بولس خلف *


الخسائر الفادحة في صفوف جيشه في العراق وانسداد أفق الحل السياسي في هذا البلد، الصفعة القوية التي وجهها له الناخبون خلال الانتخابات التشريعية النصفية، وازدياد الانتقادات الدولية لسياساته، لم تثن الرئيس الأميركي عن المضي قدماً في تحقيق الهدف الأبرز الذي حدده لولايته الثانية وهو ضرب إيران. رغم الظروف الداخلية والخارجية غير الملائمة التي تمر بها إدارته والضعف الذي أصاب فريق المحافظين الجدد، أظهر جورج بوش تمسكه بخياراته الأساسية إلى حد العناد، رافضاً إدخال أي تعديل جوهري عليها ومقتصراً التغييرات على بعض اللمسات الشكلية أو التنازلات اللفظية في محاولة لتخفيف حدة المعارضة الداخلية والخارجية التي قد يواجهها في المرحلة المقبلة.
لم تسقط إدارة بوش الخيار العسكري ضد إيران في أي وقت من الأوقات. فقد كشف الصحافي الأميركي سيمور هرش في الربيع الماضي عن سيناريوهات وضعتها القيادة العسكرية، بما فيها احتمال توجيه ضربات نووية تكتيكية لتدمير المنشآت الإيرانية المحصنة تحت الأرض. لكن بسبب ضغط حلفائها ومعارضة الصين وروسيا، أعطت إدارة بوش فرصة أخيرة للمفاوضات التي ساهمت بإفشالها من خلال رفض أي حلول تسمح لإيران بامتلاك التكنولوجيا التي تمكّنها من إنتاج الوقود النووي، وكان آخرها المقترح الذي تقدمت به طهران، في الصيف الماضي، بإنشاء كونسورتيوم فرنسي ــ إيراني مع مشاركة أوروبية يقوم بتخصيب اليورانيوم.
يبدو أن قرار وضع الخيار العسكري موضع التنفيذ اتّخذ في ضوء هزيمة الجيش الإسرائيلي على يد المقاومة في لبنان. نتج من هذه الحرب خلل كبير في المنظومة السياسية والعسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. السكوت عن الهزيمة قد يسرّع في تآكل المشروع الأميركي وصولاً إلى انهياره التام، مع ما يعنيه ذلك من خطر كبير على دور الولايات المتحدة ومكانتها في العالم. لذا قرّرت الإدارة الأميركيّة البدء بهجوم معاكس في كلّ الساحات، من أجل تهيئة الظروف والأجواء لتسديد ضربة لإيران. ومهّدت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كوندوليزا رايس سياسياً لهذا المشروع من خلال جولتها في المنطقة في أيلول الماضي عبر إرساء دعائم «محور المعتدلين العرب» بوجه «محور المتطرفين» الذي تقوده إيران.
إنّ عرقلة الولايات المتحدة لكل المبادرات لحل الأزمة اللبنانية تدخل في إطار حربها على إيران، لاعتقادها بأنّ أي تسوية في لبنان تلبّي مطالب المعارضة تقوّي «محور المتطرّفين». لكن العراق يبقى ساحة المبارزة الأهم بين الولايات المتحدة وإيران. وقد توالت في الأيام الماضية تصريحات المسؤولين الأميركيين التي تدلّ على أن واشنطن أخذت قراراًَ حاسماً بمحاربة نفوذ الجمهورية الإسلامية في هذا البلد. ففي مقابلة يوم الأحد مع شبكة «سي بي أس» الأميركية، حذّر جورج بوش الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بالقول «إذا ضبطنا إيرانيين داخل العراق يؤذون رعايا أميركيين أو عراقييّن، فإنك تعلم أننا سنتدخّل ضدهم». وأضاف بوش أن فشل أميركا في العراق سيعزز نفوذ إيران. من جهته، قال نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لشبكة «فوكس نيوز» إن إيران تتدخّل في العراق عبر المساعدة في الهجمات على القوات الأميركية و«دعم الميليشيا الشيعية في العنف الطائفي بحق الأقليّة السنيّة». ورفض تشيني استبعاد أي عمل عسكري ضد إيران بسبب ما يسمّيه دعمها المتطرفين الإسلاميين في العراق وفي مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
وذهب نائب الرئيس الأميركي إلى حد القول إن التهديد الإيراني «متعدّد الأبعاد ويتجاوز العراق ليصل إلى تهديد المعتدلين المتحالفين مع الولايات المتحدة». وأضاف تشيني في المقابلة، أن حلفاء أميركا مثل السعودية والأردن قلقون من الدعم الإيراني لحركات إسلامية «متطرفة» والاشتباه في سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية.
من جهته، رفض ستيفن هادلي، مستشار الأمن القومي للرئيس بوش، استبعاد دخول القوّات الأميركية إلى إيران. أمّا السفير الأميركي في بغداد زلماي خليل زاد، فأكّد أنّ أميركا ستحارب الشبكات السورية ــ الإيرانية في العراق.
كل هذه المواقف التصعيدية لمسؤولين أميركيين ضد إيران، تترافق مع تقارير صحافية أميركيّة تؤكد أنّ الرئيس جورج بوش أعطى أوامره لبدء حملة متعدّدة الأوجه ضدّ أصدقاء إيران وحلفائها في العراق. فقد نقل الموقع الالكتروني التابع لصحيفة «نيويورك تايمز» عن كوندوليزا رايس، أن هناك قراراً «بتعقّب الشبكات الإيرانية».
تأتي هذه التأكيدات بعد الغارة التي شنّتها القوّات الأميركية على القنصليّة الإيرانية في أربيل حيث ما تزال تحتجز خمسة من العاملين الإيرانيين فيها. وكانت القوّات الأميركية قد اعتقلت في كانون الأول الماضي دبلوماسيين إيرانيين أفرجت عنهما بعد أيّام قليلة.
التصعيد الكلامي والحملة الأمنية يترافقان مع استقدام تعزيزات عسكرية أميركية كبيرة إلى منطقة الخليج. فبعد الإعلان عن نشر بطاريات مضادة للصواريخ من نوع باتريوت، قالت مصادر أميركية إن القيادة العسكرية قررت إرسال حاملة طائرات إضافية وعدة سفن متخصصة بإطلاق صواريخ كروز إلى منطقة الخليج للانضمام إلى القوة البحرية الضخمة المنتشرة هناك.
دان بليش، الباحث في المركز الدولي للأبحاث والدبلوماسية، كتب أن «الرئيس بوش يخطّط لإضافة الحرب على إيران إلى انتصاراته في العراق وأفغانستان». ويقول الباحث إنّ العديد من الخبراء العسكريين يرون في التعزيزات التي أرسلتها واشنطن إلى الشرق الأوسط «إشارة إلى أن الحرب على إيران أصبحت وشيكة». ويضيف بليش أن بطاريات الباتريوت تهدف إلى إسقاط الصواريخ الإيرانية الطويلة المدى. أمّا الوحدات البحرية فتهدف إلى منع إيران من إغلاق مضيق هرمز. ويكشف الباحث الأميركي أن الإدارة الأميركية وضعت استراتيجية تهدف إلى تغيير النظام في إيران بدون التورط في غزو بري لهذا البلد. وترتكز الخطة العسكرية الأميركية على حملة واسعة من القصف الجوي على عشرة آلاف هدف في الأيام الأولى للحرب تمثل البنى التحتية العسكرية الإيرانية من مصانع أسلحة، ومراكز أبحاث نووية، ومنصات إطلاق الصواريخ. وستقوم وحدات خاصة بإنزالات داخل الأراضي الإيرانية لتدمير بعض المنشآت الحساسة.
تؤكد الإشارات أن توجية ضربة عسكرية لإيران أصبحت مسألة وقت. لكن الإدارة الأميركية تعرف جيداً أن أي عملية عسكرية، مهما كانت واسعة، لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني الذي يتمتع بمشروعية شعبية وبإمكانات وفيرة. الأقرب إلى الظن أن طموح الرئيس جورج بوش يقتصر على إيجاد ديناميكية تلزم من يأتي بعده متابعة ما يكون قد بدأه. تماماً كما فعل والده خلال حرب الخليج الأولى، حيث وضع المدماك الأول لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين... الذي حصل بعد خمسة عشر عاماً.
إذا كانت مفاجآت «حزب الله» في الجنوب بالحجم الذي نعرفه فهل يعلم بوش الابن ماذا تخبئه له إيران في الخليج؟
* كاتب لبناني