ناصيف قزّي *


... أسرعْ، ربما تكونُ أنت من سيقعُ عليه الخيارُ غداً...
سياسيّون غِبّ الطلَب... بالجُملة أو بالمفرق، لا همّ... المُهم أن يجلسَ هؤلاء على كرسيٍّ ما... على عمودٍ ما... في مكانٍ ما. وإذا أمكنَ، أن يَحشُروا أنفسَهُم إلى تلك الطاولة الكبيرة المربَّعة، في ذلك البهو الحريريّ الشاهانيّ... حيث تراصف، قبلَهم، من حولها، أرباعٌ وأثلاثٌ وأنصافٌ من أَشباه الرجال، ومن بقايا أحزابٍ وهيئاتٍ وتجمّعات، جُلُّها من خارج الزمن... ليتأكّد لك أنَّ الزمن الذي نعيش هو زمنُ التصحُّر السياسي، والشحّ المعرفيّ، والبؤس الكياني. إنَّه، عن حق، زمن الأجسام اللَبوس وعُقم العقول وتعاسة النفوس.
هنا «حليفٌ خائنٌ»... أتت ساعته. وهناك شتّامٌ خدَعتْه الشتيمة. وهنالك منافقٌ ثَبُتَ أنّ رهانهُ خارج الدار. هذا يُطلُّ من صحيفةٍ، أين منها سياسةُ الصحّاف... وذاك من شاشةٍ فسُدَ مِلحُها... وذلك من على منبر هجرتهُ الأيقونةُ حياءً.
أخي المواطن،
قد يُؤذيكَ بعضُ الكلامِ في الصحافةِ المرئيَّةِ والمسموعةِ والمكتوبَة، كلام سماسرةِ الزمنِ الرديء... قد يُؤذيكَ كُفرُ الكافرينَ ومَكرُ الماكرين... قد يُؤذيكَ كلامٌ لا تستطيعُ أن تدحَضَهُ، فتكتفي بتمزيقِ الجريدة أو بإطفاء التلفاز. هذا... إذا سَلِمَتْ الشاشةُ من غضبِك.
كلاّ أخي المواطن... لا يُغْضِبَنَّكَ نفاقٌ موصوفٌ ومَكرٌ مألوف... فحَبْلُ الأكاذيبِ لن يَطول... والأقنعةُ أغشيةٌ من رمادٍ رطبٍ، تتطايرُ مع الشروق.
أجل... هو النورُ الذي يَكشِفُ كلَّ شيء... فلا الأقنعةُ تُخفي ولا النِعال.
قد تُؤذيكَ رؤيةُ بعضِ الوجوه... قد لا تَحتَملُ تحاليل بعض الساسة وتقاريرِهم وادّعاءاتِهم، وما يقدّمونَه من توجيهاتٍ وتوجُّهات. لكنَّك من سيمائِهم تعرفهُم... أكانوا في عالَمِ الصباحِ أم في استحقاقِ المساء... أكانَ كلامُهُم كلامَ الناسِ أم جُرأةً في الكلام...!؟
صدّاميّين كانوا أو خدّاميّين أو يهوذيّين... فقد فضّلوا جميعاً الثلاثين من الفضّة على ملكوتِ الأرضِ والسماء.
أخي المواطن،
لا تيأس، فالثورةُ البيضاءُ تؤرِقُهُم وتعوقُ خُططَهم... إنها النورُ الذي يَكشِفُ عُريهُم، والحقيقةُ التي ستُعيدُ ترتيبَ المعايير لتُعيدَ الحقَّ الى نصابه.
أما هم، فستَحِلُّ اللعنةُ عليهِم لما اقترفوهُ من كبائرَ في أدوارِهِم المتعاقِبة وما يتفوَّهونَ به اليوم من أكاذيب... ولن يكونوا في الغد القريب، في حسابات الناس، الأقربين والأبعدين، وفي دفاتر التاريخ، أكثر ممّا كانه خوَنَةُ الشعوبِ في مساراتِها التحريرِيَّةِ والتحرُّريَّة... لأن الشرفاءَ هم شرفاءٌ في كلِّ دورٍ، ولا يُمكنُهم أن يكونوا غيرَ ذلكَ مهما جارَت الأيام وتبدَّلَت الخِلافات. كما لا يمكِنُهُم أن يَنتَقلوا من موقعٍ الى موقع مدَّعين ألقاباً ما كانت يوماً لهم ومتذرِّعينَ بالأضاليل... وهم في حقيقتهم نفعيّون ومتقلّبون ليس إلاّ...!؟
أخي المواطن،
صحيحٌ أن في بورصة الدعارَة السياسيَّة اللبنانيَّة سياسيّين غبّ الطلب لنكء الجراح وإفساد الانتصارات وتضليل الناس... لكنَّ ما يُثلِجُ القلب، هو أَنَّ في لبنان، وعلى الرغم مما يتعرضون له من أذىً من هذا وذاك، قادةً أصفياءَ أنقياءَ شرفاءَ، يتقَدَّمُهُم سيِّدان: سيِّدُ المقاومة وسيِّدُ القرارِ الحرّ. ودأبُهُم، أن يَبقى لبنان وطنَ العزَّةِ والكرامَةِ... وسيبقى.
وكي يَبقى هذا اللبنان موطنَ الحريّةِ والعدالةِ والازدهار... وكي نَستَرِدَّ حقَّنا في الشراكَةِ والمساءَلة وصُنع القرار... وكي نُعيدَ الى السياسة اللبنانيَّة صفاءَها... هلمّوا معي غداً لنملأ الساحات احتجاجاً، فنُسقِطَ جدار الوصايَة والتعنُّت والاستئثار.
* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانيَّة