التوقف عند حقيقة واضحة ألا وهي أن الحزب الذي يطرح نفسه وعن حق أنه قائد المقاومة لم يقدم على طرح برنامج تغييري شامل ببعده السياسي والاقتصادي والاجتماعي يحقق الدعم للمقاومة الوطنية ويوفر التضامن الوطني والصمود. هنا تكمن ضرورة التعبئة لأهداف واضحة يفهمها الجميع ويوافق عليها. إن ما حصل بعد وقف العمليات العسكرية هو بروز خطاب سياسي عند الحزب ساهم من حيث لا يدري في الفرز أكثر مما ساهم في التعبئة والجمع وإن كانت شجون سيد الحزب في مكانها إزاء أداء الحكومة وبعض رموز الأكثرية قبل الحرب وخلالها وبعدها. إن التناقض بين حجم التعبئة الجماهيرية الهائلة منذ خطاب النصر في 22 أيلول حتى خطاب الاعتصام في كانون الأول في ساحتي الشهداء ورياض الصلح وبين ضحالة المطالبة السياسية بحكومة وحدة وطنية والمشاركة بـ«الثلث الضامن» مع من تمّ اتهامهم بالتواطؤ أو بالخيانة يدل على إدراك دقيق لأبعاد المعركة وتقدير للواقع السياسي في لبنان وفي المنطقة وعلى الصعيد الدولي. فإذا كان الإدراك يقضي بتواضع المطالب السياسية فلماذا إذاً الركون إلى خطاب تصعيدي ساهم في الفرز السياسي وأفسح المجال للخطاب المذهبي التفتيتي عند فريق الأكثرية؟
الملاحظة الثالثة تتعلق بعمل الحزب في الساحة السياسية في لبنان. أقرّ بأنه من حق الحزب أن يقوم بما تمليه الظروف عليه لحماية نفسه سياسياً وأمنياً في لبنان ولتحقيق أهدافه السياسية مهما كانت. ولكن بسبب موقع الحزب في قيادة المقاومة الوطنية للاحتلال الصهيوني وأطماعه في لبنان كنت أتوقع أن تكون مهمته الأولى والأساسية الحفاظ على هذا النهج والإصرار على السلم الأهلي وعدم الغوص في أوحال السياسية الداخلية في لبنان وذلك حفاظاً على هالته وقدسية مقاومته. أما وأن الظروف شاءت أن يكون الحزب لاعباً أساسياً على الساحة الداخلية فقد كنت أتوقع أن يرفق عمله ببرنامج تغييري يميزه من القوى السياسية الأخرى ويتماشى مع مقتضيات دور المواجهة مع العدو الصهيوني والمشاريع المشبوهة المرسومة للمنطقة من جانب الإدارة الأميركية. فعلى سبيل المثال الكلام على الخطة الدفاعية هو كلام مهم وأساسي بل حيوي، والحرب على لبنان أكّدت جدواه. وغياب ذلك التوجه في الخطاب السياسي السائد يدل على مدى انزلاق الحزب في مطبات اللعبة اللبنانية الداخلية. من جهة أخرى، ليس هناك خطاب عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان وعن المقترحات للتغيير.
الملاحظة الرابعة هي ضرورة مراجعة بعض القرارات السياسية المكلفة للغاية كالتحالف الرباعي في الانتخابات النيابية. وإذا كنت على يقين أن الحزب لن يكرّر تلك المأساة التي حصلت ربما تحت وطأة الابتزاز المذهبي إلاّ أن مخاطبة عقول اللبنانيين هي أجدى من مخاطبة قلوبهم التي هي في المدى القريب أكثر خطورة. فكما يقول المثل الشعبي «لا يصحّ إلاّ الصحيح»، إذ على المدى الطويل تبقى مصارحة المواطنين هي الطريق الوحيد لكسب ثقتهم.
وهنا تأتي الملاحظة الخامسة التي قد تساهم في الخروج من وطأة الابتزاز المذهبي الذي يتعرض له الحزب. كنت أتوقع أن يرفع الحزب الالتباس عن موقفه مما يتعلق بالوضع العراقي. صحيح أن سيدّ المقاومة أعرب مراراً وتكراراً تأييده مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق إلا أن الجزء الآخر من المعضلة العراقية هو الدور الإيراني ودور الميليشيات الخاضعة للنفوذ الإيراني في الفتنة الداخلية التي تمزّق العراق والتي لا تخدم إلاّ مصالح العدو الصهيوني والمحتلّ الأميركي. في هذا السياق كنت أتوقع أن يكون الحزب على الموجة نفسها مع أبناء التيار القومي العربي بالنسبة إلى إيران. وكوني من ذلك التيار أقدّر مواقف الجمهورية الإسلامية في تصديها للعدو الصهيوني ودعمها الخط المقاوم للشعب الفلسطيني، وإنني أقرّ بحق الجمهورية الإسلامية في تملّكها التكنولوجيا النووية واستمرارها في برنامجها النووي الذي يعترف بحقها فيه كل من القانون والتشريعات الدولية، وأقف معها ضد الهجمات التي تتعرض لها من جانب دول الغرب الداعمة للعدو الصهيوني في ما يتعلق بحقها هذا. هذا التملك للتكنولوجيا النووية بكل أشكالها هو مكسب للأمة الإسلامية بما فيها الأقطار العربية ولكل من يريد أن يردع ويتخلّص من الهيمنة الغربية على منطقتنا. فأمننا القومي العربي ليس بالضرورة على تناقض مع مصالح إيران القومية. ولكن بالمقابل لديّ ملاحظات عديدة على موقف الجمهورية الإسلامية في إيران في كل من الملفّ العراقي المسهّل والداعم للغزو ومن ثمة احتلال العراق وأفغانستان، ودعمها ميليشيات تساهم في الفتنة المذهبية التفتيتية للعراق، واحتلالها الجزر العربية في الخليج العربي. ولكن هذا الاختلاف لن يغيّب عن بالي أن الجمهورية الإسلامية في إيران قد تشكّل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي العربي، فضلاً عن أنني أعتبر إيران إحدى ركائــــــز الممانعة للمشاريع الأميركية الصهيونية في المنطقة، وأنظر بفارغ الصبر إلى اليوم ــ وإن كان بعيداً في الظروف الراهنة ــ الذي يكتمل فيه التوافق الاستراتيجي بين كل من الأمة العربية والجمهورية الإسلامية في إيران وتركيا في مواجهة المخاطر المحدقة بمنطقتنا وشـــــرق أوسطنا نحــــن وليس شرق أوسط الغرب.
هذه بعض الملاحظات التي تدور في بالي والتي تعكس قلقي على المقاومة بشكل عام. فهل يستطيع الحزب الاستماع والانفتاح على من يشاطره الموقف الاستراتيجي، وهل يستطيع أن يتفاعل بشكل إيجابي مع كل من لا يشاطره المواقف التكتيكية؟
*كاتب وباحث لبناني مقيم في الولايات المتحدة