غالب أبو زينب*


بين القلق الذي يبديه السيد زياد حافظ في مقالته** حول مستقبل المقاومة في لبنان، بما هي وجه المشروع الوطني فيه والمشروع العربي النهضوي الوحدوي للأمة العربية، وبين رؤيته أن الحرب على لبنان هي أولاً وأخيراً على المقاومة وسلاحها، وما تمثله من ثقافة الممانعة بوجه المشاريع الأميركية والصهيونية في المنطقة، وبالتالي اعتبار الصراع السياسي القائم اليوم في لبنان ليس إلا امتداداً لتلك الحرب، بين هذا وذاك يكمن الوضع الحاد الذي يمر فيه لبنان والصعوبات التي تعتري المقاربة السياسية لقضاياه الشائكة التي قد تبدو في بعض حساباتها التحليلية الصرفة لا تستجيب لما هو مأمول منها بما تحمل من رمزية ودلالات وبما تقدم من أمل في الخلاص الجماعي على امتداد المنطقة، وخاصة بعد أن اصطدمت كل التجارب النضالية بالحائط المسدود وتداعت الأمور إلى حد الاستكانة الشبيه بالموت، مستسلمة لقدرها المظلم... ضمن هذا أستطيع أن أقارب بعض ملاحظات السيد حافظ التي أوردها في مقاله:
1ــ يرى السيد حافظ في ما يتعلق بالعمل السياسي الداخلي للحزب، وبسبب موقعه في قيادة المقاومة الوطنية، أن تكون مهمته الأولى والأساسية الحفاظ على هذا النهج والإصرار على السلم الأهلي وعدم الغوص في أوحال السياسة اللبنانية، حفاظاً على هالته وقدسيته. ويرى أن المتوقع أن يرفق عمله ببرنامج تغييري متمايز عن الآخرين ويشير إلى مثال الخطة الدفاعية وأهميتها وجدواها. لكنه يرى أن الخطاب السائد حالياً يدل على مدى انزلاق الحزب في مطبات اللعبة اللبنانية الداخلية...
بداية لا بد من الإشارة إلى أن منهج الحزب ــ بوصفه مقاومة ــ في التعاطي مع الوضع الداخلي اللبناني الشديد التعقيد برز بشكل واع في انتصار عام 2000، حيث كانت الأمور أمام حقبة مفصلية إما أن تذهب باتجاه إضاعة الانتصار ودلالاته الكبرى وانعكاساته عبر ممارسات انتقامية تطال بشكل عشوائي المناطق المحررة وتخدم العدو الصهيوني، وإما الارتفاع إلى مستوى المسؤولية التي تفرضها أهمية اللحظة وبعدها التاريخي. ومنذ تلك اللحظة والمقاومة لم تغير سلوكها الداخلي، بل ازدادت رسوخاً في تعميقه وتحويله إلى جزء أساسي في مكوناتها عبر جعله ثقافة لجماهيرها السياسية ونقله إلى ميدان الممارسة الفعلية. أما مع انفراد المساحات السياسية بعد الانسحاب السوري من لبنان وما رافقه من تطورات، فإن الحزب بما هو قوة أساسية ورافعة لخط المقاومة كان من البديهي أن يتصدى لملء الفراغ ولإيجاد التوازن على الساحة، إذ إننا كنا أمام هجمة تحاول إسقاط لبنان في قبضة الإدارة الأميركية، مستعملة كل أدوات التجييش المتاحة من إعلامية ومذهبية. وبالرغم من ذلك فإن خطاب المقاومة وممارستها ظلا يصبان في إطار الوحدة الوطنية وإطفاء الفتن المذهبية والتروي إلى الحد الأقصى، برغم كل المشاريع التي كانت تحاك أمام أعيننا للقضاء على المقاومة (مطالبة بنزع السلاح.. تطبيق 1559 وغيره). لا بل إننا ذهبنا بعيداً اتقاءً لأي استغلال من الخارج إلى حد وضع سلاح المقاومة في خضم النقاش وقدمنا رؤيتنا في موضوع الاستراتيجية الدفاعية، وكنا على الجانب الآخر نعقد تفاهماً مع التيار الوطني الحر نسقط فيه من جهة إمكان بناء جدار في الواقع الإسلامي المسيحي ونعبر من جهة أخرى إلى مقاربة جادة تؤمن الاستقرار الداخلي وتقديم خطاب سياسي من طرفين لم يختبرا الفساد والإفساد، ويتطلعان إلى نموذج دولة عصرية قادرة... لكن مقابل ذلك كان التآمر في تموز والعمل بقوة على تنفيذ المآرب الإسرائيلية ــ الأميركية في تسليم السلاح وإنهاء نموذج المقاومة الذي لم يقتصر على زمن الحرب، بل استكمل في مرحلة ما بعد الحرب مباشرة. ومع ذلك عملنا بكل انتباه كي لا ننجر حيث يريدون، سواء في المسائل المذهبية أو الطائفية أو غيرها من الأمور، فالمعركة الشرسة التي تستعمل فيها كل الأدوات وتسقط فيها كل المحرمات من قبل الخصوم الذين باعوا أنفسهم للشيطان الأميركي، تضطرك إلى أن تدافع عن نفسك كمشروع. ولكن بالرغم من كل ذلك بقي على رأس ثوابتنا الاستقرار الداخلي، رفض الخطاب المذهبي، التأكيد على الوحدة الوطنية، عدم الانجرار إلى مواجهة، فهل الدفاع عن النفس هو انجرار إلى وحول السياسة اللبنانية. إن وحول السياسة اللبنانية مصطلح يجب أن لا يلتبس بحيث يصبح الاعتصام في بيروت الذي يريد أن يؤمن المشاركة الفعلية في السلطة عبر الثلث الضامن لحماية مشروع المقاومة ومنع الإدارة الأميركية من الانتصار في لبنان هو دخول في وحول السياسة، إن الوحول المقصودة التي يجب أن لا تغيب عن بال أحد هي كل ما يمت بصلة إلى الصفقات والرشى وتقاسم المغانم من مشاريع وشركات خلوي وغيرها، وهذا ما تمارسه السلطة، لكن لم ولن يكون للمقاومة دور فيه بأي حال من الأحوال...
أما الحديث عن أن «التعاطي بالشأن الداخلي له مستلزمات لم تكن قيادة المقاومة أعدتها قبل المعركة وبعدها بالعناية نفسها التي أعدّت للمعركة مع العدو» وبأن «إدارتها للمعركة السياسية كانت وما زالت حتى الساعة دون المستوى المتوقع»، إن هذه المقاربة تسقط عاملاً حاسماً في الوضع الداخلي اللبناني، فإذا كان العدو الإسرائيلي قابلاً للهزيمة على يد المقاومة في إطار جهوزيتها واستعدادها الكامل والدائم لذلك وهذا ما حصل فعلاً... فإن مقاربة الوضع الداخلي بهذه الطريقة يشكل اختلالاً كبيراً وعدم تمعّن في الحيثيات التي تفرض طريقة التعاطي، فالمسألة ليست حسابات عسكرية تحسم فيه المقاومة الصراع لمصلحتها سريعاً، إننا أمام داخل أقل ما يقال فيه أن التداخلات السياسية والطائفية والمذهبية والاجتماعية والخارجية ومصالح النفوذ وما إليها تقترن مع حسابات أي خطوة سياسية تريد أن تأخذها، لذا إن كان عمل المقاومة ضد العدو هو الجهاد الأصغر، فإن التعاطي مع الشأن الداخلي هو الجهاد الأكبر، فكتلة اللهب التي يراد لها أن تنفجر لتطيح كل الإنجازات استطعنا أن نتجاوزها بأداء سياسي امتص كل الهجمة الأميركية والداخلية، وعمل على شل حركتها وإفشال مخططاتها بهدوء وروية يتطلبها الواقع اللبناني بعيداً عن الانفعالية وعن استحضار التماثيل بين سرعة إنجاز المهمة ضد العدو وضرورة أن يتم سريعاً حسم الأمور الداخلية، فالأمور أعقد من أن تباشر بهذه الطريقة في ظل الحفاظ على الثوابت الوطنية. إن جل ما تريده الإدارة الأميركية الدفع إلى مواجهة داخلية سريعة واحتكاك داخلي (سواء يدرك أركان السلطة ذلك أو لا) لإسقاط النموذج المقاوم وللقول إن المقاومة سقطت في وحول الداخل وأصبحت ميليشيا مثل الآخرين. من هنا فإن إدارة معركة الداخل تتم بعناية فائقة بالرغم من كل المشقات التي نلقاها. لذلك، إذا ما اتضحت الصورة، فإنه لا إخفاق ولا تراجع، بل خطى ثابتة وأهداف واضحة، ومعركة صحيح أن ظاهرها مع أطراف داخلية، إلا أنها مواجهة مع الإدارة الأميركية، وشراستها متأتية من أنها معركة حاسمة بين خيار المقاومة والممانعة، وخيار القضاء نهائياً على كل مرتكزات النهوض المقاوم لهذه المنطقة العربية.
2 ــ إن الحديث عن «ضرورة تعبئة كل القوى الشعبية والمثقفة التي لا تستطيع لأسباب عديدة الانخراط في صفوف حزب الله» والحديث عن «بروز خطاب سياسي ساهم من حيث لا يدري في الفرز أكثر مما ساهم في التعبئة والجمع» والركون إلى أن «الخطاب التصعيدي ساهم في الفرز السياسي وأفسح المجال للخطاب المذهبي التفتيتي عند الأكثرية». إن من نافل القول الالتفات إلى التعبئة في كل مستوياتها وخاصة خارج إطار حزب الله، لكن ما ينبغي إدراكه هو أن هذه التعبئة قائمة ومتمحورة في جزء أساسي منها في الأحزاب والقوى السياسية التي تجمع تحت لواء المعارضة وتخوض غمار المواجهة مع السلطة (الإدارة الأميركية) وإن الفرز الحالي هو في أحد مستوياته يأخذ طابع المواجهة الحادة بين هذين التيارين. طبعاً هذا لا يغطي كامل الصورة، ولكنه يشكل الجزء الأساسي منها، وخاصة إذا ما أضيف إليها بعض الأطر والمنتديات الداعمة للفريق المعارض (مثقفين وغيرهم) لكن لم تستطع أن توسع مشروعها في ظل تغيير أولويات الساحة الداخلية، إلا أنها حاضرة ولها رأيها من خلال تنوّع المعارضة وتنوّع الآراء والمشارب فيها... ولأن المعارضة متنوعة فإن الحديث عن بروز خطاب سياسي عند الحزب أسهم في الفرز يبدو مستهجناً لأن تحميلنا مسؤولية بروز الخطاب المذهبي التفتيتي فهذا التباس يقارب التجنّي، إذ إن مراجعة سريعة لكل الخطاب السياسي المقدم لم تخرجنا من الإطار المذهبي، بل إن كل الهجمات المذهبية التي باشرها الكثيرون ضدنا تجاهلناها لحساب وحدة المسلمين واللبنانيين. أما الحديث عن تسعير الخطاب المذهبي فإريد أن ألفت الانتباه إلى أن الوسيلة المتاحة أمام الآخرين توحي بأننا نريد الاعتداء على حقوق المذهب والاستيلاء على الحكومة التي هي من حق السنّة (مثلاً). إن هذا الخطاب التجييشي هو عدة العمل للاستقطاب عند الحديث عن المحكمة الدولية وليس رد فعل، فإذا لم يكن هذا الخطاب، فما هو البديل؟ هل يقولون صراحة إنهم ضد المقاومة؟ عندئذ لن يكون هناك شد للعصبية المذهبية، فالورقة الرابحة هي التجييش، لذلك استعملوه وليس لأي شيء آخر.
3 ــ إن الحديث عن العراق في معرض «المساهمة للخروج من وطأة الابتزاز المذهبي من خلال رفع الحزب للالتباس عن موقفه في ما يتعلق بالوضع العراقي» لا يعكس قراءة دقيقة لموقف الحزب، المتمثل بشكل واضح وحاسم لا يقبل الجدل بأن العراق يقع تحت الاحتلال الأميركي وأن المقاومة لهذا الاحتلال مشروعة ومطلوبة وأن كل من يقاتل الاحتلال هو مقاومة شريفة تحترم وتقدر وتقوم بدروها بدون أي التباس، أما أي ربط بما يجري في لبنان مع ما يجري في العراق فهو تعسف لا يمكن الركون إليه نظراً لاختلاف الساحتين ومعطيات الوقائع فيهما، ولعدم وجود نفوذ أو دور للحزب في الموضوع العراقي، فالحزب والمقاومة يديران معركتهما في لبنان وذلك نطاق عملهما، أما أي حديث آخر فهذا لا يستقيم مع الواقع القائم بغض النظر عن كل المآسي التي يتعرض لها العراق.
وأخيراً لا بد من التأكيد للسيد حافظ أننا منفتحون ومستعدون للاستماع والاستفادة والتعلّم من كل مخلص ويحمل الهموم نفسها التي نحملها، فهذا أقل الواجب تجاه رفاق الدرب والمصير.
* عضو المجلس السياسي في حزب الله
** مقالة نشرت في جريدة الأخبار ــ ساحة رأي ـــ العدد128